Accessibility links

كارثة "ملك اليمين" عند رجال الدين


الداعية عبدالله رشدي (من حسابه على فيسبوك)

د. توفيق حميد/

خرج علينا من جديد الشيخ عبدالله رشدي، الداعية الإسلامي المعروف بتصريحاته المثيرة للجدل عن جواز سبى النساء في الحرب ومعاشرتهن جنسيا. تسببت تصريحاته في حالة من الغضب وعاصفة من ردود الفعل المنددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. العجيب في الأمر، أن عبدالله رشدي لم يبتدع شيئا جديدا في هذا الأمر، فهو ـ أي جواز سبي النساء في الحرب واغتصابهن ـ ما يدرّسه الأزهر في كتبه، وما أجمع عليه فقهاء الإسلام والشريعة في كتبهم ومراجعهم.

والسؤال هنا لماذا يتعجب البعض من فتوى عبد الله رشدي؟ في حين أنه تبعا للمصادر الإسلامية التقليدية وكتب الصحاح فإن الرسول عليه السلام كان لديه على الأقل أربعة من السراري.

ويعتمد من يروجون لهذا الفكر البشع ـ أي فكر الرق واستباحة عرض الرقيقة ـ والذي

هل استرقاق امرأة في ضعف واغتصابها هو واحد من أعمال الشرف والمروءة

يتنافى مع كل مبادئ الإنسانية، على التفسيرات والمفاهيم التقليدية لبعض الآيات القرآنية مثل "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" (سورة المؤمنون آية 5 ـ 6). وتفسير ابن كثير لهذه الآية جاء كما يلي:

"قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: (فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك) أي: غير الأزواج والإماء".

وبدلا من أن يضع شيوخ الإسلام تفسيرات ومفاهيم جديدة لهذه الآيات، فهم ـ وعلى العكس من ذلك تماما ـ نراهم يفخرون بمفاهيم بالية، بل ويختلقون لهذه التفسيرات عذرا وتبريرا كما فعل الداعية عبد الله رشدي في محاولته تبرير جريمة سبي ومعاشرة النساء في الحروب، حينما قال لتبرير ذلك، وكان يتكلم عن معاشرة أسيرة الحرب جنسيا، "هي إنسانة لها احتياجات".

ويستند الكثير من فقهاء الإسلام في مبدأ استحلال سبي النساء ومعاشرتهن جنسيا إلى موقف الرسول عليه السلام من صفية بنت يحي، حينما هُزَم قومها في غزوة خيبر، وتم أخذها للمعاشرة الجنسية، والقصة كما ذكرت في كتب السنة والتراث الإسلامي هي ما يلي:

"قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذُكِر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قُتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت، فبنى بها (أي دخل عليها وعاشرها)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية.

الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري ـ المصدر: الجامع الصحيح ـ الصفحة أو الرقم: 2235 خلاصة الدرجة: [صحيح].

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل وصل بفقهاء الإسلام وحماة الشريعة "الأغراء" إلى إباحة اغتصاب الأسيرات المتزوجات في الحروب، فكما يقولون في كتبهم إنه "يفك حصنها بالأسر"، أي أن أسرها يُنهي عقد زواجها فتصبح حلالا لمن يملكها بعد الحرب كأمةٍ عنده.

وعلى سبيل المثال هذا ما جاء في تفسير آية (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) في واحد من أكثر تفاسير القرآن احتراما في العالم الإسلامي ألا وهو تفسير ابن كثير:

"وقوله [تعالى] (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات، وهن المتزوجات (إلا ما ملكت أيمانكم) يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطئهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان ـ هو الثوري ـ عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) [قال] فاستحللنا فروجهن".

وصدقوني أني أشعر بالألم وبالعار وبأن القلم يرتعش في يدي لمجرد ذكر هذه الأشياء، ولكنها ـ وللأسف الشديد ـ هي الحقيقة المرة كما وردت في كتب التراث الإسلامي، والتي يرفض شيوخ الإسلام وعلماء الأزهر ـ حتى هذه اللحظة ـ تنقيحها.

والكارثة ـ كل الكارثة ـ أن أمثال عبدالله رشدي وغيره ممن يتبعون هذا الفكر وهذه المفاهيم، ويدافعون عنها مثل العميان، ويتشدقون بها مثل الببغاوات، لم يسألوا ضميرهم ولو لمرة واحدة إن كان هذا يتفق مع ما يريدون إظهاره للعالم بأن الإسلام هو دين السلام، وأن محمدا أرسل رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء آية 107.

ولو سأل هؤلاء الشيوخ ضميرهم ولو لمرة واحدة هل هذه رحمة أو إنسانية؟ وهل استرقاق امرأة في ضعف واغتصابها هو واحد من أعمال الشرف والمروءة، لأجابهم ضميرهم ـ إن كان لا يزال موجودا ـ بلا وألف لا!، بل ولصرخ فيهم يذكرهم بأن هذا هو الفجور بعينه والظلم في منتهاه!

أشعر بالألم وبالعار وبأن القلم يرتعش في يدي لمجرد ذكر هذه الأشياء

وتحضرني الآن الآية الكريمة في القرآن والتي حرمت أخذ الأسرى بعد الحروب ألا وهي (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) سورة محمد آية 4.

وأتعجب كيف ولما أغفل فقهاء الإسلام هذه الآية عبر التاريخ؟ ويا ترى هل كان شبقهم الجنسي المجنون لسبي واغتصاب النساء في الحروب هو الذي دفعهم لإهمال هذه الآية؟ ولن أتطرق في هذه المقالة لشرح تفاصيل أكثر عن هذه الآية القرآنية وسأتطرق لهذا الأمر بالتفصيل في مقالاتي القادمة بإذن الله.

والآن أعود مرة أخرى للداعية عبدالله رشدي وغيره من رجال الدين لأقول له "أترضاه لأمك" وأصرخ فيهم: "أترضونه لأمهاتكم"؟

بمعنى أنه لو جاءكم الآن جحافل من الغزاة يدعون لدين جديد وعليكم إما أن تقبلوه أو أن يقتلوكم أو أن تدفعوا لهم جزية، وفوق ذلك إن قاومتموهم فإنهم سيأخذون "أمهاتكم" سبايا حرب، ويبيحون معاشرتهن جنسيا بمبدأ أن كل منهن "إنسانة" وأن "لهن احتياجات" كما قال الداعية عبدالله رشدي، فهل كنتم ستقبلون ذلك لأمهاتكم يا رجال الدين؟

فما لا ترضوه لأمهاتكم يا شيوخنا الأفاضل لا ترضوه لأمهات الآخرين!

اقرأ للكاتب أيضا: وإذا الكنيسة "سُئلت" بأي ذنب "هُدمت"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG