Accessibility links

كارلوس غصن ولبنان


كارلوس غصن خلال مؤتمره الصحفي

حسن منيمنة/

عند انتظار نتائج تجربة علمية كان من شأنها إثبات نظرية تقدم بها ألبرت آينشتاين، نقل عنه قوله: "في حال تبين صواب نظريتي، فإن ألمانيا سوف تفتخر بي على أنني ألماني، وفرنسا سوف تنسبني للإنسانية. أما في حال تبين أن نظريتي خاطئة، فإن فرنسا سوف تَسِمُني بالألماني وألمانيا سوف تقول عني يهودي".

حالة مشابهة تطال كارلوس غصن. فهو يوم كان ناجحا شهد تنافس في وصفه بين جنسيتيه الفرنسية والبرازيلية، بل كادت الثقافة اليابانية، والتي دخلها من باب الـمانغا العريض (أي القصص المصورة الواسعة التداول، يوم صدر كتاب مصوّر باليابانية يظهر كارلوس غصن على أنه بطل)، أن تمنحه صفة الياباني الفخري. أما اليوم، وهو طريد العدالة، فالصفة اللاصقة به، والمكان المحيط به، وطنه الأول لبنان.

ولبنانيو البرازيل عامة، كما حال كارلوس غصن، ذوو هويات مطاطة. في أوائل قدومهم إلى مهجرهم هذا قبل أكثر من قرن كانوا يعرفون بـ "التوركو"، نسبة إلى تركيا، أي الدولة العثمانية التي كانوا من رعاياها. ثم تقدّم الزمن، وارتقى بعضهم السلم الاجتماعي الاقتصادي، وتبدلت صفتهم إلى "السورية"، تماشيا مع الانتداب الفرنسي الجامع يومئذ للبنان وسوريا.

كارلوس غصن، الذي اختار أن يهرب، لن يعود أبدا إلى مقام قدموس وجبران

واستمر تتالي الأعوام وتحسن الفرص، فأصبحوا "لبنانيين"، غير أن توالي تدفق من هم ملتبسي السمعة من وطنهم الأصلي إلى البرازيل، دفع بالمنحدرين من لبنان قبل جيل أو أكثر، ولا سيما الناجحين بينهم، ومنهم من بلغ أقصى درجات النجاح، إلى التخلي عن الصفة اللبنانية، بما تلزمه من ارتباطات خارجية، وتفضيل لقب "الفينيقية" عليه. وهكذا فإن بعض ناطحات السحاب في ساو باولو تحمل أسماء أسر لبنانية يراد لها أن تكون فينيقية.

أما كارلوس غصن، فحافظ على اسمه اللبناني، رغم صعوبة النطق به في كافة اللغات دون العربية. بالنسبة للبنان، قبل أن ينتكب كارلوس غصن بفعل الاتهامات القضائية وما تلاها من صرف واستقالة وتوقيف، فإن الرجل كان قصة نجاح موضع اعتزاز مطلق.

كيف لا، وهو منقذ شركة تصنيع سيارات فرنسية وأخرى يابانية، والمدير العام لهذه وتلك، رغم أنهما عند طرفين متواجهين من الكوكب، يتنقل بينهما أسبوعيا ليضمن نجاحهما، بل يشركهما مع ثالثة أخرى، يابانية مجددا، لينشأ أحد أقوى تجمعات إنتاج السيارات في العالم.

يطيب للبنان، هذا الوطن الصغير، أن يكون منتوجه الأول إلى العالم الواسع كفاءاته البشرية المبدِعة، بل تنشط السردية التي تستعيد التاريخ فيه، وإن كانت مركّبة (بل السرديات الوطنية في كل مكان مركّبة)، عبر ربط هذا الإشعاع اللبناني بالتاريخ السحيق.

فقدموس القادم من لبنان هو من علّم اليونان الحرف، ومنه أبجديات الغرب جمعاء، وجبران خليل جبران، بالأمس القريب، هو من خطّ "النبي"، ككتاب حكمة يختزل القيم العالمية المبنية على الحرية والمبادرة الفردية، ثم شارل مالك، وإن على ضمور بالمقارنة مع جبران مثلا، هو من شارك إليانور روزڤلت، زوجة الرئيس الأميركي في خضمّ الحرب العالمية الثانية، لصياغة شرعة حقوق الإنسان وتجديدها.

الناجحون من المغتربين اللبنانيين أو من ذوي الأصول اللبنانية كثر، وفي شتى المجالات. في الولايات المتحدة وحدها، يتراوحون من رالف نادر، داعية حقوق المستهلك والمرشح الرئاسي الأميركي الأسبق المشهود له بالنزاهة والكفاءة، إلى نسيم نقولا طالب والذي تتحدى كتبه الفذة الحقول المتباعدة بما يتقاطع فيها من فكر نظري وعملي، مرورا بعلماء وأطباء ورجال أعمال ووجوه ثقافية وفنية واجتماعية عزيزة، من كايسي قاسم مقدم الأغاني الناجحة طوال عقود والذي صاحب صوته الأجيال، إلى كريستا ماكوليف (مخلوف) والتي يطيب للبنانين هنا التأكيد على وجهها اللبناني، وإن غلبت أصولها الإيرلندية.

أما كارلوس غصن، فكان في مقام أعلى. قدموس، جبران خليل جبران، كارلوس غصن.

ثم سقط.

ليس لأنه تعرّض للاتهام.

واقع الأمر، حتى دون عمق اطلاع، تبدو التفاصيل في لائحة الاتهام على قدر من التكلف، بل على درجة من العبث والاستهداف. المدرج هنا تجاوزات، البعض منها واضح بمبالغ كبيرة، والبعض الآخر على التباس حول القدر والجرم. هل في الأمر إهمال وأخطاء واختلاف في أسلوب التعامل مع الثروة؟ ربما. هل الأمر أكثر من ذلك، أي هل سعى كارلوس غصن إلى استفادة غير مشروعة بحكم منصبه؟ الأمر وارد كذلك، ولا بد من مساءلة وإجابات. ولكن، هل يعقل أن الرجل الذي انتشل شركة تلو الأخرى من مدارك الإفلاس وانتقل بها إلى أعلى المستويات العالمية لا يحظى بالحد الأدنى من حفظ الكرامة بأن يسأل قبل أن يُساءل، بل يجري القبض عليه غفلة كاللص الشارد؟

ثم أن كارلوس غصن على حق في اعتراضه على طبيعة النظام القضائي الياباني. العناوين الرئيسية لهذا النظام هي افتراض الذنب والتعسف والتعنت وإطالة أمد التحقيقات حتى الإنهاك. والنادر النادر أن يخرج المتهم من دورة التحقيق والمقاضاة في هذا النظام بريئا.

ولا شك أن كارلوس غصن، بأسلوبه ونشاطه ونجاحه، قد استعدى بعض من هم في مواقعهم وأنماطهم في هذه الشركة وتلك، بل وربما أضر بمصالحهم. هل عمد عدد منهم إلى الافتراء والتوريط للتخلص منه؟ ممكن، إذا ما توفر الدليل.

كارلوس غصن سقط يوم قرّر بأن هذه مجموعة من المعارك لا يريد أن يخوضها، فتخلّى عن الكفالة المالية، ولجأ إلى شركة أمنية خاصة اعتمدت التزوير والخديعة لتهريبه من اليابان إلى تركيا ومنها إلى لبنان. هو نجا من نظام قضائي صارم، وربما من مكائد، وربما من افتراءات وأضاليل، ووصل إلى لبنان حيث يسعه أن يعيش برخاء، على الخلاف من معظم اللبنانيين، في أوساط طبقة سياسية ومالية متهمة هي أيضا بالفساد.

كارلوس غصن سقط يوم قرّر بأن هذه مجموعة من المعارك لا يريد أن يخوضها

ولكنه أهان اليابان، وفرنسا، والبرازيل، ولبنان، ساعة قرّر أنه رغم الاإمكانيات الواسعة التي بحوزته، ورغم الدعم المعنوي والتأييد والمتابعة، والتي حظي بها من كثيرين أرادوا له الثبات والبراءة والعودة إلى النجاح، يفضّل أن يختصر الضيق ببضع ساعات في الطائرة، وصولا إلى حرية، ذاتية وأنانية، وإن مقيدة.

هو وعد بأن يقيم مؤتمرا صحافيا هذا الأسبوع ليرافع ويفصّل. ليته انتظر ليفعل في اليابان. إنما على أي حال عساه حقا أن يفعل وأن يكشف كل ما لديه. كارلوس غصن، الذي اختار أن يهرب، لن يعود أبدا إلى مقام قدموس وجبران، ولكنه، في حال قدّم ما يثبت براءته، والهارب من العدالة لا يستطيع أن يزعم البراءة ابتداء، فإن بوسعه العودة إلى درجة الافتخار التي يقدمها مواطنوه (اللبنانيون) للناجحين من المنتشرين منهم.

لا يريد من تابع هذا الرجل المبدع الناجح واعتز بإنجازاته، بل قدّمه قدوة للجيل الناشئ، أن يبقى كارلوس غصن في الموقع الذي هو عليه اليوم، موقع من أهان الأوطان التي تسابقت عليه، واختار أن ينضم، لا إلى لبنان، بل إلى الإقطاعية الناهبة التي تسعى الثورة اللبنانية إلى اقتلاعها. يريد له أن يعود موضع فخر وتقدير. على صعوبة هذه العودة.

بانتظار كارلوس غصن.

اقرأ للكاتب أيضا: التعددية القطبية بين الواقع والتمني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG