Accessibility links

'كاريزما' الشهرة بين التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي


ماذا ستفعلون لو ذهبتم للنوم واستيقظتم صباحا فوجدتم "فيسبوك وتويتر وانستغرام" قد أقفلوا؟

نضال منصور/

"كاريزما" الشهرة بين الشاشة ومنصات التواصل الاجتماعي كانت جلسة حوار ساخنة ومليئة بالأسئلة المثيرة للجدل والعجب، واستقطبت حضورا مكثفا من متابعي منتدى الإعلام العربي في دبي.

على المنصة جلست ثلاث "صبايا" جميلات تعوّد الناس على إطلالتهن عبر شاشات التلفزة، أو الحضور عبر "السوشيل ميديا"، وفي المقابل كان الوجه التلفزيوني المعروف نيشان "يسنّ" أسئلته ليستنطق ضيفاته، ويجبرهن على البوح والإجابة على أسئلته الموجعة أحيانا، المسترضية والمجاملة أحيانا أخرى، وفي العموم كان ماكرا في الهجوم، وفتح شهية الحاضرين بانتظار أن يسمعوا ما هو خارج النص والمألوف، فليس هناك أكثر أهمية من شغف متابعة ومراقبة "المشاهير" وهم يتلعثمون أو تعلو قسمات وجوههم الصدمة.

سمعت في هذه الجلسة ما يستحق أن يُروى ليس إعجابا وانبهارا بالمحتوى، وإنما لأن سيرة النجوم تتقدم بمسافات بعيدة عن العلماء والأدباء والسياسيين، ولهذا فلا عجب أن يكونوا الأكثر متابعة على "السوشيل ميديا" وأن تتقدم على نجوم الكرة والطبخ أيضا.

الشهرة رداء العلماء وليس الجهلاء فلا تصنعوا من الأغبياء مشاهيرا

ربما تكون الصورة لهذا الواقع في عالمنا العربي حاضرة وطاغية. تذكرت حوار على شكل طرفة متخيلة بين الروائي الراحل نجيب محفوظ والفنانة الراقصة فيفي عبده، حين التقيا وسألته ساخرة أين أوصله الأدب، وأين أوصلها الرقص؟

هذه المفارقة الطرفة لا أرويها للانتقاص من قيمة الرقص الشرقي لأنني أعتبره فنا، وإنما لأدلل على التهميش الذي وصل له كثير من الإعلاميين المحترفين، الذين يصنعون أفضل القصص والتحقيقات الصحافية، ولكن تغيب عنهم الأضواء، فلا يعرفهم الجمهور ولا يتذكرهم، وربما يكون من حُسن الطالع إن رحل أحدهم أن يتذكروه بحفل تأبين يستذكرون فيه مناقبه بعد أن مات.

ما أقوله ليس أمرا حصريا هجينا في عالم العرب، وإنما هو واقع ممتد مساحة هذا الكون، فالمشاهير، فنانون ومقدمو برامج، ورياضيون يتزعمون العالم بلا منافس لهم.

طرح نيشان سؤالا افتراضيا خبيثا، ماذا لو أصيب "الواي فاي" بسكتة قلبية، ماذا سيحل بهؤلاء المشاهير؟ هل سيموتون وننسى ذكرهم، وهذا يعني بفصيح العبارة أن وسيلة إطلالتهم على العالم توقفت، فيتوقفوا معها؟

المقدمة التلفزيونية رابعة الزيات ضيفة هذا الحوار لا تخفي انزعاجها من مزاحمة نجوم "السوشيل ميديا" الذين ليس لديهم ما يقولونه للإعلاميين ونجوم التلفزيون الذين يقدمون شيئا مفيدا حسب قولها، وهي ترد على سؤال نيشان الذي خاطبها، ما الفرق بينكم وبين هؤلاء الذين يحتلون مساحة الفضاء الافتراضي حتى وإن كانوا بلا محتوى؟

وتستكمل الزيات قولها "هناك نجومية ظرفية، وهؤلاء يُستبدلون بسرعة"، في غمز واضح تجاه نجوم منصات التواصل الاجتماعي.

الإعلامية والفنانة المصرية هبة الأباصيري المشاركة بجلسة الحوار أيضا تكمل السطور التي لم تقلها الزيات بالقول "الشهرة سلاح خطير جدا، وأصبحت تستخدم لترويج السموم".

نيشان يلتقط جانبا آخر من قصة النجومية وارتباطها بالجمال، فهل تجرؤ "الفاشينيست" سواء كانت على التلفزيون أو على "يوتيوب" أو "انتسغرام" على الظهور دون "مكياج" أو دون ارتداء الملابس لأفضل دور الأزياء؟

الزيات تجيب بجرأة وصراحة "لا أملك الجرأة لأخرج دون مكياج"، أما الأباصيري فتتحايل على الإجابة بالقول "أحرص على صورتي، ولكن أبتعد عن فكرة الكمال التي جلبتها السوشيل ميديا".

ويأخذ نيشان النقاش لاتجاه جديد حين يسأل من هو المؤثر، هل التأثير عبر التلفزيون مختلف عن التأثير الذي يأتي ويتحقق عبر "السوشيل ميديا"؟

فعلا قصة المؤثرين كانت ولا زالت محيرة لي، لم أكن أعرف ما هي مسطرة القياس للتأثير، هل هو عدد "اللايكات" على "بوست" منشور على "فيسبوك"، أم إعادة نشر "تغريدة" على "تويتر"، أم التعليقات، أم الأثر الذي تتركه ولا نعرف كيف يقاس؟

نوره عبد الله إعلامية ومغنية كويتية ذائعة الصيت على "السوشيل ميديا" ـ وشخصيا لم أكن أعرفها قبل أن تعتلي منصة المنتدى الإعلامي ـ تطرح قضية هامة "اندماج عالم التلفزيون مع السوشيل ميديا"، والسؤال فعليا هل يمكن للإعلام المحترف أن يصبح مرآة للسوشيل ميديا والعكس؟

ما أعرفه وأفهمه أن الإعلام المحترف مهما كان عظيما دون أن يكون حاضرا في منصات التواصل الاجتماعي، فإنه لن يصل لقطاع واسع من الناس وخاصة الشباب.

تتحدى نوره أيضا من يقللون من أهمية "الإنفلونسر" ـ موثر السوشيل ميديا ـ وتؤكد أن بعضهم لديه قضية، ولديه ما يقوله للمجتمع.

الإعلامية راغدة درغام المتخصصة في الشأن السياسي لعقود في جريدة الحياة باغتها نيشان بالسؤال ماذا تشتركين كإعلامية مع التلفزيون؟

ربما كنت ودرغام وإعلاميين نجلس ونستمع لهذا الحوار نشعر بغربة المكان، فالصحافة التي أمضينا وأفنينا بها عمرنا لم تكن كذلك، كانت وما زالت دفاعا عن الحقيقة وكاشفا لها، وهنا لا أدين "الفاشن" الجديد للإعلام، ولا أنزّه الإعلام القديم من الاسترزاق والانبطاح للسلطة.

درغام "ألقت قنبلتها" بين الحضور بالتذكير أن المرأة تُقدم باعتبارها "فاشينيست سطحية"، دون النظر للمحتوى والأفكار التي تحملها، وهو ما اعتبره نيشان مرتبط بظاهرة "تسليع" المرأة، لترد الزيات أن "التسليع" والشهرة تنطبق على المرأة والرجل.

والسؤال الذي كان سجالا، من تدوم شهرته أكثر، نجوم التلفزيون أم نجوم "السوشيل ميديا"؟

نديم قطيش الإعلامي الذي يقدم برنامجا سياسيا أعرب عن سعادته لأنه رجل وليس امرأة في عصر "السوشيل ميديا"، مستدركا وموضحا فكرته بأن الثقافة الذكورية نمّطت صورة المرأة، وأصبح مطلوبا من المرأة الصحافية أن تكون ملكة جمال، ليكمل نيشان قائلا "الإعلام التقليدي كان ظالما للمرأة، فهم يبحثون عن إعلامي "فهمان"، وإعلامية جميلة فقط".

استحوذ الإعلاميون والإعلاميات اللبنانيون على الأسئلة والقضايا، ولا أدري هل الأمر مجرد صدفة، أم تعود لمعرفة نيشان الذي يدير الحوار بينهم، أم لأنهم الأكثر حضورا وشهرة؟

في كل الأحوال، قضية "كاريزما الشهرة" مرتبطة إلى حد كبير بملايين المعجبين على صفحات نجوم الإعلام و"السوشيل ميديا"، وهو ما يستدعي التساؤل هل هذا الجمهور من المعجبين حقيقي، أم "وهم" يُشترى لصنع نجوم في فضاء افتراضي؟

الزيات ترد على هذه الاتهامات "شهرتي لم تأت من شراء "فولورز"، ولذلك فأنا لا أخسر المتابعين فجأة".

تخرج الإعلامية رشا الخطيب لتعلن أنها من أنصار "تويتر" لأنه يساعدها على تسويق أفكارها، فيقول نيشان "تويتر يعري المخ".

وتجادل نوره في قضية الشهرة وفائدتها واستخدامها في دعم الآخرين، وتعزيز دورهم وقصص نجاحهم، وتروي الأباصيري وباللهجة العامية المصرية أن أي قفزة دون مهارات "تودي بداهية".

ويتدخل الإعلامي زاهي وهبي ليروي تجربته مع منصات التواصل الاجتماعي، فيجاهر أنه كان مترددا باستخدامها، لأنها باعتقاده يكثر بها الموبقات ـ الشتائم.

ويتابع "السوشيل ميديا إحدى أبجديات العصر الآن، ومنصات لإيصال الانفتاح والمعارف، وحين لا تكون غوغائيا باستخدامها، فإن المتابعين يعاملونك بنفس الطريقة".

ويعود الحوار لنقطة البدء من جديد مع قول نيشان "الشهرة رداء العلماء وليس الجهلاء"، لتؤكد الزيات أن الأبطال الحقيقيين هم من يبقون، مثل نيلسون مانديلا، وغيفارا... هذه هي الشهرة، ويتتابع السجال فيصرخ نيشان "أرجوكم لا تصنعوا من الأغبياء مشاهيرا"، فيأتيه الجواب "للأسف هناك كثير من المشاهير أغبياء".

ويعلو صوت آخر ليسأل: ماذا ستفعلون لو ذهبتم للنوم واستيقظتم صباحا فوجدتم "فيسبوك وتويتر وانستغرام" قد أقفلوا؟

ترد الزيات "نحن موجودون قبل كل هذه المنصات، ونملك القدرة على التكيُّف".

وتتحدث نوره بسخرية "لو سكروا مكان سيُفتح اخر"، وتحظى الإعلامية منى صليبا بالتصفيق من الحضور حين أعلنت "أنا لست مشهورة، أنا صحافية، ويتابعني الناس ليعرفوا المعلومات".

ويسأل نيشان السيدة منى المرّي مديرة مكتب إعلام حكومة دبي ورئيسة نادي دبي للصحافة، كم تشعرون أنكم مكرهين على دعوة أناس مشهورين في "السوشيل ميديا"؟

الثقافة الذكورية نمّطت صورة المرأة وأصبح مطلوباً من الصحافية أن تكون ملكة جمال

المرّي تُذكّر نيشان أن دبي أول من أطلق نادي للتواصل الاجتماعي العربي، وتُعتبر "السوشيل ميديا" مصيرا وواقعا يجب أن نعيشه ونتعايش معه، ونبني على إيجابياته، مركزة على أهمية إثراء المحتوى.

ويسألها نيشان بإلحاح مرة أخرى هل أنت مقتنعة بالمؤثرين؟

وتجيبه بوضوح "نعم مقتنعة، خاصة إذا استخدمت الوسيلة لتمرير الرسالة".

انتهت الجلسة ولم تنتهِ حيرتي وأسئلتي، ولم تبدد كل محاولات نيشان "للإبحار" في جدلية الإعلام والشهرة من قلقي على مستقبل الإعلام المحترف، ومحاولاتي لتصور شكل الإعلام بعد عقدين من الزمن، في ظل تسارع نمو الذكاء الاصطناعي، واستخدام "الروبوت"، والأهم عجزي عن تخيل عالم ما بعد "فيسبوك وتويتر"، ما هو الجيل الجديد لمنصات التواصل الاجتماعي، وماذا سيكون شكلها واسمها، وماذا ستفعل؟!

اقرأ للكاتب أيضا: ظهور 'الروبرت' وأفول عصر الصحافيين المحترفين

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG