Accessibility links

كلنا كولومبو


عملية مراقبة الآخرين باستمرار تنبع من فكرة غياب الفردية وذوبان الفرد في جماعته ومسؤولية هذه الجماعة عنه

د. ابتهال الخطيب/

أحد أهم الظواهر الاجتماعية الغربية وأكثرها مدعاة للتساؤل البحثي (في مجال علم الاجتماع) في رأيي هو غياب التلصص البصري عن الحياة العامة، اختفاء هذا الاهتمام في مراقبة الآخرين عبر اختلاس النظر والتمحيص العيني والذي على أساسه يتم إطلاق الأحكام وفرز الناس وتصنيفهم.

ترتبط هذه الظاهرة العامة، بلا شك، بارتفاع نسبة الحريات في المجتمع وانخفاض الفكر الرقابي عامة، فحين رفع الساسة والأنظمة الكثير من سلطاتهم القمعية، وإن كان ظاهريا، عن الشارع العام تبدد الفكر الرقابي تدريجيا. لا شيء يؤثر في حيواتنا الاجتماعية، بل والشخصية الخاصة جدا، مثل القمع السياسي العام والإدارات الشمولية العنيفة؛ فحين ترتفع نسبة القمع السياسي ترتفع معها نسبة القمع الاجتماعي ويمارس الناس عنفهم البصري والنفسي والجسدي على بعضهم البعض محاكاة (مقصودة وأحيانا لا واعية) لقادة مجتمعاتهم، وتنفيسا وتعويضا عن الحضور الشخصي والتأثير المجتمعي المفقودين والكرامة المهدورة.

في الغربة يتحرر الإنسان من محيطه فيصبح أكثر قدرة على التصرف خارج إطار قيوده

لذا، على سبيل المثال، نجد أن شعوب المجتمعات الشمولية أكثر عنفا في حيواتهم العملية والاجتماعية عن هؤلاء الذين يحيون في مجتمعات ديمقراطية وذلك تعويضا عن الكرامة المهدورة سياسيا ومعالجة للمهانة المتكررة في الشارع كل يوم: يضربك السياسي ويهينك، فتضرب أنت زوجتك، لتضرب هي أطفالها! يذلّك صاحب العمل الغني، تذلّ أنت العامل الأقل منك، ليذلّ هو المتسول الفقير في الشارع وهكذا يستمر الوضع تدهورا وانحدارا.

أحد أكثر مظاهر العنف هذه إثارة للاهتمام، في رأيي، هو عنف التلصص على الآخرين. إن عملية مراقبة الآخرين باستمرار تنبع من فكرة غياب الفردية وذوبان الفرد في جماعته ومسؤولية هذه الجماعة عنه، كل ما يأتيه الفرد منعكس على الجماعة وإصلاح أخطائه هو مسؤولية جماعية لا تتحقق سوى بالمراقبة والتلصص المستمرين.

تتأتى هذه الفكرة بدورها، من المفهوم الرقابي العام للدولة أو للجماعة أو للأسرة أو للقبيلة أو للعشيرة أو للقرية أو لأي منظومة اجتماعية كبيرة أخرى، فإذا كانت هذه مراقِبة على الأفراد، متلصِصة عليهم سمعيا وبصريا، سيصبح الأفراد كذلك مراقبين على بعض، متلصصين على بعضهم البعض سمعيا وبصريا، وهو ما نجده متحقق وبقوة في مجتمعاتنا العربية الشمولية.

لنقارن توجهاتنا أو تصرفاتنا الشخصية في الدول الغربية عنها في دولنا العربية؛ نتحرر نحن في شوارع هذه المجتمعات من الكثير مما يثقلنا مظهريا، لا نخشى المراقبة المستمرة ولا نهاب الأحكام، التي لا بد وأنها ستتأتى بناء على هذه المراقبة ثم ما سيترتب عليها من تداعيات وتأثيرات بالغة الأثر على حيواتنا الاجتماعية والسياسية والعملية.

حين ترتفع نسبة القمع السياسي ترتفع معها نسبة القمع الاجتماعي

في شوارع أوروبا، يتخفف معظمنا مظهريا لشعورنا بغياب هذا التلصص البصري، وبذوباننا وسط الجموع اللامبالية، ولانكفاء كل على ذاته، فالجميع يمشي مسرعا، مبقيا نظراته أمامه ولنفسه، ولا أحد لديه الوقت لينظر إليك من فوق إلى تحت ليعنونك ويصنفك ثم يؤطرك في إطار لا عاصم منه. تلبس كما تشاء، تمشي كما تشاء، تتصرف كما تشاء؛ في شوارع الدول الأوروبية تصبح أنت الأقرب لذاتك، لحقيقتك، لطبيعتك، لذا تصبح أنت أكثر سعادة وانطلاقا دون أن تخشى أعين الآخرين وأحكامهم وتداعيات هذه الأحكام.

طبعا لا يغيب عن البال أن أحد أهم أسباب غياب الأحكام هو غياب المعارف؛ في الغربة يتحرر الإنسان من محيطه فيصبح أكثر قدرة على التصرف خارج إطار قيوده، إلا أن ذلك لا يقلل من فاعلية فكرة غياب التلصص البصري والتي نرى أثرها حتى على أصحاب هذه الدول الذين يحيون وسط محيطاتهم الاجتماعية ومعارفهم. كما لا يغيب عن البال ذكري للشوارع الأوروبية دون الأميركية، وهو إسقاط متعمد من الذكر، حيث أن أميركا لا تزال كاثوليكية الروح، رغم بروتستانتيتها، منغلقة ومحافظة في الكثير من أجزائها، وحيث جماعاتها الصغيرة في مدنها المنعزلة لا تزال تعكس الروح التلصصية المطلِقة للأحكام، وإن بدرجة تقل كثيرا عن روحنا الثقيلة المناوبة أربعا وعشرين ساعة في اليوم، وغير بعيدة عن تجربتنا الشرق أوسطية.

إنما تبهرني دوما هذه اللامبالاة الواثقة في الشارع الأوروبي العام، رفع النظرة المتلصصة عن الآخر والانشغال بالذات واحترام خصوصية واختيارات الآخرين مهما بلغ تطرفها أو غرابتها. لا تتحقق هذه الراحة الشخصية إلا إذا تحققت راحة سياسية أعم وأشمل، حيث يلتزم الفرد حدوده حين تلتزم الدولة حدودها.

أحد أكثر مظاهر العنف هذه إثارة للاهتمام، في رأيي، هو عنف التلصص على الآخرين

قبل أن أغادر الكويت في إجازتي الصيفية، كتب أحد نواب مجلس الأمة الكويتي على تويتر قائلا "مهلا يا دعاة المنكرات باسم الحرية، فتكميم أفواه العلماء والدعاة عن إنكار المنكر في بلاد الإسلام، لن يجدي بقبول الأمة لمنكراتكم وإن سميتموها بغير اسمها، الأمة تعرف أن اللهو المباح والترفيه عن النفس لا يعني الرقص والمجون والاختلاط وتعرف أن حرية الاعتقاد لا تعني إقامة معابد الشرك وجلب الأوثان".

في هذه التغريدة مختصر ما أود إيصاله من المقال، إنها العين المتلصصة لنائب برلماني، يراقب الناس ويعنون لهوهم وترفيههم مجون ويرى في اختلاطهم إثما ويعتقد في حرية تعبدهم شركا. هذه العين المتلصصة تصنع أفرادا متلصصين، وهؤلاء يعودون ليختاروا نائبا متلصصا آخر، وهكذا تدور الدائرة المرعبة والتي لربما هي مدعاة للتساؤل، هل خلق الأفراد الساسة المتلصصين أم أن الساسة هم الذين زرعوا التلصص بين الأفراد؟ هي ثقافة مجتمعية غارقة في التقليدية بلا شك، إلا أن للساسة والقادة الدور الأعظم في استغلال هذا التلصص التقاليدي استخداما وترسيخا وذلك لتثبيت قواهم عبر تجنيد الشعب بأكمله مخبرين سريين، لنلبس "البالطو" (المعطف) ونحمل الجريدة المخرومة ونمشي نراقب بعضنا البعض.

اقرأ للكاتبة أيضا: حياة نص كم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG