Accessibility links

كندا تنتصر لموزع البيتزا خوان جوزيه


تظاهرة للعمال الأجانب في بيروت للمطالبة بإلغاء نظام الكفالة

بقلم منصور الحاج/

في الخامس من شهر تشرين الثان/نوفمبر الجاري، حكمت محكمة تابعة لوزارة العمل في مدينة أونتاريو الكندية لصالح السائق خوان جوزيه الذي عمل موزعا للبيتزا لدى شركة دومينوز لمدة أربع سنوات بمبلغ وقدره 28 ألفا و144 دولارا كنديا كتعويض عن أجور مستحقة له على الشركة دفعها كتعويض بسبب انتهاكها لقانون العمل وتشغيلها العامل بأجر يقل عن الحد الأدنى للأجور.

لم أتمالك نفسي عند قراءتي لهذا الخبر وتذكرت مدى الظلم الذي يتعرض له الوافدون في العالم العربي وما حدث لي شخصيا حين عملت سكرتيرا لدى رجل أعمال يعتبر من أثرى الأثرياء في السعودية براتب شهري قدره 800 ريال. في تلك الوظيفة، كنت أعمل من الساعة التاسعة صباحا حتى الثامنة ليلا في قصر يضم عشرات العمال والسائقين الذين كانوا يتقاضون مرتبات ضئيلة ويعاملون كما يعامل العبيد ويتعرضون للضرب والشتم والتوبيخ.

واقع العمالة الوافدة في الدول العربية والخليجية يمكن وصفه بعبودية معاصرة

وفي الوقت الذي تصدر فيه وزارة العدل الكندية هذا الحكم، ينتشر في مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يتبجح فيه مواطن سعودي برفضه دفع أجور عامله لا لسبب سوى لأنه مواطن مصري. ولم يكتف الكفيل بذلك بل حكى لأصدقائه أنه اعتدى بالضرب على العامل لضعف بنيته الجسمانية واختتم حديثه بأن العامل تمكن من عض يده التي كانت متوجهة نحو وجه العامل لصفعه.

وفي نفس الوقت، نقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبر تعرض عاملة مصرية وأبنائها في الكويت للضرب على أيدي كويتيات في إحدى المنتزهات، وتعليق النائبة الكويتية صفاء الهاشم الذي أساءت فيه إلى المصريين وإلى وزيرة الهجرة المصرية وشؤون المصريين بالخارج نبيلة مكرم بسبب مطالبتها بإنصاف المقيمة المصرية.

اقرأ للكاتب أيضا: المعارضة السعودية بين الواقع والمأمول

وبعيدا عن هذا الموقف أو ذاك، فإن واقع العمالة الوافدة في الدول العربية والخليجية، لا يخفى على أحد، وأقل ما يليق به من وصف هو أنه عبودية معاصرة وأنظمة عمل مجحفة تعامل الأجانب بدونية ولا تعترف لهم بالحد الأدنى من الحقوق.

وبالعودة إلى قضية جوزيه وهو أب لستة أبناء، فقد عمل لمدة أربع سنوات في وظيفة سائق لتوصيل طلبات البيتزا بأجر قدره ستة دولارات في الساعة خلافا للقانون الذي ينص بأن الحد الأدنى للأجور وهو 11 دولارا 35 سنتا في الساعة ومن المقرر أن يرتفع إلى 15 دولارا بحلول عام 2021.

أبدى جوزيه سعادته بالقرار الذي أعلنت الشركة أنها لن تعارضه، وقال في حوار مع إذاعة NPR إن أول شيء سيقوم بعمله بعد استلامه المبلغ هو شراء فراش لابنته التي كانت تنام على الأرض.

وحتى لا أتهم بمعاداة الأنظمة العربية والتحامل ضدها أقول بأن الظلم لا وطن له وأن الأمم تقترب من العدل بقدر احترامها للقانون مراعاتها لحقوق الإنسان وخاصة العمالة الوافدة، التي لا حول لها ولا قوة.

لقد عملت في مهنة توزيع طلبات البيتزا هنا في الولايات المتحدة في فترة من الفترات وكنت أتقاضى نفس الأجر الذي كان يتقاضاه جوزيه في كندا، وكان اعتمادي على سخاء أصحاب الطلبات ومدى التزامهم بالحد المتعارف عليه من "البقشيش" وهو 20 في المئة من قيمة الطلب إلا أن الغالبية لم تكن تلتزم بذلك وكنت أحصل في المتوسط على 10 في المئة فقط.

وفي خضم الظلم الفادح الذي يتعرض له الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة أولئك الذين عاشوا هناك على مدى عقود ولا يزالون يعاملون كوافدين على الرغم من أنهم لا يعرفون أوطانا غير تلك التي ولدوا فيها، كحال مواليد السعودية على سبيل المثال، فإن من الإنصاف الإشارة إلى كتاب الدكتور البحريني باقر النجار "الحداثة الممتنعة في الخليج العربي.. تحولات المجتمع والدولة" وتحديدا الباب الذي اختار له عنوان "ولكم في العمالة الأجنبية حياة".

حتى لا أتهم بمعاداة الأنظمة العربية والتحامل ضدها أقول بأن الظلم لا وطن له

يعترف الكاتب في حوار مع الإعلامية السعودية إيمان الحمود في برنامج الساعة الخليجية بثته إذاعة "مونت كارلو" بأن "كل الرفاه الاجتماعي والاقتصادي والخدماتي الموجود في المنطقة هو نتيجة لهذا الحضور المكثف للعمالة الأجنبية".

كما يؤكد أيضا بأن الأجيال التي ينحدر منها أبناء وأحفاد الوافدين الأوائل ينتمون "ثقافيا واقتصاديا إلى الدول التي ولدوا فيها وأن الكثير من أنشطتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية مرتبطة بالدول التي ولدوا ونشأوا فيها".

ويطالب النجار بضرورة أن يكون "لهذه الأجيال الجديدة من العمالة الوافدة حقوق، كأن تمنح لهم الجنسية أو الإقامات الدائمة أو احتوائهم ضمن نظام التأمينات الاجتماعية".

اقرأ للكاتب أيضا: وئام شوقي ومستقبل أنصار الكرامة الإنسانية

ويرى النجار أن من الأفضل أن تخطو دول الخليج هذه الخطوات بدلا من التعرض للضغوط من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية.

حصل جوزيه، الذي ينحدر من أصول لاتينية، على حقوقه في كندا بعد أن لجأ إلى القضاء الذي أنصفه وحكم له بتعويض عن السنوات التي عملها بأجر أقل من الحد الأدنى للأجور؛ لكن السؤال الذي يجدر طرحه هو: متى يحصل الوافدون في عالمنا العربي على حقوقهم؟ ومتى يعاقب الظالمون على ظلمهم وهضمهم لحقوق الضعفاء والمستضعفين؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG