Accessibility links

كولومبيا.. بلاد البؤس والإبداع


ممثلو فيلم "طيور عابرة"، خوزيه أكوستا، كارمينا مارتينيز، وخوزيه فيسينتي كوتس، والمخرج كرستينا غاليغو

كوليت بهنا/

بؤسٌ وعنف واقتصادات متعثرة وعدم استقرار سياسي؛ توصيفات تكاد تكون شبه مستمرة تنطبق على أحوال معظم دول أميركا اللاتينية، رغم كل ذلك، ما زالت شعوب هذه الدول تدهش العالم بحيويتها المفرطة وشغفها الدائم بالفرح والجمال، وبما تفرزه بشكل خاص من مبدعين في عوالم الأدب والفن والسينما.

كولومبيا، التي قدمت للعالم غابرييل غارسيا ماركيز أحد أجمل الهبات الإبداعية للعالم وقدمت النجمة العالمية الفاتنة شاكيرا، واحدة من أبرز هذه الدول التي تعاني منذ أكثر من خمسة عقود من اضطرابات مختلفة الأسباب، أكثرها حدة وشراسة تجارة المخدرات وآثارها، وأعمال العنف المسلح وضحاياه. اضطرابات أرخت بظلالها الثقيلة على أعمال أغلبية مبدعي كولومبيا خلال نصف قرن، تعود اليوم، عبر بوابة السينما، لتضيء من جديد على لعنة الحشائش أو لعنة "الماريجوانا" عبر فيلم (Birds of Passage) الذي تمت ترجمته بعنوان "طيور عابرة" لمخرجيه (Cristina Gallego وCiro Guerra). رشّح الفيلم لثمانية وعشرين جائزة، ونال سبعة عشر جائزة رفيعة من أهم وأكبر مهرجانات السينما في العالم بين عامي 2018 ـ 2019.

"طيور عابرة"، فيلم غير عابر في تاريخ السينما الكولومبية

يعتمد بناء الفيلم على سيناريو يحاكي التقنية الروائية التصاعدية، عبر ستة فصول متسلسلة زمنيا ومترابطة في الجوهر، تدفع خلاصات كل فصل فيها إلى مسببات الفصل التالي، وهي (العشب الجامح 1968 ـ المقابر 1970 ـ الازدهار 1979 ـ الحرب 1980 ـ والليمبو Limbo التي تعرف بحافة الجحيم أو الأرواح التي تحرم دخول الجنة لغير ذنب اقترفته).

بحسب أعراف المنطقة البدائية التي تستوطن فيها قبائل كولومبية تنحدر بأصولها من سكان كولومبيا الأوائل (قبيلة الوايو رفيعة الحسب والنسب وقبائل البوشاينا والأليخونيين الأقل مرتبة)، تعتاش جميعها على الرعي وتجارة نبات القهوة (البن) وبعض الأعمال اليدوية التراثية ذات القيمة الروحية مثل سلال القنّب التي تحيكها النساء وترمز في شكلها المتكور إلى رحم العائلة، فيما يرمز الخيط الواحد الذي تحاك به إلى حبل السرّة الذي يربط حاملها بالعائلة، وهي واحدة من سيل الرموز والمعاني التي يزخر بها الفيلم ولا تبتعد عن الأفكار التقليدية للقبائل البدائية في كل بقاع الأرض.

يركز عليها الفيلم هنا بإضاءات معنوية مباشرة وجماليات بصرية كجزء رئيسي من ثيمته التي تعتمد على تقديس العائلة تقديسا لا جدال فيه، وهيمنة السلطة الروحية لكبار العائلة الأحياء منهم والأموات معا، ليقدم عبر رقصة اليونا" البديعة التي تقرر مصير زواج الابنة زايدا من الشاب الطموح راباييت بداية انتهاء عصر البراءة، وهو ذنب تتشارك فيه الأم أورسولا صاحبة السلطة المطلقة على القبيلة وحافظة أسرار العائلة وذخائرها وتمائمها، والتي يتسبب رفعها لمهر ابنتها التعجيزي إلى البحث عن مصادر أخرى تدر المال السريع غير تجارة البنّ، لتبتدئ الحكاية الدموية الطويلة عبر اكتشاف كنز "حشيشة الماريجوانا" وما تأتي به من ثروة خرافية تهبط به على المتاجرين بها وأولهم العريس راباييت، الذي سيفتتح مصيره مع بعض الأميركيين (قوافل السلام) الذين يزورون البلاد كمبشرين ضد الشيوعية في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، لكنهم في الحقيقة يقصدون تبضع المخدر من أجل "السعادة".

سعادة مؤقتة تحققها "الماريجوانا" للمتعاطين بها والمتاجرين بها معا، ستنقلب لاحقا شؤما وخرابا وإبادات جماعية لكل المتورطين أو غير المتورطين الأبرياء في بيع هذه الحشائش بعد تحول صفقاتها الصغيرة إلى تجارة منظمة تنحصر بكبار العائلات ـ المافيات (عم راباييت)، ويتشارك فيها الأقارب وأبناء المناطق الذين تذوقوا طعم الرفاهية، ويتواطأ في تسهيل مرورها أفراد السلطات الرسمية الفاسدين.

حكاية تبدو في ظاهرها تقليدية ومكررة في ثيمات العديد من القصص والأفلام التي تستعرض البدايات البريئة للمكونات البشرية، والتسلسل الزمني للثراء وأسبابه ومصادره غير الشرعية ونتائجه الكارثية، وتتشابه بها كذلك سلوكيات المافيات، حتى إن الكثير من نقاد السينما ومشاهدي الفيلم أشاروا إلى بعض التقاطعات العامة مع فيلم فرانسيس كوبولا الأشهر (العرّاب ـ The God Father)، إلا أن الفيلم يختلف هنا اختلافا جوهريا في هويته التي حرص صانعيه على الالتصاق بها، استنادا إلى الأمانة الشديدة للبيئة البكر التي تعيش فيها هذه الحيوات، وهي بيئة، تشكل كل مكوناتها الجمالية ومفرداتها الحسية والمعنوية الفضاء الروحي ـ الهوية الوجودية العامة، التي تراقب هذه المصائر بصمت ونبل وحياد، وتتركهم يلهون حتى النهاية، لكنها تمتصهم في النهاية كدمى رملية (مشهد زوال بيت راباييت وتلاشيه مع الغيم) لتثبت أنها الأقوى، لها فقط البقاء والديمومة.

سعادة مؤقتة تحققها "الماريجوانا" للمتعاطين بها والمتاجرين بها معا

الروحانيات والرموز المباشرة وغير المباشرة وقدسية الكلمة وجميع المعاني والدلالات التي استحضرها الفيلم مدفوعا بهاجس روح أميركا اللاتينية النابضة، ومستخدما لإبرازها ما أمكنه من جماليات سينمائية، صيغت بأسلوب الواقعية السحرية والرؤى والأحلام والماورائيات، وأراد بها صناع الفيلم إيصال رسالة تود أن تقول إننا وإن كنا قد أذنبنا واعترانا الفساد والجشع وتلوثنا بحكم التطور الزمني الذي لا مفر من مواجهته، إلا أننا ما زلنا نمتلك بعضا من الأصالة، ويمكننا التحكم بمصائرنا وتغيير أقدرانا لو شئنا، عبر التضحية بكل هذه القشور المادية الطارئة، والعودة إلى البدايات النقية، والانطلاق مجددا من نقطة الصفر، شريطة أن نمتلك الإيمان بأصالتنا ونمتلك ما يربطنا بالعائلة، أقدس وأسمى معاني وجود البشرية، وهو ما تجلى في المشهد الأخير للابنة الطفلة "أنديرا" التي حملت "سلّة الرحم" المليئة بالمال، وانطلقت هائمة ترعي ثلاثة من الماعز من جديد، تاركة للمستقبل و"خيط سرة العائلة" تحديد مصيرها المفتوح.

"طيور عابرة"، فيلم غير عابر في تاريخ السينما الكولومبية، وإن كان يطرح حكايته المحلية، إلا أنه يتقاطع مع أبرز إبداعات أميركا اللاتينية، كلما تفوق في إبراز هويته، اتسعت رؤيته ولامست حواس البشرية في كل مكان.

اقرأ للكاتب أيضا: القفص الذهبي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG