Accessibility links

كيف تفكر الحكومة الأميركية بالعراق في ظل رئاسة عادل عبد المهدي؟


رئيس الحكومة العراقية متوجها للبرلمان خلال التصويت على منح حكومته الثقة

بقلم د. حسين علاوي/

يمثّل تولي عادل عبد المهدي منصب رئيس مجلس الوزراء العراقي نقطة تحول للعراق، ويؤشر لتحولات سياسة في البيت العراقي الشيعي للتكيف مع تحديات المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط.

تعمل السياسة الأميركية في العراق، حسب ما يتبين للمراقب، على ثلاثة مسارات؛ المسار الأول هو العمل على استعادة نقطة التوازن الأساسية للحكومة العراقية بهدف إنهاء عصر الاضطراب والانطلاق بعهد جديد يبنى على فرصة النصر على تنظيم "داعش" المنهار من خلال الآتي:

  1. المضي ببناء الحكومة الفيدرالية.
  2. إنهاء عمل قوانين العدالة الانتقالية وتحويل الموضوع إلى القضاء العراقي.
  3. السيطرة على السلاح غير الرسمي وحصره بيد الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.
  4. تحقيق التنمية المتوازية عبر الاستفادة من عوائد بيع النفط.

أما المسار الثاني، فهو حماية المصالح الأميركية طويلة الأمد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. والمسار الثالث، هو بناء تحالف إقليمي فعال لمواجهة التحديات التي تواجه بيئة الأمن في الشرق الأوسط.

لا تدعم الولايات المتحدة أي حزب سياسي أو كيان في البرلمان العراقي، إنما تدعم الحكومة العراقية الجديدة

وتقتضي الخطة الأميركية، التي بنيت أفكارها الأولية ضمن مشروع الاستقرار طويل الأمد ما بعد دحر كيان "داعش" المهزوم، احتفاظ واشنطن ببعثة عسكرية كبيرة في العراق بناء على تقديرات استراتيجية، للعمل كمدربين ومسيرين جويين ومستشارين لمختلف مفاصل القوات الأمنية العراقية ضمن التعاون العسكري العراقي ـ الأميركي.

وتشير الأولويات الفورية، أي على المدى القريب من 6 إلى 12 شهرا، إلى أنه يجب على الولايات المتحدة التركيز على أربعة أهداف سياسية حرجة تتمثل بـ:

  1. ضمان استقرار النظام السياسي في العراق.
  2. بدء عملية التسوية التاريخية الشاملة ومواصلة الحوارات لصياغة عهد جديد للبلاد.
  3. البدء في عملية تحديد الوضع النهائي والمستدام للسكان الأكراد العراقيين من خلال الاندماج مع المجتمع العراقي وتعزيز الاتحاد الفيدرالي.
  4. دعم الحكومة العراقية في مواجهة الفساد والبيروقراطية وتطوير الأنظمة الحكومية.

أما بالنسبة للأهداف الأوسع للسياسة الأميركية الجديدة تجاه العراق في عهد الرئيس دونالد ترامب على المدى الأطول، فتحتاج الولايات المتحدة إلى استثمار مواردها وطاقتها في ثلاث قضايا شاملة ذات الصلة:

  1. استمرار دعم الحكومة الاتحادية والمشاريع المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب وتطوير العلاقات الاقتصادية المشتركة.
  2. المساعدة في إصلاح النظم البيروقراطية والسياسية العراقية لتحسينها ورفع فعالية الحكم العراقي، وتمكين اللامركزية في السلطة والموارد من بغداد إلى المحافظات.
  3. دعم المحادثات بين بغداد وأربيل حول وضع كردستان العراق.

وبالتالي، لا بد للاستراتيجية العسكرية الأميركية من السير باتجاه التزام عسكري للولايات المتحدة في العراق من خلال وجود بعثة عسكرية تدريبية استشارية في إطار اتفاقية الإطار الاستراتيجية ووفقا لبروتكولات التعاون العراقي ـ الأميركي.

أما بالنسبة للاستراتيجية الاقتصادية فلابد من برنامج للمعونة الاقتصادية الأميركية للعراق تتراوح قيمته بين 1 و2 مليار دولار سنويا لمدة خمس سنوات، وذلك من شأنه تعزيز التزام الولايات المتحدة طويل الأجل باستقرار العراق وتنميته، على أن تعمل الاستراتيجية السياسية على تمكين القادة العراقيين المعتدلين للتطلع نحو عبور العقبة الطائفية والتحرك نحو كسر الجمود الخانق للنظام السياسي العراقي.

وعلى الصعيد الإقليمي، لابد من أن تساهم مساعدات دول مجلس التعاون الخليجي للعراق بلعب دور تنموي في الاندماج العراقي ـ الخليجي، وخصوصا مع الانفتاح السعودي على العراق ودور الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة. ويمكن تصور دور أكبر للمملكة العربية السعودية. مع العلم أن توسيع السعوديين لعلاقاتهم مع العراق يعد أمرا بالغ الأهمية.

وهو ما يشير إلى أن الرياض قد اعترفت بأن طريق العراق للحد من النفوذ الإيراني لا يزال طويلا، وأنها ستساعد الحكومة العراقية لخفض هذا التأثير عبر حزمة من الدعم الاقتصادي من دول مجلس التعاون الخليجي مسترشدة بالمعرفة الأميركية والمضمونة عبر وجود بعثة عسكرية أميركية، من أجل تزويد العراق بالموارد التي يحتاجها للنجاح.

ورغم عدم وجود نص واضح للاستراتيجية الأميركية في العراق خلال عهد ترامب، تسمح اللقاءات مع صناع القرار العراقيين، وقراءة السياسات الأميركية السابقة، بالخروج بتصور لهذه السياسة:

أولا: مجال الحكومة

لا تدعم الولايات المتحدة أي حزب سياسي أو كيان في البرلمان العراقي، إنما تدعم الحكومة العراقية الجديدة بعد انتخابات 2018؛ وتتمثل الرؤية الأميركية بوجود حكومة عراقية وسطية شاملة تمتلك برنامجا تقنيا واقتصاديا لا يخضع للاعتبارات السياسية.

وبحسب ما أبلغني مسؤول أميركي رفيع له دور في العلاقة مع الحكومة العراقية، فإن خلاصات لقاءاته مع السياسيين العراقيين تشير إلى أن الجميع "يقول إننا نريد حكومة وسطية شاملة تضم على شخصيات تكنوقراط، لكن يبقى هذا الخيار هو خيار الشعب العراقي".

ثانيا: في مجال الأمن:

لا بد للحكومة العراقية الجديدة من أن تحدد مساراتها في أربع نقاط أساسية هي:

  • تبني استراتيجية لمكافحة الإرهاب تكون شاملة ولا ترتكز فقط على الجانب العسكري، وإنما ذات نهج ثلاثي سياسي واقتصادي واستخباري في مكافحة الإرهاب.
  • إيضاح رؤية الحكومة العراقية في مجال التسلح وأي شركات أميركية تريد التعامل معها.
  • ما نوع العلاقات الأمنية التي تريد الحكومة العراقية إنشاءها ومع من، وماذا تريد منها؟
  • ما هي القوات العسكرية التي تريد الحكومة العراقية أن تتواجد في العراق؛ هل تريد قوات أميركية؟ هل تريد قوات متعددة الجنسيات؟ هل تريد قوات حلف الناتو؟

ثالثا: في مجال الاقتصاد

لا بد للحكومة العراقية من امتلاك برنامج اقتصادي يرتكز على ثلاثة محاور:

المحور الأول؛ إعادة الإعمار والبناء.

المحور الثاني؛ الحوكمة والحد من عمليات الهدر والفساد.

المحور الثالث؛ إنشاء مناخ مناسب للأعمال وتوفير تأشيرات السفر الاستثمارية للمستثمرين الأميركيين وتطوير مؤشرات جذب الاستثمارات الداخلية بشكل أساسي والاستثمارات الخارجية وفقا لمؤشرين؛ الأول، هو الاستثمار في المشاريع التي لا تكلف الحكومة أموالا، إنما ستدر عليها العوائد المالية وهي طرق النقل السريع الدولية ومصانع الغاز المصاحب قرب حقول النفط العراقي. والثاني، هو الاستثمار في قطاعات الاقتصاد العراقي المختلفة، مثل الصناعة، والزراعة، والتجارة، والنقل، والاتصالات، والمشتقات النفطية والغاز...

تتمثل الرؤية الأميركية بوجود حكومة عراقية وسطية شاملة تمتلك برنامجا تقنيا واقتصاديا لا يخضع للاعتبارات السياسية

إن قدرة الحكومة العراقية بقيادة عادل عبد المهدي رئيس الوزراء على تقديم أسلوب جديد في الحكم وإدارة السلطة قد يجعل الطريق أسهل في الحصول على التأييد الدولي والإقليمي، وهذا ما سيعزز ارتباط العراق بالمجتمع الدولي ويساهم في انسيابية التمويل الدولي نحو فرص الاستثمار في العراق من أجل توفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

إن فرص الشركات الأميركية كشركة "لوكهويد مارتن" ومصرف "جي بي مورغان" وشركة "جي أي إلكتريك" وشركة "إكسون موبيل" و"شيفرون" وشركة "بكتل" والشركات الأميركية الأخرى كبيرة للعمل في العراق. وتقدم الإدارة الأميركية جهودا إضافية عبر برامج التبادل الثقافي وبرامج السفارة الأميركية في مجال جهود تطوير التعليم في العراق من خلال بعثات "فولبرايت" وزمالة "همفيري". كما أن دور الإعلام الأميركي، وخصوصا قناة "الحرة" و"الحرة عراق" و"راديو سوا" ومبادرة "إرفع صوتك"، التي كان لها دور إيجابي في العراق عبر دعم الخطاب الداعي إلى بناء الدولة العراقية وزيادة الحريات الإعلامية.

كما أن دعم المكتب العسكري الأميركي ـ العراقي للحكومة العراقية والقوات العراقية المشتركة سيعطي زخما في نجاح حكومة عبد المهدي في تثبيت الاستقرار وخطة النصر الكبيرة للبلاد.

إن العلاقات الأميركية ـ العراقية تتخذ أفقا جديدا، لكن القرار العراقي في البرلمان العراقي أمام تحد كبير؛ إما أن نقود القارب بقرار سياسي ناجح ومتحسب لكل الظروف الإقليمية والدولية من أجل الوصول إلى علاقات فاعلة مع الولايات المتحدة لدعم استقرارانا والبناء على قصة النصر الكبير، أو ستبقى قراراتنا كالشجرة الهامدة لا تتحرك، ومعناها أن الفتور سيصيب دولتنا وسينعكس على علاقاتنا مع الولايات المتحدة نتيجة التأثر بالظروف الإقليمية والدولية وسياسة المحاور المهلكة للعراق الخارج من الحرب الطويلة على الإرهاب والفساد.

د. حسين علاوي، هو رئيس مركز أكد للشؤون الاستراتيجية والدراسات المستقبلية

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG