Accessibility links

"كيف ستأكل عائلتي؟".. الحكومة المصرية تسعى للتخلص من التوك توك


الحكومة المصرية تسعى للقضاء على التوك توك

سيطرت العربات ثلاثية العجلات على شوارع الأحياء الفقيرة في العاصمة المصرية القاهرة على مدار العقدين الماضيين، حيث تتجول في الأزقة الضيقة المتربة وتراوغ لتحاشي سلال القمامة وأكشاك الفواكه لتنقل ملايين المصريين من وإلى بيوتهم كل يوم.

الآن يبدو أن الحكومة المصرية قد اتخذت موقفا طموحا ضد هذه المركبات في مسعى منها إلى تحديث نظام المواصلات المهمل في البلاد وتخطط لاستبدال التوك توك بميني فان نظيف.

يقول خالد القاسم، المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية المصرية التي تقود المبادرة "هذا من أجل صحة وسلامة جميع المصريين. نحن نخلق صورة أكثر جمالا لبلدنا."

ولطالما غضت الحكومة الطرف عن عربة التوك توك التي أصبحت جزءا من نسيج الحياة في المناطق العشوائية المترامية الأطراف في القاهرة.

تتطلب الخطة الجديدة من أصحاب التوك توك بيع المركبة ومن ثم الحصول على قروض حكومية لشراء سيارة ميني فان جديدة-أو المخاطرة بدفع غرامات وحتى المقاضاة في حال عدم الالتزام، ما أثار مخاوف من أن المصريين الفقراء هم من سيتحمل الجزء الأكبر من العبء.

ويقول إيهاب صبحي (47 عاما) الذي يكسب 130 جنيها (نحو 8 دولارات) في اليوم وهو يخوض في حي شبرا المكتظ بالسكان في عربته "أفضل أن أعمل لصا على أن أدفع ثمن الميني فان هذا." وأضاف "إذا أخذوا هذا مني فكيف ستأكل عائلتي؟ وقال انه حتى مع وجود قرض حكومي فإنه لن يكون قادرا على تحمل عبء 90 ألف جنيه ثمن الميني فان.

ويقول محمد زيدان، البالغ من العمر 52 عاماً، وهو أب لخمسة أطفال بدأ في قيادة التوك توك بعد أن كافح لإيجاد عمل كرسام "سوف يضخون الأموال في البنوك، كل ذلك على حساب الناس. إذا فرضوا حظرا على التوك توك فإنهم يدوسون على الفقراء."

وحاولت حكومة الرئيس السابق حسني مبارك التصدي لموجة التوك توك، وحظرتها في معظم الأحياء الغنية بالقاهرة، لكنها سمحت أيضا بتدفق التوك توك من جنوب آسيا إلى مصر، حيث قام مصنعو السيارات بتجميع وبيع العربات الصغيرة ذات الثلاث عجلات غير المرخصة بشكل قانوني.

كان هذا مثالا على سياسة المقاربة المتناقضة للدولة تجاه الاقتصاد غير الرسمي، والذي يمثل ما بين 50 إلى 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، وفقا لمنظمة العمل الدولية.

وقال عمرو عدلي، باحث اقتصادي مصري، "نظرا لقدراتها المحدودة، فإن الدولة تتعايش مع البنية التحتية التي تشيد بشكل غير رسمي، مثل الإسكان غير المصرح به، والذي ينقذ الحكومة من توفير خدمات جماهيرية للفقراء."

انتشر التوك توك كالنار في الهشيم، حيث أصبحت العربات الصغيرة مهمة للمعاقين وكبار السن والنساء اللاتي يرغبن في تجنب تعرضهن للتحرش في الحافلات المزدحمة، كن هذا الوضع قد يتغير قريبا.

فالحكومة المصرية، التي حاولت تجديد صورة مصر خلال السنوات الخمس الماضية، تستهدف التوك توك الآن.

وأقرت الحكومة العام الماضي قانون المرور الذي يشترط على جميع المشترين الجدد ترخيص التوك توك.

وتعرضت شركة غبور، أكبر منتج للسيارات في البلاد، لضربة قوية جراء هذا القانون، فقد انخفضت مبيعاتها من التوك توك بنسبة 60 بالمائة.

وفي سبتمبر الماضي، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن خطة شاملة للتخلص التدريجي من التوك توك في 20 محافظة، واستبداله بسيارات "ميني فان" ذات السبعة مقاعد، والتي تعمل بالغاز الطبيعي.

وتمنع هذه الخطة سير التوك توك في المدن والطرق الرئيسية، لكنه يسمح بتواجده في الأزقة الضيقة والقرى الريفية شريطة ترخيصه رسميا.

وقامت وزارتا المالية والإنتاج الحربي في مصر، إلى جانب ثلاث شركات كبرى في قطاع صناعة السيارات، بدراسة برنامج تحويل التوك توك إلى ميني فان، التي يتوقع أن تصل الشوارع في غضون عام.

وقال القاسم، المتحدث باسم الوزارة، إن التوك توك يأتي بين أسباب الازدحام وتلوث الهواء وحوادث السيارات القاتلة - وحتى الإرهاب، حيث لا يمكن للحكومة تتبع المركبات غير المرخصة. ووصفهم بأنهم عبء على الإنتاج الاقتصادي في مصر، وهروب المراهقين من المدارس وحرمان الدولة من عائدات رسوم التسجيل والضرائب.

لكن المشككين رفضوا دوافع تغيير التوك توك نظرا لحجمه الصغير، وقدرته العالية على المناورة والأجرة الرخيصة مقارنة بالميكروباص الذي يتوقع المصنِّعون أن يكون حجمه أربعة أضعاف الحجم والسعر.

وقالت رباب المهدي، أستاذة السياسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة: "إنه انعكاس لهوس الدولة بالمظاهر في الاستثمار بشكل أكبر في البنية التحتية".

ومنذ توليه السلطة في عام 2014، ركز الرئيس عبد الفتاح السيسي على المشروعات الضخمة الطموحة، وبناء مجمعات سكنية متطورة وعاصمة إدارية جديدة مترامية الأطراف بقيمة 45 مليار دولار في الصحراء خارج القاهرة.

وفي الوقت ذاته، شهد الكثير من مناطق القاهرة حال من الفوضى وتآكل البنية التحتية. فقد ذكر الجهاز المركزي للإحصاء مؤخراً أن ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر.

وقد أدت الإجراءات التقشفية الصارمة التي فرضت لمنع الانهيار الاقتصادي إلى خفض الإعانات وارتفاع أسعار كل شيء بشكل كبير، بدءًا من أسعار تذكرة المترو إلى مياه الشرب، مما تسبب في تدهور الأوضاع الاقتصادية لأبناء الطبقة العاملة المصرية.

وفي سبتمبراندلعت مظاهرات صغيرة احتجاجا على الفساد الاقتصادي ومزاعم الفساد الحكومي. وألقت قوات الأمن القبض على الآلاف، في تصعيد لحملة طويلة.

وقال المهدي: "الدولة أكثر استعدادًا وقدرة على النزول بيد ثقيلة"، مضيفًا أن العقلية العسكرية أحدثت تحولًا على مستوى الحكومة.

لكن المراقبين يعتقدون أن تطبيق الخطة الجديدة سوف يشكل تحديًا. ويظل الكثير منها موضع شك.

وقال ياسر الششتاوي، أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة كولومبيا: "سيحاول الناس المقاومة، للتحايل على هذه التطورات، للاستمرار في الحياة. هكذا يتعامل المصريون مع كل شيء".

XS
SM
MD
LG