Accessibility links

كيف سيرد الفلسطينيون على إعلان نتانياهو عن نيته ضمّ أجزاء من الضفة الغربية؟


رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

غيث العمري/

في 10 سبتمبر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أنه سيضم منطقة غور الأردن [إلى إسرائيل] إذا ما فاز في الانتخابات التي يعاد إجراؤها هذا الشهر. وفي حين سيتوقف التطبيق الفعلي لهذا الإعلان وتداعياته على المدى الطويل على عدة عوامل، فإن التبعات القصيرة الأمد واضحة: سيخلق هذا الإعلان بيئة سياسية في أوساط الجمهور الفلسطيني الذي يطالب بردّ فعل كبير من قادته. وقد ترغم هذه الضغوط المحلية رئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس على إبداء ردّ فعل لم يرغب فيه، رغم أنها ستمنحه ذخيرة دبلوماسية لحشد دعم دولي لمواقفه المعارضة لإسرائيل والولايات المتحدة.

وبالفعل، يمثل الإعلان تحديا استراتيجيا وفرصة تكتيكية على السواء من منظور "السلطة الفلسطينية". فمن الناحية الاستراتيجية، [بدأ] المبرر الفعلي لقيام "السلطة الفلسطينية" ـ السعي الدبلوماسي إلى حل الدولتين في إطار اتفاقيات أوسلو ـ يفقد الدعم المحلي بشكل مطرد.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، صرّح رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية قائلا، "هذا ليس وقتا للمفاوضات أو الاعتراف أو السلام"، وقد يشعر المسؤولون في "السلطة الفلسطينية" قريبا بالحاجة إلى التعبير عن مشاعر مماثلة.

سيحاول عباس أن يضمن رفضا استباقيا من الدول العربية وربما الأوروبية لأي خطة تدعم موقف نتانياهو

وكانت حركة "فتح" و"منظمة التحرير الفلسطينية" قد أصدرتا عدة قرارات خلال الأشهر القليلة الماضية دعتا فيها "السلطة الفلسطينية" إلى فك الارتباط رسميا عن إسرائيل وعملية أوسلو، وفي حين أن هذه المطالب رمزية إلى حد كبير، إلا أنها أحدثت ضغوطا متنامية على عباس لتنفيذ بعض منها على الأقل.

ومن شأن إعلان نتانياهو أن يزيد هذه الضغوط؛ فقد سبق أن حذّر عباس من أن أي خطوات نحو ضمّ غور الأردن قد تسفر عن "إنهاء كافة الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل".

وخلال السنوات القليلة الماضية، اعتمد عباس استراتيجية موازنة ركّزت على تبني دبلوماسية متحدية (خاصة في الأمم المتحدة) وتعليق بعض أحكام اتفاقات أوسلو الثانوية مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكونات الأمنية والاقتصادية الرئيسية المنصوص عليها في الاتفاقات.

لكن في ظل تقلّص خياراته تدريجيا، كان مرغما في بعض الأحيان على اتخاذ قرارات مالية وأمنية هدّدت بزعزعة استقرار "السلطة الفلسطينية". ففي يوليو 2017 على سبيل المثال، علّق لفترة وجيزة التعاون الأمني مع إسرائيل ردا على مواجهات استهدفت جبل الهيكل/الحرم الشريف. ومؤخرا، شعر أنه مضطر من الناحية السياسية إلى رفض المزيد من تحويلات الإيرادات الضريبية التي تجمعها إسرائيل بالنيابة عن "السلطة الفلسطينية"، في خطوة أغرقت الضفة الغربية في أزمة مالية (على الرغم من أن كلا الطرفين يجدان طرقا للالتفاف جزئيا على الأقل على هذا القرار).

ومن شأن محاولة ضمّ غور الأردن التي أعلن عنها نتانياهو أن تجعل استراتيجية التوازن هذه أكثر تزعزعا. فمن جهة، قد تؤدي الضرورة المحلية للرد الفوري إلى تحفيز عباس على إطلاق تهديدات قوية تتعلق بالإعلان، من أجل حشد الدعم الشعبي حول قيادته. ومن جهة أخرى، ستزداد الضغوط لتفعيل قرارات "منظمة التحرير الفلسطينية"/"فتح" وإنهاء بعض جوانب التعاون الأمني مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن عباس سيحاول تجنب اتخاذ هذه الخطوة (وربما يصفها كتهديد مستقبلي بدلا من ذلك)، فقد يجد نفسه مفتقرا إلى بدائل أكثر ليونة.

على أي حال، سيكون ردّ الفعل الأكثر إلحاحا من جانب "السلطة الفلسطينية" ردا دبلوماسيا حيث سيتحرك عباس من دون شك بسرعة للاستفادة من الرفض الدولي الواسع النطاق لإعلان نتانياهو. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى الدعوة لعقد اجتماع لـ"جامعة الدول العربية" يعيد التأكيد على دعم المواقف الفلسطينية التقليدية قبل انعقاد جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة ـ وهي دعوة سيصعب على أي دولة عربية رفضها. وبالفعل، فوفقا لـ "خدمة رصد الإعلام في "بي بي سي"(BBC Monitoring)، سبق أن طلبت السعودية من "منظمة التعاون الإسلامي"‎ عقد اجتماع "طارئ" لوزراء الخارجية من أجل مناقشة المسألة ووضع خطة عمل.

وستتجلى ذروة هذه الدبلوماسية هذا الشهر في نيويورك، حيث سيركز عباس في ظهوره أمام الأمم المتحدة على إنشاء تحالف دولي أوسع نطاقا في وجه عملية الضم. ومن شأن رسالة مماثلة أن تلقى آذانا صاغية، بما في ذلك في أوروبا، حيث لا يزال الالتزام بحل الدولتين ومعارضة أي ضم من جانب واحد كبيرا.

سيكون ردّ الفعل الأكثر إلحاحا من جانب "السلطة الفلسطينية" ردا دبلوماسيا

فضلا عن ذلك، ستسعى "السلطة الفلسطينية" إلى مطابقة إعلان نتانياهو مع خطة السلام التي لم تطلقها إدارة ترامب بعد. وفي هذه الحالة، سيحاول عباس أن يضمن رفضا استباقيا من الدول العربية وربما الأوروبية لأي خطة تدعم موقف نتانياهو. ومن خلال ضمان مثل هذا الالتزام بشكل مسبق، تأمل "السلطة الفلسطينية" في عزل واشنطن بشأن هذه المسألة وتعزيز فرص فشل الخطة الأميركية.

وستتوقف فرص نجاح هذه الاستراتيجية على ردّ فعل واشنطن على إعلان نتانياهو. إن موقف الإدارة الأميركية حتى الآن ـ الذي يشير إلى أن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير، والذي يرجئ القضية إلى حين إطلاق خطة السلام الخاصة بالإدارة في نهاية المطاف ـ قد يسفر عن ابتعاد كافٍ عن إعلان الضم لتجنب أي تداعيات خطيرة. ولكن لكي تكون هذه المقاربة فعالة في ضمان المجال الضروري للمناورة الدبلوماسية، سيتعين على المسؤولين التوسّع علنا في موقف الإدارة الأميركية واللجوء إلى أدبيات الرسائل والتواصل بنشاط مع الدول العربية والأوروبية الرئيسية.

إن العجز عن القيام بذلك من شأنه أن يسمح لـ "السلطة الفلسطينية" بتحديد السردية وربما إفشال خطة السلام الأميركية حتى قبل إطلاقها. أما البديل الآخر ـ إصدار بيانات تشير إلى تأييد الولايات المتحدة لمقترحات نتانياهو ـ فقد يمنح "السلطة الفلسطينية" ميزة إضافية، تضمن بشكل شبه تام نجاحها في إنشاء تحالف وقائي ضد خطة السلام.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG