Accessibility links

لا "مستقبل" في هذه البلاد


تجمع للعاملين في تلفزيون المستقبل في العاشر من مايو 2008

كوليت بهنا/

في الثامن عشر من شهر سبتمبر الجاري، أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ورئيس "تيار المستقبل"، تعليق العمل بتلفزيون "المستقبل" وتصفية حقوق العاملين فيه، بعد أكثر من ربع قرن على انطلاقه، وذلك بعد تعثر مالي خلال السنوات الخمس الماضية، أرخى منذ بداياته بظلال اقتراب النهاية التي حصدت قبل استحقاقها صحيفة "المستقبل" وإذاعة "الشرق" التابعتين للتيار السياسي اللبناني ذاته.

المراقب لهذا التلفزيون اللبناني ـ العربي بمحطتيه الأرضية والفضائية، لاحظ دون أدنى شك تعثر الأداء العام وارتباك برامجه عقب مقتل رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري (2005) المؤسس الأول له سنة 1993، وانكسار الروح العامة ـالمتفائلة بمستقبل لبنان ومستقبل المنطقة التي أشاعها الأب الحريري، وأسس منصته الاعلامية بموجب معطياتها وهيمنت على جوّها العام لسنوات.

عبر تلفزيون المستقبل تعرفوا وأحبوا الفنان المبدع أحمد قعبور وغنوا معه "وحياتك بتمون"

تأرجح هذا الأداء لاحقا بين الخطاب الإعلامي الخاص، والخطاب الإعلامي العام، أو بين الشخصي والوطني، وأكثر ما تبلور في النشرات الاخبارية السياسية التي عكست توجه تيار المستقبل مع "جماعة 14 آذار" السياسية، مقابل جماعة "8 آذار".

واستخدام هذا التلفزيون كوسيلة إعلامية خاصة لا تبتعد في توجهاتها ورؤاها السياسية والطائفية عن باقي زميلاتها من المحطات اللبنانية، والتي ادعت بمعظمها سياسة " النأي بالنفس" التي أعلنتها الحكومة اللبنانية عقب اندلاع الثورة السورية 2011، وهو ادعاء لم يتبلور حقيقة على الأرض، وتورطت معظم المنصات الإعلامية اللبنانية في اصطفافات سياسية واضحة عكست سياسات مموليها وأصحابها والأحزاب التابعة لها (ضد أو مع).

ولعل التعثر الإعلامي الأكبر الذي يسجل "ضد" السيرة السياسية الذاتية لتلفزيون "المستقبل"، هو انحيازه الصريح والواضح لولي العهد السعودي بشكل شخصي وليس للسعودية كدولة، عقب اغتيال الصحافي السعودي "جمال خاشقجي" في قنصلية بلاده في اسطنبول مطلع أكتوبر 2018، قبل وبعد ظهور النتائج الأولية للتحقيقات التي أكدت تورط "قتلة" من الفئة المقربة من "بن سلمان"، ورغم الأزمة السياسية الكبرى التي أعقبت احتجاز أو "اختطاف" رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في السعودية في العام 2018.

بعيدا عن مناقشة أحقية الوسائل الإعلامية الخاصة في امتلاك حرية خطاباتها وانتماءاتها، ونتائج وتأثير هذه الحرية وسط أجواء عامة سياسية وطائفية متنافرة واستفزازية ومتشنجة باستمرار تشبه ما يعيشه لبنان منذ سنوات، وبعيدا عن الخطاب السياسي لتلفزيون "المستقبل" أو سواه من التلفزيونات اللبنانية، لا بد من التوقف عند الجانب المضيء، وهو الأوسع، من رحلة هذا التلفزيون "العزيز" على قلوب السوريين ربما أكثر من اللبنانيين أنفسهم.

إذ شكلت شاشة "المستقبل" منذ بداية انطلاقها، وتهافت السوريين لالتقاط إشارة البث الخاص بها عبر اللواقط (الأنتينات) البدائية العادية قبل انطلاقها عبر الأقمار الصناعية، متنفسا إعلاميا مختلفا ومتميزا بجدارة، وسحروا بأناقة المشهدية العامة والمتميزة لها، والتي صنفت كواحدة من أجمل شاشات التلفزة العربية التي ترتاح عين المشاهد لرؤية ألوانها وديكوراتها وفواصل إعلاناتها، وجمال إطلالة إعلامياتها وإعلامييها، والتوازن وعدم التكلف في تسريحات الشعر والماكياج والمظهر العام.

والأهم في هذا السياق، هو هيكلية برامجها المتجددة، وتميز معظم هذه البرامج المتنوعة بين المنوعات والترفيهي والثقافي والاقتصادي وبرامج الحوار، وأبرزها تلك التي كانت تطرح عبر معدّات ومعدّين ذوي مهنية وموهبة خالصتين، وتقدم قضايا اجتماعية محلية وعربية جريئة وذات بعد تنويري ـ نهضوي مثل برنامج "سيرة وانفتحت"، إضافة إلى البرامج الثقافية التي أعادت الجمهور اللبناني والسوري والعربي إلى الدائرة الثقافية الحيوية والاهتمام بها، ومتابعة الشأن الثقافي العربي ومستجداته، عبر تبسيط آليات تقديم مفهوم "الثقافة" دون تعقيد ودون تسطيح، والاعتناء باختيار ضيوف مبدعين، اختلفوا في ظهورهم على شاشة "المستقبل" عن ظهورهم في برامج ثقافية على محطات تلفزة عربية أخرى، بسبب اختلاف أسلوبية الحوار وسلاسته وذكائه، حتى أن السوريين وإلى زمن قريب ارتبط لديهم يوم الثلاثاء بالبرنامج الثقافي الشهير "خليك بالبيت"، وكانوا يبقون حقيقة في البيت ليلة الثلاثاء لمعرفة الضيف الجديد ومتابعة متعة الحوار معه.

شكلت شاشة "المستقبل" منذ بداية انطلاقها متنفسا إعلاميا مختلفا ومتميزا بجدارة

وعبر تلفزيون المستقبل و"لوغو" شاشته الأزرق الذي يرمز لسماء رحبة، تعرفوا وأحبوا الفنان المبدع أحمد قعبور وغنوا معه "وحياتك بتمون"، وصارت كلمة "لعيونك" تستخدم على ألسنتهم بعفوية جنبا إلى جنب كلمة "على عيني" التي يتداولونها في مفرداتهم الشعبية، بحيث يمكن أن يقال إن جيلا من السوريين يمتد إلى عقدين، واكبوا هذه الشاشة وتفاعلوا معها في أوج تألقها ونجاحها، وستبقى في ذاكرتهم الجمعية العامة محطة عزيزة يؤسف لتوقفها.

تعليق العمل في "المستقبل" بمعناه المباشر كشاشة تلفزيونية لبنانية عربية، أو بمعناه المجازي الزمني (المستقبل ـ FUTURE)، يضيف إلى حيوات الأفراد في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، بعدا جديدا من عبث التخطيط واللاتفاؤل، هذه البلاد وشعوبها التي يستعصي عليها البناء لمستقبلها ومستقبل أطفالها في ظل عدم الاستقرار الدائم، واستمرار فتح الجبهات وامتداد خط النار من العراق إلى سوريا ولبنان وليبيا واليمن، والتهديدات الجديدة الأخيرة ضد استقرار السعودية ودول الخليج إثر الاعتداءات المنسوبة لإيران الأسبوع الفائت، وضبابية الأفق العام، والإحساس الشعبي العربي القاسي المتجدد الذي ينتاب الجميع باستمرار ويؤكد بأن لا "مستقبل" في هذه البلاد.

اقرأ للكاتبة أيضا: ماذا تفعل الحرب بالنساء؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG