Accessibility links

لا يعلمون بموت البغدادي.. هكذا يعيش معتقلو "داعش" في سوريا


يقبع في سجون قوات سوريا الديموقراطية حاليا 12 ألف عنصر من داعش

في مهاجع مكتظة ذات إنارة خافتة، تتلاصق أجساد هزيلة، يتكوّر بعضها على نفسه، وتتمدد أخرى على الأرض... ويغطي زي برتقالي موحد أجساد كل هؤلاء المعتقلين من عناصر تنظيم "داعش" الذين كانوا يرعبون العالم حتى أشهر قليلة خلت.

يضمّ السجن، الواقع في محافظة الحسكة (شرق سوريا) خمسة آلاف عنصر من التنظيم اعتقلتهم قوات سوريا الديموقراطية خلال المعارك العنيفة التي خاضتها ضدهم في مناطق مختلفة من سوريا بدعم من تحالف دولي بقيادة واشنطن.

في عزلة عن العالم

لا يعلم هؤلاء بما يجري خارج جدران السجن، بحسب ما يؤكد القيمون على السجن الذين يطلبون عدم طرح أسئلة متعلقة بالأحداث.

لم يعرف هؤلاء، وفق مسؤول بالسجن اسمه سرحات، بالهجوم التركي ضد المقاتلين الأكراد في شمال سوريا وما تبعه من متغيرات سياسية وميدانية بينها انسحاب قوات سوريا الديموقراطية من مناطق حدودية واسعة.

وبالتالي، فهم لا يعرفون على الأرجح بمقتل زعيمهم أبو بكر البغدادي فجر الأحد في عملية أميركية في شمال غرب سوريا.

في الطابق العلوي، رواق طويل تقطعه بوابات حديدية، وتصطف على جانبيه زنازين تكاد لا تفرق الواحدة عن الأخرى، مغلقة بباب فيه طاقة صغيرة يفتحها الحراس الذين يضعون أقنعة تخفي وجوههم للردّ على نداءات المساجين.

والمعتقلون من جنسيات مختلفة عربية وأوروبية وآسيوية، "من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة والسعودية وتونس والمغرب وغيرها..."، بحسب ما يعدد مسؤول السجن.

رغم سجنهم المشدد إلا أن الحراس يقولون إنهم خطرون
رغم سجنهم المشدد إلا أن الحراس يقولون إنهم خطرون

يقول البعض إنهم نادمون على التحاقهم بالتنظيم المتطرف، بينما آخرون يريدون الخروج من المكان بأي ثمن، "لا يهمّ إلى محكمة، أو إلى الإعدام"، كما يقول أحدهم.

لم ير المعتقلون الشمس منذ أشهر، ويوضح سرحات "يرون الشمس فقط إذا نقلناهم من الزنازين إلى المستشفى"، مضيفاً "قبل العدوان التركي، كنا نجهز ساحة لهم للتريّض، وورشات تأهيل لأشبال الخلافة، لكن كل ذلك توقف حالياً".

1500 مصاب ومريض

في الطابق السفلي، مستشفى السجن الذي يضمّ أكثر من 300 مريض ومصاب يعانون من نقص في المياه والأدوية.

وفي الداخل، أجساد ضامرة، شاب يضع حفاضاً لا يقوى على الوقوف يمسكه سجينان بيديه لكن سرعان ما ينهار من شدّة الإعياء أمام صحافي وكالة فرانس برس، ويقول آخرون في الزنزانة إن كثيرين في المكان يعانون من الإسهال.

مستشفى السجن الذي يضمّ أكثر من 300 مريض ومصاب يعانون من نقص في المياه والأدوية
مستشفى السجن الذي يضمّ أكثر من 300 مريض ومصاب يعانون من نقص في المياه والأدوية

يسلم الحراس فريق فرانس برس أقنعة طبية لوضعها للوقاية من الأمراض المنتشرة أو الرائحة الكريهة برغم المراوح الموجودة لسحبها.

يمكن رؤية أحدهم وقد بُترت ساقه، وآخر يتنقل على كرسي متحرك، وثالث يمشي على عكازين، بينما كثيرون ضمدت رؤوسهم أو أقدامهم او أيديهم. وبرزت نتوء في عظام من أجسادهم.

ينام البعض على الأسرّة القليلة المتوفرة، والغالبية على الأرض وإلى جانبهم صناديق أدوية صغيرة عليها شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويوضح مسؤول السجن أن بين المساجين حوالي 1500 مصاب أو مريض، مشيراً إلى حالات بتر كثيرة، و50 حالة التهاب كبد وحالتي إيدز.

هؤلاء خطيرون

يخيّم الهدوء على أروقة السجن التي تقطعها أبواب مصنوعة من قضبان حديدية خضراء. على جانبي الأروقة مهاجع المساجين المغلقة بإحكام بأبواب حديدية تتوسطها نافذة صغيرة لكل باب.

يفتح حارس وضع قناعاً أسود على وجهه إحدى النوافذ، في الداخل، لا يمكن حتى رؤية الأرض من شدة الاكتظاظ: مكدسون وبينهم جرحى كثر.

على جدران الزنازين، علقت أكياس من الخبز، وفي زواياها أغلقت حمامات بقطع من قماش.

وفي كل مرة تُفتح نافذة باب حديدي، يتجمع بعض من في الداخل قرب الباب، ليلقوا نظرة على الخارج أو يمعنوا النظر في الزوار.

ويقول الحراس إنهم يتشاجرون كثيراً مع بعضهم على كل شيء
ويقول الحراس إنهم يتشاجرون كثيراً مع بعضهم على كل شيء

في إحدى الزنازين، يسرع أحدهم بإحضار شاب ملتح نحيل وقد ارتدى حفاضاً من شدة المرض، ليراه الصحافيون.

أمام إحدى الزنازين، يتردد أحد الحراس في الاقتراب قائلاً "هؤلاء خطيرون"، في هذا المهجع حصلت إحدى محاولات الشغب، كما يقول سرحات.

ويروي أنه قبل حوالي شهر، وأثناء توزيع حراس السجن الطعام، وجدوا أحد المعتقلين ممددا على الأرض، وقال لهم السجناء إنه مريض جداً وعلى وشك الموت. دخل الحراس لاصطحابه، فهاجمهم المساجين، وفق سرحات الذي يوضح "سرعان ما تدخلت قواتنا وانتهى الأمر".

ويقول حارس فضل عدم الكشف عن اسمه "أحيانا يطرقون على الأبواب ويتشاجرون كثيراً مع بعضهم على كل شيء، حتى من أجل الفرش، وأحياناً يقومون بذلك لحثنا على التدخل في محاولة للفرار.

خلال الجولة، يطرق أحدهم بقوة أحد الأبواب، يفتح الحارس الشباك فيطلب من في الداخل المياه، بعد دقائق، يطرق آخر، والطلب هذه المرة أدوية.

أشبال الخلافة

ويقبع ما يعرف بـ"أشبال الخلافة"، وهم فتيان لا يتجاوز عمر أكبرهم 16 عاماً، في زنزانة خاصة، يتحدر هؤلاء من دول آسيوية وعربية وأجنبية.

ويتواجد معهم شخص بالغ واحد هو طبيب في الجراحة العظمية، كان على غرار غالبية المعتقلين في السجن، من الذين بقوا إلى جانب التنظيم حتى الأيام الأخيرة في الباغوز.

يُخرج خالد من قرغيزستان رأسه من النافذة، يدقق النظر من حوله، يضحك مع الحارس الذي يطلب منه تنظيم زملائه، فيلتفت إليهم قائلاً "إرجعوا إلى الخلف"، وعمره، على حد قوله، تسع سنوات فقط، وقد فقد والديه.

إلى جانبه فتى تونسي في الـ13 من العمر، يقول إن كل ما ينتظره هو أن يخرج من هنا بعدما فقد عائلته أيضاً في القصف، يبتسم قائلاً "بقيت وحدي".

ويقبع في سجون قوات سوريا الديموقراطية حاليا 12 ألف عنصر من تنظيم داعش، بينهم 2500 إلى ثلاثة آلاف أجنبي من 54 دولة. والآلاف من هؤلاء اعتقلوا خلال المعركة الأخيرة ضد التنظيم في بلدة الباغوز في شرق سوريا.

الآلاف من هؤلاء اعتقلوا خلال المعركة الأخيرة ضد التنظيم
الآلاف من هؤلاء اعتقلوا خلال المعركة الأخيرة ضد التنظيم

في الخارج، عناصر الخلايا النائمة التابعة للتنظيم المتطرف لم ينسوا رفاقهم، بحسب أحد مسؤولي السجن. "يقتربون أحيانا من السجن، ويطلقون النار في الهواء ليقولوا لهم إنهم لم ينسوهم".

وتراجعت الحراسة على السجن خلال تلك الفترة، وفق سرحات، بعد إرسال العشرات من القوات فيه لدعم زملائهم عند خطوط الجبهات. ويشير إلى نقص في الأدوية التي بات إرسالها للمدنيين والعسكريين الجرحى أولوية.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG