Accessibility links

لبنان: قلق في المصارف


طالت العقوبات "جمال ترست بنك"، وهناك حديث عن احتمال توسيع هذه العقوبات لتطال مصارف أخرى في لبنان

حازم الأمين/

هل من غير الصحي مكاشفة اللبنانيين بما ينتظرهم من احتمالات مالية واقتصادية؟ وإلى متى ستستمر الحكومة ومصرف لبنان في ممارسة فعل النعامة، عبر إخفاء الرأس في الرمال؟ فالمؤشرات المقلقة تحاصرنا في يومياتنا في بيروت. في المصرف يمنعون المودع من تحويل رصيده من العملة الوطنية إلى الدولار، ويعرضون فوائد غير منطقية على المودعين. في الشارع ارتفعت قيمة الدولار نحو خمسة ليرات. خريجو الجامعات، وهم بعشرات الآلاف، مقفلة كل فرص العمل في وجوههم، أي في السوق المحلية والخليج والغرب. مؤسسات الحريري مفلسة وآلاف الموظفين لا يتقاضون رواتبهم. واقتصاد حزب الله الموازي بدأ يتداعى بفعل العقوبات الأميركية على إيران.

لا أفق سوى الانهيار الوشيك، وفي هذا الوقت يظهر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على التلفزيون ليقول للبنانيين إن عملتهم بخير. يقول هذا على التلفزيون بينما موظف المصرف الذي تتقاضى منه راتبك يعرض عليك فائدة تصل إلى 20 في المئة إذا أحضرت وديعة من الخارج. محطات التلفزيون تستضيف كل ليلة خبراء اقتصاديين ليطمئنوا المشاهدين، وحين تلتقي بهؤلاء الخبراء في المقهى يقولون كلاما مغايرا! المتفائل منهم يقول إن المهلة أمام الليرة اللبنانية هي إلى آخر السنة في أحسن تقدير.

اقتصاد حزب الله الموازي بدأ يتداعى بفعل العقوبات الأميركية على إيران

إذا على الموظفين الذين راكموا تعويضات نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي أن يهرعوا لسحب تعويضاتهم قبل أن يأكلها التضخم وانهيار العملة، وهناك في الضمان سيواجهون بحقيقة أن مؤسساتهم لم تسدد للضمان مستحقاتها عنهم، وبالتالي لا يستطيعون سحب التعويضات. التراجيديا هنا تتحول مأساة. الموظفون يهرعون إلى المصارف للاستدانة لكي يسددوا عن مؤسساتهم المستحقات ما يتيح لهم سحب التعويضات وتسديد ديون المصارف منها. المصارف ترفض إعطاء الموظفين قروضا، فيسقط هؤلاء في يأس كبير.

في هذا الوقت يظهر تقرير أميركي يشير إلى تحويلات مالية هائلة شهدتها الدورة المالية اللبنانية وعبر المصارف الكبرى، وهي، أي التحويلات، محل شبهات لجهة تمويل إرهاب ومخدرات وتبييض أموال. التقرير يستعرض أسماء لمسؤولين سياسيين ولمصارف، وهو يكاد يشير إلى مصرف لبنان لجهة ضعف الرقابة على عمليات مالية بهذا الحجم. هذا قبل أن نذكر العقوبات التي طالت "جمال ترست بنك" وحديث دبلوماسيين أميركيين عن احتمال توسيع هذه العقوبات لتشمل مصارف أخرى.

في مواجهة هذا الأفق المسدود سياسيا واقتصاديا، تقترح الحكومة حزمة حلول يتركز معظمها على زيادة في الجبايات والضرائب، ويتحدث رئيس الجمهورية عن خطة طوارئ اقتصادية لا تشمل جوهر الأزمة، ذاك أن الاقتصاد العالمي وضع لبنان في دائرة الشكوك حول وظائفه المالية والاقتصادية، وهنا جوهر المأزق، وهنا أيضا مشهد النعامة وهي تدفن رأسها في الرمال. فالحكومة عاجزة عن تقديم إجابات عن علاقة المصارف بالدورة المالية لحزب الله. هذا من الأسئلة الرئيسة التي تطرحها الولايات المتحدة على لبنان، ولكن الإجابة عنها محرم الإجابة عنها.

الحكومة مشكّلة من أقطاب متورطين حتى أعناقهم بتهريب الودائع والانخراط بأعمال فيها شبهة تبييض أموال، أو بتغطية متورطين في هذه الأعمال. المأزق فيما يبدو عميقا أكثر من إقفال المعابر غير الشرعية، فالفساد في لبنان ليس تهربا من الضرائب وليس رشاوى في الدوائر الحكومية. الفساد عضوي أكثر وهو جزء من نظام سياسي توزع فيه العائدات هبة لشعوب أمراء الطوائف ورؤسائها. وهو بهذا المعنى فساد أفقي يتقاطع مع فساد أكبر عمودي، ويبدو أن طبقتنا السياسية اعتقدت أنه بإمكانها أن تنجو به، وإذ بمؤسسات مالية دولية كبرى توزع على وسائل الإعلام بيانات الفساد ووثائق تتحدث إخلال لبنان بتعهداته.

الحكومة عاجزة عن تقديم إجابات عن علاقة المصارف بالدورة المالية لحزب الله

أن تكون جزءا من النظام المالي العالمي، فأنت عُرضة للفضيحة إذا ما أخليت بشروط هذا النظام. وعندما تتحدث مع مسؤول مصرفي يفاتحك بعجزه عن مقاومة الخلل الناجم عن تفاوت الوظائف. فأن تكون جزءا من دورة مالية طبيعية يعني أنك تحت الرقابة. ويبدو أن لبنان وضع نفسه تحت هذه الرقابة بفعل وجوده في دورة مالية عالمية، وفي نفس الوقت وضع نفسه في خدمة دورة مالية سعت للإفلات من هذه الرقابة. والحديث هنا ليس عن تحويلات لها علاقة بحزب الله فقط، إنما تشير تقارير موثقة أيضا إلى حركة تحويلات مالية كبرى عليها شبهة تبييض أموال.

وفي هذا الوقت يسمي رئيس الجمهورية تكتله النيابي "لبنان القوي"، ويستقبل رئيس الحكومة في مزرعته في واشنطن وزير الخارجية الأميركي في وقت يمتنع فيه عن دفع رواتب موظفي مؤسساته، وبينما يشيد وزير الخارجية جبران باسيل بالمساعدات الأميركية للبنان، يعلن الأمين العام لحزب الله أن لبنان جزء من "مخيم" يقوده مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي.

على هذا النحو يريد لبنان أن يواجه الاستعصاء المالي الوشيك.

اقرأ للكاتب أيضا: الإرهاب العثماني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG