Accessibility links

لبنان وتعددياته الحضارية


مشاركون باحتفال عيد الاستقلال الذي أحياه المتظاهرون في وسط بيروت

حسن منيمنة/

كان الكاتب والمفكر اللبناني وليد فارس قد أثار ضجة في سبعينيات القرن الماضي حين طرح مقولة أن القائم في لبنان هو "تعددية حضارية" تتجاور ضمنها الحضارة الغربية، متمثلة بالمجتمعات المسيحية بكنائسها سواء منها الكاثوليكية المتحدة مع الباباوية في روما أو الأرثوذكسية على اختلاف إقرارها بالمجامع الإيمانية، مع الحضارة الإسلامية العربية بتعابيرها الدينية والمذهبية المختلفة.

ردة الفعل السلبية التي واجهتها مقولة وليد فارس في معظم الوسط الفكري العربي آنذاك كانت عائدة إلى سياق الطرح وشكله أكثر منها إلى مضمونه. فإذا كان المد القومي العروبي قد تعرّض للانحسار بفعل هزيمة حرب يونيو 1976، فإن البدائل المطروحة كانت أقرب إلى منطق الهروب إلى الأمام، أي تلك التي تعتمد المزيد من القراءات المصرّة على نفي الحدود الوطنية ("القُطرية") والطاعنة بالاستعمار، بأصنافه القديمة والجديدة، والداعية إلى الثورة الشعبية والمقاومة والعنف الثوري، في مزيج هجين من القومية واليسارية. فأن يصدر عن مفكر لبناني، ومن جامعة الكسليك المحسوبة لدى أصحاب الطروحات الثورية على الرجعية الطائفية، مقولة تتحدث، ضمنا أو صراحة، عن تراتبية حضارية، كان أمرا مرفوضا تلقائيا.

لا بد من التروي بتوصيف الواقع اللبناني المستجد، كي لا يبدو وكأن الزعم هو أن الطائفية في لبنان قد اندثرت

ولا شك أن وليد فارس قد أزخم مقولته بالتوجهات العقائدية، التي ترى جواز فك عقد التعددية أو وجوبه، غير أنه كان وحسب يتابع نقاشا داخل الإطار المسيحي اللبناني عن جدوى الصيغة الوطنية التي لم تعطِ للمسيحيين في لبنان أولوية قطعية، بل أتاحت المجال، تحت عنوان المساواة، أمام استفحال الدعوات التذويبية، بمسمّيات قومية تخفي وراءها مدلولات دينية، على حساب وجود سيادي ضامن للاستمرارية التاريخية للمسيحية المشرقية في لبنان. وقد تفاقمت هذه الأحوال مع الدخول الفلسطيني المسلح إلى لبنان، والإصرار على تسفيه القلق المسيحي من الخطاب السياسي العام، وإدراجه في خانة الدفاع عن امتيازات لا بد من إعادة النظر فيها.

كان من حق فارس حينئذ، بعد مرور أكثر من نصف قرن على إعلان لبنان الكبير، دون أن تتحقق الصدارة للهوية اللبنانية الجامعة، أن يبحث في مفهوم الحضارة عن أسباب الفشل، رغم الضبابية التي لا تفارق هذا المفهوم، سواء في فرز الحضارات المختلفة أو بتحديد خطوط التماسها.

لم يكن الهمّ الذي عبّرت عنه مقولة وليد فارس غائبة عن الجيل المؤسس للبنان الكبير، بل إن الجدل بين أعضاء الوفود التي قدمّت الموقف اللبناني في عواصم القرار، مع انتهاء الحرب العالمية وسقوط الدولة العثمانية، أقرّ عمليا بوجود "تعددية حضارية" في لبنان، دون استعمال العبارة طبعا، ولكن بمضامين منوّهة كذلك. فـ "التعددية الحضارية" لدى وليد فارس جاءت للتعبير عن "تعددية الحضارات"، بالمفهوم المعتمد للحضارات المتميزة، من أرنولد توينبي وصولا إلى صاموئيل هانتغتون، وهو مفهوم فكري تركيبي قائم على متابعة متغيرات في المكان والزمان والمضمون يمكن معها الحديث عن نشوء الحضارات وخصوصياتها وصراعها وتطورها وموتها.

صدى خيار البطريرك الحويك هو الذي يسمع اليوم في ساحات الثورة وإن متأخرا مئة عام

أما الصيغ التي دار النقاش بشأنها في أوساط "الآباء المؤسسين" للبنان فكانت أقل شمولية وأكثر موضعية، ويمكن اختزالها باثنتين، إحداهما قائمة على الجماعة والدين والهوية الطائفية، أي أن التعددية هي تعددية الطوائف، والأخرى، جريئة وجديدة ومرتبكة في آن، قائمة على الهوية الوطنية الحداثية في مقابل الهوية الفئوية الطائفية، أي أن التعددية هي تعددية الوعي السياسي، بين من يضع الانتماء للطائفة أولا، ومن يرتقي إلى الانتماء للوطن.

مضى قرن كامل على هذا النقاش بين رجال ائتمنوا البطريرك إلياس بطرس الحويك على الفصل بمقتضاه، فاختار، في تواصله النافذ مع الانتداب الفرنسي، لبنان الوطن الحداثي الجامع، وطنا لمواطنيه. وكاد أن يمضي قرن كامل قبل يتحقق على أرض الواقع حدث يحاكي هذا الاختيار، بالأفعال لا الأقوال، هو ثورة السابع عشر من أكتوبر المطالبة مجددا بوطن لمواطنيه.

لا بد من التروي بتوصيف الواقع اللبناني المستجد، كي لا يبدو وكأن الزعم هو أن الطائفية في لبنان قد اندثرت. فهذا مخالف للحقائق الملموسة. غير أن ما لا شك فيه هو أن لبنان يشهد للمرة الأولى في تاريخه مواجهة شاملة بين جهة داعية لوطن المواطن، بتحركاتها قبل شعاراتها، وجهات داعية لوطن الطوائف، متضاربة في مصالحها وعقائدها وزعمائها، ولكن متفقة على مبدأ تقاسم الوطن.

رغم أن البطريرك الحويك قد تردد في مواقفه في مراحل تالية من حياته، نتيجة مفاجآت مؤلمة، غير أن صدى خياره وآراء المستنيرين من حوله هو الذي يسمع اليوم في ساحات الثورة وإن متأخرا مئة عام.

فالتعددية الحضارية قائمة وواضحة اليوم بين من يسعى إلى لبنان الدولة الحداثية المبنية على القيم العالمية وحقوق الإنسان وسيادة المواطن من خلال ثورة راقية مسؤولة، ومن يريد لبنان إقطاعيات تستفيد من قشور الحداثة لتحسين التعبئة الطائفية وتطوير أشكال الولاء للزعيم، وللتستر على نظام نهبي استنزف الوطن والمواطن على مدى أمسه وحاضره ومستقبله.

التعددية الحضارية هي أيضا تعددية أخلاقية بين "الزعران" و "الأوادم"

التعددية الحضارية قائمة في لبنان بين ثوار أحرار يعبرون عن مطالبهم بالصوت والكلمة ذات المضمون الهادف، وبالتحركات الاحتجاجية والتضامنية ذات المشهدية التي تشبههم في سلمية غضبها ووهج فرحها، ومثيري شغب مندسين بأمر "معلميهم"، يشاكسون مقابل أجر خدمة لطرف أو آخر من الطبقة الحاكمة، ويخربون ساحات المدن وشوارعها، تلك التي يعمل الثوار على تنظيفها وترتيبها والمحافظة عليها، انطلاقا من الوعي بأن الوطن للمواطن، والوطن مسؤولية المواطن. التحدي هنا أن يُكسب هؤلاء وألا يتركوا مادة استهلاكية لصالح الإقطاعية والطائفية والتبعية والنهبية.

التعددية الحضارية قائمة كذلك بين قوى أمنية وعسكرية تلتزم بالمناقبية والمعايير المهنية خلال تنفيذها مسؤولياتها في الحفاظ على حق المواطنين بالتظاهر والتعبير عن الرأي، بما في ذلك العصيان، وبما في ذلك ما يستوجب منها التدخل لفض تحركات معينة، ووحدات أمنية وعسكرية بالزي الرسمي إنما بسلوك عصابات المجرمين، تثور إذا ساءتها هتافات المحتجين، وتعتدي على العزّل بالضرب المبرح وتكسّر السيارات، فيما هي تهتف "بالروح بالدم نفديك يا (زعيم)". والتحدي هنا هي إقرار مبدأ أن دم المتظاهرين هو الخط الأحمر. والعمل على الكشف عن هوية هؤلاء وأسيادهم وأساتذتهم.

بل التعددية الحضارية هي أيضا تعددية أخلاقية بين "الزعران" و "الأوادم"، بين من يعتبر الخلاف رخصة للاستباحة والشتم والشماتة والتهويل، وبين من يدرك الاختلاف في الرأي لا ينفي الشراكة في الوطن، وفي الألم، وفي الحاضر والمستقبل.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران في لبنان: حقيقة صعبة لا بد من مواجهتها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG