Accessibility links

"لقد تغيّرت اللعبة".. فماذا عنا كعراقيين؟


عراقيون في كربلاء يحملون شعارات البرلمان لا يمثلني

إياد العنبر/

"لقد تغيرت اللعبة"؛ كان هذا تصريح لوزير الدفاع الأميركي مارك إسبر قبل ساعات من عمليّة عسكرية أميركية أدّت إلى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد.

توقيت قتل الجنرال سليماني ومكان التنفيذ في العراق، قد يكون الرد الأقسى والأعنف من قبل الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران. إذ يدرك الأميركيون مَن هو "الحاج سليماني"، منصبه الرسمي قائد فيلق القدس منذ أكثر من عشرين عاما، لكنه مهندس ما يصطلح عليه بمحور المقاومة، إذ وصفه جون ماجير، ضابط الاستخبارات الأميركية السابق، بأنه "الأكثر تأثيرا في الشرق الأوسط"، ولقبته الصحافة الأميركية بـ "قائد الظل".

مقتل سليماني كان رسالة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتغيير اللعبة بين إيران وأميركا في منطقة الصراع والتنافس على النفوذ، وتحديدا العراق والشرق الأوسط.

في خضم تغيير قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، المشكلة الأكثر تعقيدا تكمن في العراق!

فقد فضّل ترامب البدء من الخيار التصعيد الأعلى وهو استهداف سليماني وفقا لما ذكره تقرير الصحافة الأميركية. وهذا الموقف يأتي على خلاف قرار ترامب في يونيو 2019 بوقف ضرب إيران في اللحظات الأخيرة واستبدال القرار بفرض عقوبات جديدة وهجمات إلكترونية، وذلك عقب إسقاط الإيرانيين طائرة مسيرة أميركية.

حينها قال ترامب إنه قرر وقف الضربة العسكرية حفاظا على أرواح المدنيين، ولأن الهجوم لا يتناسب مع الاعتداء. ولكن يبدو أن محاولة اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء من قبل محتجي الفصائل الشيعية المسلحة، المتهمة بموالاتِها لإيران، كان فرصة للإدارة الأميركية للانتقال من مرحلة تلقي الهجمات إلى المبادرة بالفعل.

استهداف سليماني بعد دخوله العراق، كردّ فعل على استهداف السفارة الأميركية في بغداد، إنما هي الرسالة الأبرز والأقوى التي تدلّ على التخلي عن خيارات الصبر الاستراتيجي والتفاوض، والتحول نحو تبنّي استراتيجية تجمع بين الضربة الاستباقية والردع؛ رسالة الضربة الاستباقية تهدف إلى منع الأعمال التدميرية التي تستهدف التواجد الأميركي، ورغم أنها مبادرة بالهجوم لكنها وفي الوقت ذاته هي ليست حربا؛ لأن هدفها الحد من تهديد موجود فعلا أو محتمَل.

ورغم أن قرار استهداف الجنرال سليماني كان مطروحا منذ 2017 حسب صحيفة نيويورك تايمز، لكن تنفيذه فرض مشكلة الخيارات التي تطرح أمام القادة الإيرانيين المعنيين بالردّ على مقتل سليماني، إذ أن عنصر المفاجئة بالتنفيذ يؤشر إلى أن جميع الخيارات المطروحة للنقاش هي خيارات تقليدية لا ترتقي إلى مستوى رد الفعل المفترض الذي يُراد منه أن يكون بحجم التحدي وبمستوى الحدث.

فإيران لا تعد الحادثة مقتل قائد إيراني بارز فحسب، بل هي "تُعادل شنّ حرب على إيران" كما وصفها سفير إيران بالأمم المتحدة. ومن ثم، الحديث عن استخدام الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط كوسيلة للرد، يعد من ضمن الخيارات التقليدية، إذ قد تكون عامل مساعد أو أداة تنفيذية للرد، لكنها بالنتيجة لن تكون بعنوان الثأر الإيراني.

وبعد أن تتجاوز القيادة الإيرانية مرحلة الصدمة، ستكون خياراتها محصورة بين التعامل بالمثل، بمعنى استهداف شخصية أميركية سياسية أو عسكرية عالية المستوى، أو التفكير باستهداف منشأة عسكرية أو دبلوماسية.

بيد أن كلا الخيارين في الوقت الحالي يواجه مشكلتَين؛ الأولى الرد المباشر يعني بمثابة إعلان رسمي للحرب، وهذا يعني الذهاب إلى المشكلة الثانية والتي تقود إلى زيادة التفاقم بالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران، والتي لا تزال خيارات التعامل معها تفرض تحديا كبيرا على النظام السياسي الإيراني.

خطاب القيادات السياسية والأمنية الإيرانية بشأن خيارات الرد المحتمل يشير إلى أن جميع الاحتمالات تبقى مفتوحة وتتدرج ما بين التلويح بالردّ العسكري، والتلميح بإمكانية القبول بالعودة إلى المفاوضات تحت اشتراطات رفع العقوبات عن إيران.

في المقابل، تنتظر الولايات المتحدة الأميركية الردود العملية ولا تبني موقفا على الخطابات السياسية، وكان الرئيس الأميركي واضحا بتحديد 52 هدفا في إيران للضربات العسكرية الأميركية في حال اختارت الرد العسكري.

في خضم تغيير قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، المشكلة الأكثر تعقيدا تكمن في العراق! فتوقيت العملية العسكرية كرد فعل على محاولة اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، كان فرصة ذهبية للقوى السياسية لصرف الأنظار عن الاستجابة لمطالب ساحات التظاهر والتي كانت تضغط باتجاه ترشيح شخصية مستقلة لرئاسة الحكومة الجديدة.

ويبدو أن رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي كان متواطئا في تسهيل دخول وتجمع متظاهري الحشد الشعبي أمام السفارة الأميركية، بهدف خلط الأوراق بين تظاهرات ساحة التحرير والمنطقة الخضراء.

ويبدو أيضا أن الحادثة باتت فرصة لعبد المهدي لصرف الأنظار عن المطالبة بمحاكمته بتهمة قتل أكثر من 500 متظاهر وجرح الآلاف، وقد تعيد حظوظه للبقاء في السلطة مرة أخرى، والتي تعد الضمانة الوحيدة من توجيه التهم وتنفيذ المحاكمة.

قواعد اللعبة بين إيران وأميركا في العراق، كانت تؤشر إلى نفوذ السياسية الإيرانية على أعلى المستويات وعلى مستوى صنع القرار السياسي، ويوازيه نفوذ عسكري غير رسمي من خلال تواجد العناوين العسكرية المرتبطة عقائديا بإيران.

في المقابل، هناك تواجد عسكري رسمي للقوات الأميركية؛ لكن على مستوى التأثير السياسي تراكمت أخطاء إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عهد الرئيس ترامب لجهة عدم وجود استراتيجية أميركية واضحة إزاء العراق.

يبدو أن عبد المهدي كان متواطئا في تسهيل دخول وتجمع متظاهري الحشد الشعبي أمام السفارة الأميركية

ويبدو أنه حتى هذه اللحظة لا توجد مؤشرات على تبني استراتيجية أميركية جديدة تتلاءم مع الحديث عن تغيير قواعد اللعبة على المستوى السياسي بين طرفي الصراع والتنافس في العراق.

وفي ظل تصاعد حدة الصراع، تكون مخاوف العراقيين واقعية ومبررة. فالحديث عن الحياد والتوزان بين واشنطن وطهران لا يتلاءم مع إدراك الطرفين بأن اللعبة أصبحت صفرية على أرض العراق، فما يخسره هذا الطرف يُعد مكسبا للطرف الآخر.

والمخاوف بتهديد الرئيس الأميركي بفرض عقوبات اقتصادية على العراق في حال لم يكن الانسحاب العسكري الأميركي بشكل ودي، بعد قرار البرلمان بإنهاء تواجد القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، تجعل مخاوف العراقيين من تكرار سيناريو العقوبات الاقتصادية ضد نظام صدام، التي ساهمت بإحكام قبضته على السلطة بدلا من إضعافه، يفتح الأبواب أمام احتمالات أن تستفيد منه الطبقة السياسية الحاكمة في العراق في أن تبقى جاثمة على صدور العراقيين والانقلاب على كل المكاسب التي حققتها تظاهرات أكتوبر من العام الماضي في تصحيح مسار النظام السياسي في العراق.

اقرأ للكاتب أيضا: الانقلاب المخملي الذي يقوده السيستاني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG