Accessibility links

لماذا تبقى البيئة خارج الوعي المجتمعي في المحيط العربي؟


كميات كبيرة من البلاستيك على شاطئ بيروت

حسن منيمنة/

موضوعيا، قد تكون السواحل الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، والدول المتاخمة لها والداخلة في عمقها البري، من أكثر المناطق عرضة لأن تدفع الثمن الباهظ نتيجة التبدلات المناخية المتوقعة، ولا سيما على مستوى أمنها الغذائي والمائي، وسط تعاظم الظروف التي من شأنها مضاعفة الآثار السلبية، من ارتفاع في أعداد السكان وانخفاض في الإمكانيات الذاتية لهذه الدول لإيفاء حاجاتهم، ومن الإنهاك للمحيط البيئي نتيجة لهذا الارتفاع، بالإضافة إلى التوجه الطبيعي القائم للتو نحو التصحر وضياع الأراضي الزراعية.

وفي حين أن مجتمعات هذه الدول لا تخلو من الخبراء الذين ما فتئوا يحذرون من الخطر الداهم، بل ويشهد بعضها إدراجا للمواضيع البيئية في الخطاب السياسي، وإن جزئيا، فإن الواقع المستتب هو أن المسألة البيئية، بمعناها الشامل، تبقى خارج الوعي المجتمعي العام.

ثلاثة عوامل أساسية تعرقل ارتقاء الموضوع إلى ما يتناسب مع أهميته الموضوعية، كل منها يتطلب الاعتبار والمعالجة من جانب الجهات الفاعلة، الرسمية منها والمجتمعية.

العامل الأول هو أن الخطاب البيئي «غريب» في شكله. ذلك أن المسألة البيئية غالبا ما تصاغ وتطرح بمفردات وأطر دخيلة على الهموم المحلية، تحاكي الخطاب البيئي في الغرب من دون مراعاة كافية للخصوصية الذاتية للمجتمعات المعنية. فالحديث عن وجوب التوجه نحو الطاقات البديلة والمحروقات النظيفة، وإقامة المحميات الطبيعية والمحافظة على التعددية الحياتية، والحد من الاستهلاكية ومضاعفة التدوير، غالبا ما يأتي في سياق مطالبة المجتمع ككل في تحمل مسؤوليته ضمن رؤية جيلية بالدرجة الأولى. أي أن التصدي للكارثة البيئية المرتقبة، بما يتضمنه من أعباء تطبيقية، هو مسؤولية الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة. وقد جسدت الفتاة السويدية البالغة من العمر ستة عشر عاما وحسب، غريتا ثورنبرغ، في الكلمة التي ألقتها أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة مطلع هذا الأسبوع، جوهر هذا التوجه، في إدانتها المستهجنة لتلكؤ الجيل الحالي عن القيام بواجبه وفي اعتبارها أن الأمر اعتداء على مستقبل جيلها.

غير أنه، حين يجري اعتماد هذا الخطاب خارج الإطار الغربي، فإنه يذهب باتجاه طمس الاعتبارات الطبقية والجهوية في تبيان المسؤولية العامة عن دفع التبدل المناخي نحو الكارثة، ليتخذ لهجة نخبوية صريحة، سواء في نقد الممارسات أو في توصيف غياب الهم البيئي فيها.

والمقابل العالمي لهذا التفاوت ظاهر للتو في الضغوط التي تتعرض لها الدول النامية الكبيرة، ولا سيما الصين والهند والبرازيل، ومطالبة الغرب لها أن تمتنع عن سياسات وتوجهات من شأنها الإمعان في الإضرار بالحالة المناخية للكوكب، في حين أن الأزمة البيئية الحالية هي وليدة مباشرة لسياسات وتوجهات سابقة مشابهة من جانب الدول الناقدة في مسعاها إلى الارتقاء الاقتصادي. فالمطالبة عالميا هي بالتالي نحو تحقيق العدالة البيئية، أي عدم تحميل الدول النامية تبعات السياسات السابقة المهملة للاعتبارات البيئية للاقتصادات المتطورة من خلال مطالبتها بالامتناع عن سلوك مشابه، من دون تقديم البدائل والتعويضات، وإن كان الخلاف قائما حول طبيعة هذه التعويضات وحجمها، مع الإشارة إلى التبرؤ المستجد للولايات المتحدة من هذا المنحى بالكامل.

فثمة حالة مشابهة قائمة محليا في العديد من مجتمعات المحيط العربي، إذ يأتي العديد من الأفكار والمقترحات التي يتقدم بها الناشطون البيئيون ليعترض رغبة اقتصادية واجتماعية لدى شرائح طبقية صاعدة، أو اندفاع في أوساط جهوية خارج المدن الكبرى، نحو التماهي مع نمط معيشة متحقق للتو لدى النخبة، ولا سيما في إطارها المديني. بل يكتسب الحراك البيئي طابعا نخبويا فوقيا صريحا في أكثر من حالة، ليمسي انتقادا من ناشطين، جلّهم من المدينيين ومن الشرائح المرتاحة، لتوجهات لدى غيرهم إلى محاكاة نمطهم في العيش والاستهلاك، وإن جاء مغلفا بالحرص العام على المستقبل البيئي المشترك.

فقبول الخطاب البيئي في هذه المجتمعات رهن باعتماده الاعتبارات الطبقية والجهوية عند تحديده للمسؤولية، وتقديمه البدائل العملية، أو على الأقل الإقرار بالحاجة إلى إيجادها، بما يحقق العدالة البيئية محليا.

وكما العامل الأول، فالعامل الثاني والذي يعترض اكتساب المسألة البيئية في المحيط العربي ما يتوافق مع أهميتها الموضوعية يعود كذلك إلى طبيعة الخطاب البيئي وخلفيته الفكرية الخاصة.

العامل الثاني هو أن الخطاب البيئي «غربي» في مضمونه. لا شك أن الحركة البيئية العالمية تسعى منذ عقود إلى التأطير المناسب لطبيعة الأزمة التي يواجهها العالم، والواضحة في عوارضها، وإن كانت ملتبسة بأسبابها. غير أن الجوهر الموضوعي والعلمي لهذا المسعى لا ينفي أنه يندرج كذلك في إطار معنوي تتفاعل فيه التصورات الوجودية للغرب في شقه ما بعد الديني. أي أن السردية البيئية تعتنق، تلقائيا وضمنيا، مقومات كانت إلى أمس قريب محصورة بالخطاب الديني. هي تلمع الماضي قبل السقوط، بما يقابل الخروج من جنة عدن في الكتاب المقدس، وتدين خطايا الإنسان المعاصر، وتطالبه بالنذور والتوبة، لتصل إلى حد التماهي في شكل عناصرها، وشعائرها، مع القراءات الغيبية الموازية. فكما أن العقود الماضية قد شهدت نبوءات دينية متوالية حول اقتراب الساعة، فإن التوقعات البيئية قد تتالت بدورها لتنذر بشأن الدخول في دور النهاية.

عقد الستينيات من القرن الماضي عاش هاجس الانفجار السكاني المرتقب يومئذ والذي من شأنه أن يستنفد الموارد ويدفع العالم إلى الهاوية. أما العقد الذي تلاه فالخطر الوجودي فيه كان التلوث الجالب للأوبئة. ثم الخشية في الثمانينيات كانت من النفود المتحقق لا محالة للنفط وانهيار الحضارة التي تعتمد عليه، أما التسعينات فالهلع كان من الثقب في طبقة الأوزون الجوية والذي كان من شأنه إبادة الحياة على وجه الأرض، ليتبعه التهويل بأن النظم الحاسوبية، ومعها ربما كامل الحضارة، ستنهار بحلول العام ٢٠٠٠، قبل أن يستقر الحديث عند نتائج الاحتباس الحراري من ارتفاع المحيطات وغرق المدن.

فالمسألة البيئية، في خطابها الشائع، تبدو وريثة سلسلة من التحذيرات المبالغ بها ضمن سجال فكري داخل الثقافة الغربية في أوساط مجمعة على رؤية تكاد أن تكون غيبية، سواء جاء بناؤها على الموروث الديني النصي، كما هو حال نبوءات القدوم الثاني والابتلاء والمحن، أو على التوقعات ذات التأطير العلمي.

ويبدو غالب المجتمعات في المحيط العربي غير معني بهذا السجال، إلا في الأوساط المتشبعة بمتابعتها للناتج الثقافي الغربي. والنتيجة أن الطابع الملح الطارئ للأزمة القادمة، والمشحون بتفاصيل السجال بين الكوارثية البيئية والملاحمية الدينية، لا ينتقل بهيبته إلى السياق العربي، بل يغلب على تلقيه طابع التندر أو الشك أو الإثارة المفتقدة لكامل الجدية. ثم أن الإفراط يؤدي إلى التفريط. أي أن عدم تحقق توقعات الأمس الكوارثية يدفع باتجاه إهمال مسائل اليوم الخطيرة.

فنجاح الخطاب البيئي في السياق العربي مشروط بالتالي في تجنبه للمقومات الغيبية الصريحة أو الضمنية، والاقتصار على المؤكد والعلمي الرصين مع التركيز على الجانب الموضعي والآني، لا الكوني والوجودي، للأضرار المرتقبة.

والعامل الثالث هو أن الخطاب البيئي يبدو متعارضا مع التجربة العملية والقناعات المبدئية في سياقها المحلي. فمجتمعات المحيط العربي قد خبرت الشظف المرتبط بالضيق البيئي، ويبدو ما تحذر منه المسألة البيئية وكأنه استمرار لحالة قائمة صاحبت تاريخ الوجود البشري. فالتصحر ليس واقعا مستجدا بل حالة مستمرة، والأعاصير، كثرت أو قلت، كما غيرها من النوازل، هي في القناعة السائدة قدر يستوجب التسليم، وفي زعم المسؤولية البشرية عنه ملامح تطفل وغرور.

وإلى أمس قريب، كان الغلاء، وكذلك الاستبداد، من جملة ما هو خارج القابل للتأثير، غير أن المجتمعات المعاصرة في المحيط العربي، إن صح التفاؤل، قد تدرجت باتجاه نقلهما من نطاق القدر الواجب للتسليم إلى نطاق ما للفرد والمجتمع ولاية عليه. ففي حين أنه لا عائق مبدئيا أمام اعتبار التبدل المناخي من الأمور التي يتوجب على المجتمع رعايتها، فإنه لا بد من الإقرار بأن هذه القناعة بحاجة إلى المزيد من التدرج كي تتحقق.

خلافا لبعض الفوقية التي تعتري الخطاب البيئي الموجه لمجتمعات المحيط العربي، وصولا إلى وسمها بالجهل والتخلف والغيبوبة، فإن هذه المجتمعات تحتاج إلى أن يرتقي الخطاب البيئي الموجه إليها إلى ما يلائمها واقعيا وثقافيا، أي أن يتخلى عن غرابته ويقر بالاعتبارات المحلية، الطبقية والجهوية كما الجيلية، وأن يتجاوز غربيته وميوله شبه الدينية إلى الوعيد والترهيب، وأن يرسم السبيل أمام هذه المجتمعات لبلوغ التمكين في التعامل مع أزمة حقيقية لا تزال للأسف غائبة عن الوعي العام فيها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG