Accessibility links

لماذا ندعو للعلمانية؟ زواج القاصرات نموذجا


تظاهرة نسوية في بيروت

ماهر جبره/

"أنا كشخص يعمل على قضايا النساء أفضل أن أستمع للنساء. كل الكلام عن ماذا يقول الشرع وماذا يقول الدين والعودة إلى أيام الرسول، أنا لا أنظر إلى كل هذا الآن، أنا أنظر إلى واقع النساء والمعاناة التي تعيشها". هذا ما قالته الصحفية والناشطة حياة مرشاد، ردا على نقاش دار بين الإعلامي إسلام بحيري والشيخ عبد العزيز الشافعي القاضي الشرعي في محكمة بيروت في حلقة من برنامج "إسلام حر" عن قضية زواج القاصرات.

كلمات حياة لخصت فلسفة الفكر العلماني في التعامل مع القضايا والتشريعات الاجتماعية في مقابل استقاء القوانين من فهم الشرع والفقه الديني. فالشيخ الفاضل يعارض وجود قانون في لبنان لتجريم زواج القاصرات، مستندا إلى أسانيد شرعية، في حين تدعو حياة إلى تجريمه مستندة إلى واقع النساء والعلم والمواثيق الحقوقية.

زواج القاصرات (تحت سن 18 سنة) له أضرار مثبتة علميا بشكل واضح، تكلم عنها الأطباء والمتخصصون كثيرا. منها الأضرار الجسدية التي قد تتعرض لها الطفلة الصغيرة بسبب عدم قدرة جسدها غير المكتمل النمو على تحمل العلاقة الجنسية والحمل في حالة حدوثه، ومنها المخاطر التي قد يتعرض لها الجنين أيضا في مثل هذه الحالة. فضلا عن أن زواج القاصرات يزيد من احتمالية العنف ضد الزوجة القاصر، ويزيد أيضا من نسب الطلاق.

البعض يقول إن المقصود بالآية هو إقرار شرعية زواج الفتيات قبل سن البلوغ

والأدهى هو ظاهرة زواج الطفلات برجال يكبرونهن بعقود، في مقابل مهر مجز لأسرة الطفلة الفقيرة، والتي تعتبر نوعا من الاتجار بالبشر وهي ظاهرة منتشرة في بلدان مختلفة في منطقتنا مثل مصر. ففي الحوامدية (مركز في محافظة الجيزة) مثلا يتم تزويج طفلات بأثرياء من الخليج مقابل مهر مرتفع.

ومع كل ذلك مازالت كثير من بلادنا ترفض تجريم الظاهرة بالقانون. ففي لبنان يمانع الشيخ عبد العزيز والذي يعبر عن رأي المؤسسة الدينية إقرار قانون يجرم زواج البنات تحت سن الـ 18. وفي مصر يتم التحايل على القانون الذي تم إقراره في 2008 والذي حدد السن الأدنى لزواج الفتيات بـ 18 سنة، بسبب تقبل المجتمع لفكرة زواج القاصرات بدافع الأسانيد الدينية التي تبيحه.

ففي إحدى اللقاءات الإعلامية بين الناشطة الحقوقية د. منال الطيبي وبين الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية، عن قضية زواج القاصرات قال برهامي إنه لا يجوز تحديد سن أدنى لزواج البنات، إعمالا للآية التي تقول "واللائي لم يحضن" في سورة الطلاق.

فالشيخ السلفي الشهير يرى أن المقصود بالآية البنات الصغيرات اللاتي تزوجن قبل سن البلوغ. ويرى أن البنت يجوز تزويجها طالما كانت تتحمل الممارسة الجنسية، أو "تطيق الوطء" بحسب تعبير كثير من كتب الفقه. حتى أن بعض الفقهاء قالوا إن الطفلة "السمينة" بحسب تعبير بعض هذه الكتب تعتبر "مطيقة" وبالتالي فهي مؤهلة للزواج حتى من قبل الوصول لسن البلوغ الجنسي.

وكما أن البعض يقول إن المقصود بالآية هو إقرار شرعية زواج الفتيات قبل سن البلوغ مثل الشيخ برهامي بشرط "الإطاقة"، فهناك آخرون يفسرون الآية على أن المقصود بها هي النساء التي بلغت ولكن لديها حالات مرضية تؤخر أو تمنع الحيض.

أما الأساس الثاني الذي يبني عليه المنادون بمنع أي قانون يجرم زواج القاصرات منطقهم، هو قصة زواج النبي محمد من السيدة عائشة في سن 6 والدخول بها وهي في عمر 9 سنوات. وبالرغم من ذلك هناك من ينفي هذه القصة من قبل باحثين أو مفكرين لهم ثقلهم مثل إسلام بحيري وإبراهيم عيسى اللذين يقولان إن النبي تزوج السيدة عائشة وهي في عمر 18 سنة على الأقل. إلا أن الأزهر يقول إن الراوية الأولى هي الصحيحة.

وبالتالي فنحن هنا أمام طريقين للتشريع، طريق التشريع الديني والذي يعتمد على كتب الأوائل وفهمهم وتفسيرهم للدين المتأثر بوضوح بزمانهم وعاداته وتقاليده الذي يختلف اختلافا جذريا عن زماننا. وطريق العلمانية الذي يعتمد على العلم بأنواعه المختلفة والإحصاءات والمشاهدات العملية كأساس لتحديد وتقييم الضرر والمنفعة وبالتالي إقرار التشريعات.

ولكن ما هي مشاكل الطريق الأول، ولماذا ندعو للثاني؟

1 ـ ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة في التعامل مع الأمور النسبية: فالتشريع الذي يحمي حقوق المواطنين يحتاج إلى فهم للعلم وللظروف الاجتماعية والاقتصادية. هذا الفهم نسبي ومتطور باستمرار. ففهمنا كبشر مثلا للطب تطور بشكل مهول من وقت كتابة كتب الفقه مقارنة بالآن، وعليه فنحن كعلمانيين نستخدم الفهم الأحدث والأدق لتطوير تشريعاتنا وأسلوب حياتنا، كلما نما علمنا. في مقابل الاعتماد على كتب الفقه التي يقول بعضها إن الحمل من الممكن أن يستمر لسنوات. فتخيل أن طالب الطب في جامعة الأزهر عليه أن يكتب في الامتحان أن مدة حمل المرأة من الممكن أن تصل إلى 4 سنوات، بحسب كتب الفقه التي يدرسها!

2 ـ ادعاء القدسية وشيطنة المعارضين: أصحاب الطريق الأول يدعون أن لديهم إجابات مطلقة على أسئلة التشريع المعقدة والمركبة ويعتقدون أن فهمهم وآرائهم تعبر عن هذا الحق المطلق الذي لا يجوز لنا أن نعارضه وإلا أصبحنا أعداء للدين ولله في نظرهم. فكم من مفكرين تم تكفيرهم بسبب معارضتهم لرأي رجال الدين. فعندما استهجنت منال الطيبي كلام الشيخ برهامي، قال لها هذا كلام الله فهل تؤمنين بالقرآن أم لا؟

نحن فللأسف ما زلنا أسرى فهم الأوائل للحياة وليس فقط الدين

3 ـ الدين له أكثر من فهم: أصحاب الطريق الأول يعتمدون على قراءاتهم للدين، التي يختلفون في تفسيرها ولن يتفقوا في حالات عديدة. فكما ذكرت هناك مثلا خلاف على سن السيدة عائشة وقت زواجها بالنبي. ونفس الشيء ينطبق على تفسير الآية القرآنية السابق ذكرها فهو أيضا خلافي. فكيف إذا نسن قوانين بناء على معتقدات مختلف على تفسيرها؟

4 ـ النص ثابت في حين أن الوعي الإنساني متطور بطبعه: فالدين مثلا لم يجرم العبودية بل أن هناك فقها للعبيد والإماء. فهل نجيز بيع العبيد في زماننا؟ بالتأكيد لا، لماذا؟ ببساطة لأن الوعي الإنساني نضج ورفض هذه الممارسات التي كانت مقبولة في زمانها. وبالمثل فزواج الصغيرات ربما كان مقبولا قبل 1400 عاما ولكن وعينا كبشر اختلف وأصبحنا الآن ندرك مخاطره.

في النهاية علينا أن ندرك أن الشعوب التي تقدمت وسبقتنا، فصلت الدين عن الدولة، وتحررت في تنظيم مجتمعاتها وتشريع قوانينها من كل ما سبق. أما نحن فللأسف ما زلنا أسرى فهم الأوائل للحياة وليس فقط الدين.

اقرأ للكاتب أيضا: دافعا عن إرهابي جسر لندن.. فقتلهما!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG