Accessibility links

لماذا يُترك الأكراد وحيدين؟


تظاهرة للأكراد السوريين ضد التهديدات التركية بالهجوم على الشمال السوري

مالك العثامنة/

عام 2001، وبعد عشرة أيام بالضبط من هجمات نيويورك وواشنطن الإرهابية، كنت مع نخبة محترمة من الصحفيين نستمع للسيد تشاس "تشارلز" فريمان، وهو أحد سياسيي واشنطن المعتقين بالخبرة في الشرق الأوسط، وحين سألته عن انطباعاته بعد سبتمبر الدامي قال عبارته التي لا أزال أتذكرها كثيرا منذ ذلك اليوم الواشنطوني: "إن اول ما تبادر إلى ذهني بعد انهيار البرجين في نيويورك، أن الأميركيين استيقظوا فجأة فلم يجدوا المحيط، لقد اختفى الأطلسي فجأة".

حينها، بدأت واشنطن (وعموم النخب الأميركية بإعلامها ومثقفيها) بقراءة جديدة للعالم خلف ذلك المحيط، وهو ما انعكس على مجمل سياساتها وبجهود دبلوماسية صارت تهتم بالقراءات المحلية لكل بلد وكل مجتمع، وتدريب طواقمها لا على اللغات واللهجات، بل على التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والعقائد بكل تشابكاتها وحساسياتها ونقاط التماس عالية التوتر فيها.

الحرب العسكرية ضرورة لحماية الإنسان لا للاحتلال

لم تنقلب السياسة الأميركية على نفسها، فالأساس هو الأساس، وعنوانه مصالح الولايات المتحدة الأميركية أولا، لكن التفاصيل في التعاطي والتعامل هي التي اختلفت، لقد بدأ الأميركيون يدركون بسرعة أن الأطلسي ليس عازلا كبيرا، وأنهم بكل ثقافة العالم الجديد المتباينة عن كل العالم القديم لم يعودوا معزولين على هذا الكوكب، وهذا كان له أثره صعودا وهبوطا في كل سياسات واشنطن في الشرق الأوسط.

الدبلوماسية الأميركية بطواقمها المتعلمة بعمق والتي صقلت نفسها بالخبرة الميدانية والعملية في ساحات وميادين عواصم الشرق الأوسط نفسه، كانت الحلقة الأضعف غالبا في صناعة القرار الواشنطوني، مقابل رجال السياسة في واشنطن القادمين من قواعد انتخابية بحت لا صلة لها بما يحدث خلف المحيط بالمجمل.

عموما، كانت الحقيقة أن "الأطلسي اختفى" واضحة، ومن تلك النقطة كانت منصة الانطلاق الجديدة لسياسات واشنطن نحو العالم خلف المحيط.

♦♦♦

تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة والمثيرة للجدل بل والمثيرة جدا للاستغراب حول قراره "الأحادي على ما يبدو" بالانسحاب من سوريا، وتبريرات الرئيس التي أوردها جعلتني أستذكر مقولة تشاس فريمان عن اختفاء الأطلسي وتداعيات هذا الاختفاء، لأكتشف مصدوما أن الرئيس ترامب حين يذكر في تغريداته التبريرية مسافة السبعة آلاف ميل بينه وبين الشرق الأوسط، فإنه ببساطة يعيد المحيط الأطلسي إلى افتراض وجوده كعازل جغرافي حصين ومانع، وهذا ما لا يتطابق مع الواقع للأسف! فالمحيط الأطلسي اختفى فعلا، وتغريدة الرئيس التي تحمل قناعاته ليست كافية لدرء خطر الإرهاب عن أي مكان في عالم كروي لا زوايا فيه.

وقرار الرئيس القائم بالمطلق على أسس مصلحة أميركا أولا، يرى فيه حتى حلفاء الرئيس ومقربيه أنه ضد مصالح أميركا نفسها، حتى أن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام المقرب جدا من الرئيس الأميركي، دعا ترامب إلى "العودة عن قراره"، معتبرا أن هذا الخيار "ينطوي على كارثة"، وفي خطوة لافتة أكثر، بدأ غراهام بالتعاون مع سياسيين آخرين للضغط لوقف الانسحاب من سوريا ومنع حصول هجوم تركي في العمق السوري وارتكاب مذابح "انتقامية" مع الأكراد. لاحقا، حاول ترامب تصعيد خطابه ضد أنقرة، لكنه تصعيد لن يخفف من حجم كارثة الانسحاب الأميركي "الأناني" من سوريا.. وبالضرورة الإقليم كله.

أشار ترامب في تغريداته إلى أن الحروب هناك "قبلية"، وهذا صحيح جدا، وهو ما يعطي إشارة واضحة يجب أن يدركها سيد البيت الأبيض وهو يرسل تغريداته المنفردة، إلى أن الحرب ليست عسكرية بقدر ما هي فكرية وإنسانية. فالشرق الأوسط لا يزال مستنبتا خصبا للتطرف العالمي، ومعالجته لا تكون بطلقات الرصاص ولا القصف بالقنابل، بل بالتخلص من مصادر القهر والفقر وأنظمة الاستبداد التي لا تزال تتحالف معها واشنطن فوق الطاولة وتحتها بحجة حماية مصالحها، لكن تلك التحالفات تبقى عبثا ما دامت مولدة للتطرف والعنف الذي لا يرحم أحدا.

الشرق الأوسط لا يزال مستنبتا خصبا للتطرف العالمي

نحن أمام فانتازيا تاريخية دموية تطل برأسها من نافذة القرن الواحد والعشرين، وتحاول إعادة إحياء كل أزمات التاريخ والدين والطوائف.

الحرب العسكرية ضرورة لحماية الإنسان لا للاحتلال.. وتلك مهمة دولية يتصدى لها الجميع، لكن الجميع أيضا مطالب بالتفكير الجدي والحقيقي لمحاربة التطرف والقضاء عليه، والتطرف ليس أجساما مادية بقدر ما هو خليط غريب شيطاني معقد التركيب من اليأس والفقر والشعور بالقهر والمظلومية وانسداد الأفق مع رشة من شعوذات الغيب باسم المقدس، وتلك هي الحرب الحقيقية في الشرق الأوسط.

♦♦♦

على خلفية قرار سيد البيت الأبيض، أتابع الأخبار، وأراقب أول ضحايا خيباتنا الشرق الأوسطية على مدار التاريخ، الأكراد.

خيبة اعتاد عليها هؤلاء الجبليون على مدار التاريخ، لقد كانت شجاعتهم الفريدة أصلا محصلة خيبات متراكمة دوما.

أتذكر أبيات للراحل محمود درويش، أرددها بيني وبين نفسي ثم أنتبه إلى عمق الفكرة الدرويشية حين يقول مخاطبا الكردي:

"باللغة انتصرتَ على الهوية

قلتُ للكردي،باللغة انتقمتَ

من الغياب

فقال: لن أمضي إلى الصحراء

قلت: ولا أنا..

ونظرتُ نحو الريح".

الكردي الذي انتصر لهويته من التذويب، وقرر ألا يمضي إلى الصحراء، لا يزال يحارب وحيدا وبجسارة كل زوابعها القادمة إليه بين العمائم واللحى، وما لا يدركه من "تركوا الكردي وحيدا" أن تلك الزوابع أخفت مساحات الأطلسي الشاسعة، وتحلم بعودته بحرا للظلمات.

اقرأ للكاتب أيضا: الملكة والعرش

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG