Accessibility links

ماذا تفعل الحرب بالنساء؟


نازحات سوريا في إدلب

كوليت بهنا/

مصادفة زمنية تلك التي جمعتني بين ذكرى اليوم العالمي للمفقودين أواخر شهر أغسطس، وما رافق هذه المناسبة الحزينة من إعادة نشر لأسماء المفقودين وصورهم وبيانات تطالب بمعرفة مصائرهم، ومتابعتي لإعادة عرض الفيلم الألماني "زواج ماريا براون". يعتبر الفيلم أحد روائع السينما الألمانية للمخرج الشاب راينر فارنر فاسباندر الذي شكل ثورة في عالمه وقدم أكثر من أربعين عملا، واعتبر المخرج الأكثر إشكالية خلال عمره القصير (37 عاما)، وواحدا من رواد السينما الألمانية الجديدة التي صعدت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ونسفت البنى التقليدية السائدة لتقدم رؤىً مختلفة عالجت بعمق وحساسية شديدتين قضايا المجتمع الألماني وآثار الحرب النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية على هذا المجتمع.

"زواج ماريا براون"، أول أفلام الثلاثية السينمائية التي أسماها صانعها "ألمانيا الاتحادية"، وضمت إلى جانب هذا الفيلم، فيلمي "لولا" و"فيرونيكا"، تخصصت مواضيعها في معالجة قضايا المرأة خلال الحرب أو بعد توقفها. ترتكز ثيمته الرئيسة على موضوع الآثار المباشرة وغير المباشرة المدمرة للأفراد الأحياء ـ وبخاصة النساء ـ جراء فقدانهم لأحد أفراد العائلة وعدم معرفة مصيره، وهو فقدان لا يخص الأفراد فقط، بل يرمز إلى الفقدان العام لروح الأمة التي تصاب بآفة حرب، وآليات بنائها أو ترميمها، مع استحالة استرجاعها بذاتها بالصورة البهية التي كانت عليه لشدة الندبات والانكسارات التي تخلفها الحروب في عمق هذه الروح لعقود طويلة.

تصير المرأة المتزوجة والتي تفقد زوجها دون معرفة مصيره، امرأة معلقة

في الفيلم تفقد البطلة ماريا( HANNA SCHYGULLA) أحد أشهر نجمات الموجة السينمائية الألمانية الجديدة، والتي حازت على جائزة الدب الفضي عن دورها في هذا الفيلم، زوجها المجند في الحرب بعد زواجها منه لأقل من يومين فقط، حيث يفتتح فاسباندر فيلمه بمشهد عرس تراجيدي يختصر كل ما سيقوله لاحقا، زفاف بلا مدعويين، التشبث بخيوط الحياة تحت سطوة الموت، وأجواء عبثية ودموية تترافق مع تساقط القذائف فوق ما تبقى من جدران مبنى البلدية، ومع سقوط القذيفة الأخيرة التي تطرح العروسين وكاتب المحكمة أرضا لحظة وضع الختم فوق العقد. يتشظى المشهد برمته لتنطلق شارة بدء الفيلم التي تعمد المخرج كتابة أسماء المشاركين به بأحرف لاتينية نافرة ذات لون أحمر قان، بدت وكأن الدماء تسيل منها فوق الشاشة، في رمزية مباشرة منه لتشظي مصائر الألمان إبان أو عقب تلك الحقبة الألمانية العسيرة.

الجوع والعوز والمعاناة ورحلات البحث المضنية بلا أمل عن اسم الزوج بين قوائم المفقودين، ستقود ماريا إلى الرضوخ صاغرة لشروط البقاء القاسية، واستغلال جمالها كوسيلة تعتبر من أسرع وأقصر السبل التي تلجأ إليها بعض النساء المكلومات خلال الأزمات الصعبة أو الحروب، عبر إقامة علاقة غرامية مع مجند أميركي ستقتله بصفته واحدا من رموز الحرب لحظة ظهور زوجها المفاجئ في حياتها التي سيتضح عند هذا المفترق الدرامي القاسي والصريح، أنها تغيرت إلى الأبد.

حياة جديدة ستتخلى فيها ماريا ـ رغم حبها لزوجها ـ عن "شرفها" وبساطتها ومشاعرها وقيمها، وتنتهج سلوكا تشوبه القسوة والانتهازية والثراء السريع لتصير واحدة من أثرياء الحرب الجدد، وتنتهي لاحقا في مشهد عبثي يتماهى مع الحياة العبثية التي فرضت عليها كضحية من ضحايا العبث الكبير الذي تفرزه الحروب.

هذه البلاد المنكوبة اليوم بالحروب تفرز كل ساعة العشرات من النساء اللاتي يشبهن حال ماريا براون

أنتج فاسباندر فيلمه هذا سنة 1979، أي بعد مرور أكثر من 34 عاما من توقف الحرب، مما يشير إلى أن القضايا التي أثارها، ابتداء من العبث والتدمير النفسي وتأثير الحرب على النساء وفقدان أحد الأحبة دون معرفة مصيره، هي قضايا كونية لا تتوقف بتوقف هذه الحروب، وبخاصة قضية المفقودين التي تترك بالغ الأثر لدى أصحابها. أثر لا يتوقف عند الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى التعقيدات القانونية التي تواجهها النساء ـ في المجتمعات العربية والمحافظة بشكل خاص ـ فيما يخص حياتهن الشخصية وقوانين الأحوال الشخصية، حيث تصير المرأة المتزوجة والتي تفقد زوجها على سبيل المثال دون معرفة مصيره، امرأة معلقة، لا هي متزوجة ولا هي مطلقة أو أرملة. لا هي قادرة على التقدم ولا على التراجع، خاضعة لشروط المجتمع وعائلة الزوج المفقود وعائلتها، وكأن زمن حياتها توقف عن الدوران أسوة بحياة شريكها المفقود.

قضايا، يعيد الفيلم تحريضك على مواجهتها، ومنح بعض وقتك وجهدك لمؤازرة أسر المفقودين الكثر الذين يتألمون حولك وينتظرون صوتك ودعمك ومناصرتك ويمتدون من سوريا إلى العراق إلى لبنان واليمن وليبيا، هذه البلاد المنكوبة اليوم بالحروب، والتي تفرز كل ساعة العشرات من النساء اللاتي يشبهن حال ماريا براون.

اقرأ للكاتبة أيضا: الحدائق.. ملاذ العشاق الفقراء

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG