Accessibility links

ماذا حققت الثورة السودانية في عامها الأول؟


سودانيون معارضون للبشير يتظاهرون بعد عزله

بابكر فيصل/

احتفل السودانيون في التاسع عشر من ديسمبر الجاري بمرور عام على اندلاع ثورتهم الشعبية ضد النظام الشمولي الذي جثم على صدورهم ثلاثين عاما شهدت فيها البلاد تدهورا غير مسبوق في الإستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي، فضلا عن انتهاكات حقوق الإنسان والحروب الأهلية والعزلة الدولية.

قدمت الثورة خلال عام من مسيرتها أرتالا من الشهداء والجرحى، كما لا تزال العديد من الأسر السودانية تبحث عن أبنائها المفقودين جراء عملية الفض الغادر للاعتصام السلمي أمام مبنى رئاسة القوات المسلحة.

فقد كانت أبرز الشعارات التي رددها الثوار خلال مسيراتهم ومواكبهم هى تلك التي تنادي بالحرية والسلام والعدالة، وهى الشعارات التي تعهدت الحكومة الانتقالية بالعمل الجاد لإنزالها على أرض الواقع من أجل وضع البلاد في المسار المفضي إلى الانتخابات العامة المقرر عقدها بعد ثلاثة سنوات.

تمثلت أبرز التحديات التي واجهتها حكومة الثورة التي تم تنصيبها قبل أربعة أشهر في أمور أربعة هى: وقف الحرب وتحقيق السلام، الإصلاح الإقتصادي وتخفيف أعباء المعيشة، تفكيك دولة التمكين التي أقامها النظام البائد، بالإضافة إلى التحقيق في جريمة فض الإعتصام ومحاسبة الأطراف التي تورطت فيها.

فيما يتعلق بملف السلام، قررت الحكومة العمل على وقف الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عبر الدخول في تفاوض شامل مع الحركات المسلحة، وكانت أولى الخطوات هى الجلوس مع الحركات الرئيسية للتمهيد للتفاوض الذي توسطت فيه دولة جنوب السودان وجرت جلساته في عاصمتها جوبا.

واجهت المفاوضات عقبات عديدة تمثلت في ضرورة إطلاق أكثر من مسار للحوار وذلك حتى تكون العملية شاملة، إضافة لإدخال بعض الحركات المسلحة لجماعات عديدة لا تحمل السلاح ولا وزن سياسيا لها من أجل تعظيم مكاسبها، فضلاً عن مطالبة بعض الحركات بتأجيل إقامة المجلس التشريعي الانتقالي وإرجاء تعيين حكام الولايات إلى حين الوصول لإتفاق سلام نهائي.

كذلك طرح الفصيل المسلح الرئيسي، الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة عبد العزيز الحلو، مطلب حق تقرير المصير لولاية جنوب كردفان حال الفشل في التوصل لإتفاق على إقامة الدولة العلمانية، وهو الأمر الذي تقول الحكومة الانتقالية أنه ليس من بين الصلاحيات التي منحتها لها الوثيقة الدستورية، وأنه يتوجب أن يتم البت في طبيعة الحكم عبر المؤتمر الدستوري الذي سينعقد في نهاية الفترة الانتقالية وتجيزه الجمعية التأسيسية التي ستأتي بها الإنتخابات العامة.

وعلى الرغم من وجود تلك العقبات إلا أن الأطراف المتحاورة ما تزال وحتى كتابة هذه السطور تجلس إلى طاولة التفاوض في جوبا ساعية لتجاوز الخلافات من أجل الوصول لحل سلمي شامل يجنب البلاد العودة لمربع الحرب، كما أن جميع الأطراف ما تزال ملتزمة بقرار وقف إطلاق النار في كل جبهات القتال.

من ناحية أخرى, أبدت الحكومة الانتقالية اهتماما كبيرا بأمر إصلاح الإقتصاد والعناية بالأوضاع المعيشية للمواطنين، والتي كانت أحد أسباب اندلاع الثورة، حيث ورثت الحكومة اقتصادا متدهورا ودينا خارجيا ضخما، فضلا عن ارتفاع نسب التضخم والبطالة والتراجع الكبير لسعر العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي.

تفاوتت مساعي الحكومة في هذا الإطار بين الجهد الداخلي الهادف لتطبيق سياسات إسعافية تخاطب مشاكل ارتفاع أسعار السلع وندرتها إضافة للبدء في إصلاحات بعيدة المدى، إضافة للجهد الخارجي الرامي لحذف اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وهو الأمر المفصلي التي تترتب عليه نتائج عالية الأهمية بخصوص قضايا الدين الخارجي وتدفق القروض والإستثمارات والانفتاح الاقتصادي.

من الجلي أن الجهود المبذولة في هذا الخصوص لم تؤت ثمارها المنشودة بعد، وهو أمر متوقع خصوصا وأن عمر الحكومة الانتقالية لم يتعد الأربعة أشهر، حيث ما يزال مستوى الأسعار مرتفعا وقيمة الجنيه واصلت في انخفاضها مقابل الدولار، بينما يترقب السودانيون ما تحمله لهم ميزانية العام القادم من بشائر حيث يأملون أن توجه بزيادة الصرف على الخدمات وفي مقدمتها التعليم والعلاج وخفض البنود المخصصة للأمن والدفاع.

أما فيما يتعلق بإزالة دولة التمكين، فقد أجاز المجلس السيادي ومجلس الوزراء في الشهر الماضي قانون تفكيك دولة الإنقاذ، وهو قانون يستهدف إزالة مجمل البنية السياسية وشبكة علاقات القوى التي بناها النظام الشمولي بما في ذلك حل حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد الجنرال المخلوع، عمر البشير، وكذلك حل مجمل الواجهات التي كان يستخدمها والمنظمات الأخرى التابعة له أو لأي شخص أو كيان مرتبط به.

اشتمل القانون أيضا على إلغاء تسجيل اللجان التنفيذية واللجان المركزية للنقابات ومجالس الاتحادات المهنية وكافة النقابات المركزية والفرعية، وقد بدأ العمل على تنفيذ القرار فورا، وذلك فضلاً عن القرارات الكثيرة التي اتخذتها مختلف الوزارات في الشهور الثلاثة الماضية بإزاحة منسوبي النظام السابق الذين تقلدوا وظائف الخدمة العامة لمجرد إنتمائهم للحزب الحاكم وليس لكفائتهم المهنية.

كما فرغ ديوان النائب العام من إعداد أكثر من أربعمائة قضية متعلقة بفساد رموز النظام البائد، استعدادا لتقديمهم للمحاكمة، وذلك بعد أن تلقى الجنرال المخلوع حكما بالسجن لمدة عامين ومصادرة أمواله بالعملة الأجنبية بعد إدانته بتهمة الفساد المالي والثراء الحرام، وهو حكم أولي حيث ينتظر أن تعقبه محاكمات أخرى في العديد من القضايا أبرزها تدبير الإنقلاب العسكري وجرائم الحرب في دارفور.

وإذ كان مطلب محاسبة المتورطين في مجزرة فض الإعتصام وتقديمهم للعدالة يمثل أحد أهم مطالب الثورة، فإن الحكومة قامت بتشكيل لجنة تحقيق منحتها صلاحيات واسعة، وقد أصدرت اللجنة بيانا الأسبوع الماضي أكدت فيه اكتمال كافة متطلبات عملها بما في ذلك مقرها الدائم والكادر الفني والإداري وطاقم السكرتارية.

ومع ذلك فإن هناك إحساسا كبيرا في أوساط الشارع الثوري وأسر الشهداء ببطء وتيرة عمل لجنة التحقيق، وهو الأمر الذي يتطلب منها الإسراع في إكمال تحقيقاتها ورفع النتائج التي تكشف حقيقة ما جرى في فض الإعتصام وتقديم الجناة للعدالة في أقرب وقت.

في إطار ترسيخ الحريات العامة قامت حكومة الثورة بإلغاء العديد من القوانين المقيدة للحريات وعلى رأسها القانون البغيض المعروف بإسم "النظام العام" الذي شكل مدخلاً لإنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، خصوصا المرأة كما تم إلغاء جميع أشكل الرقابة على الصحافة، وإطلاق حرية الحركة والتنظيم والتعبير، وهى المطلوبات الأساسية التي نادت بها شعارات الثورة.

لا شك أن حكومة الثورة تحارب في اتجاهات عديدة من أجل وضع البلاد في المسار الصحيح، خصوصا وأنها ورثت بلدا محطماً بعد تجربة حكم استبدادية طويلة اتسمت بالتخريب والفساد الشامل، وهو الأمر الذي يجد تفهما من قطاعات واسعة من الشعب السوداني.

ويبقى الشيء الوحيد المؤكد هو إستمرار وحدة الصف الثوري وتمسكه بتحقيق شعارات الثورة واستعداده الدائم لتصحيح المسار متى ما وقع أية إنحراف، وهو الأمر الذي إتضح جلياً من خلال المواكب و المسيرات الضخمة التي عمت جميع أرجاء البلاد في الإحتفال بذكرى مرور عام على انطلاق شرارة الثورة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG