Accessibility links

"ماذا لو" حلمنا بسلام واقعي؟


الملك الأردني ملقيا كلمته أمام البرلمان الأوروبي

مالك العثامنة/

كانت كلمة الملك الأردني عبدالله الثاني أمام البرلمان الأوروبي قوية اللهجة ومفعمة بالبلاغة الشديدة والمكثفة والتي يتقنها الملك الأردني ببراعة.

احتفال الإعلام الأردني بالكلمة لم يتجاوز أكثر من الإشادة بقدرات الملك البلاغية، لكن الاحتفال المبهج كان خاليا من كل القلق الذي كانت كلمة الملك تحمله، قلق شديد حتى أن المرء يتخيل أن العاهل الأردني كان يوجه نداء استغاثة أخير، ربما، من خلال حزمة رسائل تخفي خلفها ما يعرفه الملك جيدا من خطوات قادمة قد تعصف بالمنطقة، وفي المحصلة فإن مملكته الصغيرة (والمشحونة بكل أنواع القلق) هي في عين العاصفة القادمة.

يقول الملك في كلمته "القلقة والمقلقة" أمام ممثلي القارة الأوروبية إن "أسوأ الافتراضات ليست ترفا نظريا"، وهو محق في تحذيره المبطن، لأن أسوأ الافتراضات قد تكون واقعا حقيقيا يتم طبخه في مطابخ القرار العالمي (ومن بينها حساب الرئيس دونالد ترامب على موقع تويتر!) والملك لديه الكثير مما لم يقله بخصوص ذلك.

ماذا لو عادت الضفة الغربية إلى جارتها الشرقية؟

ثم يبدأ الملك بسلسلة من الرسائل التي صاغها على شكل سؤال افتراضي بدايته "ماذا لو..؟". وهي صياغة مرنة دبلوماسيا تتيح للملك أن يضع كل مخاوفه ومكامن قلقه في حزمة تنبيهات شديدة اللهجة لكل من يهمه الأمر (والحقيقة أن الكل يجب أن يهمه الأمر أكثر من أي وقت مضى).

استهل الملك تساؤلاته الافتراضية (وهي واقعية إلى حد كبير أيضا)، بالنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فيصفه بأنه "أعمق جرح في منطقتنا" ويتساءل: "ماذا لو تخلى العالم عن حل الدولتين لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟".

لكني أتساءل بدوري على ذات الصيغة: ماذا لو أدرك الملك (وغيره من باقي المؤمنين بحل الدولة الفلسطينية المستقلة) الآن فعليا أن العالم تخلى فعليا عن حل الدولتين؟ ماذا لو كان حل الدولتين بالأساس قد أصبح مستحيل التحقيق؟

هو سؤال مشروع، ويضعنا جميعا في مهب الاحتمالات القادمة قريبا جدا.

♦♦♦

حتى عام 1987، كانت مسارات الحلول تأخذ مجراها الطبيعي ضمن أطر حلول القانون الدولي وقرارات المجتمع الدولي المتراكمة منذ عام 1967.

في أبريل من عام 1987، كانت آخر المحاولات شبه الناجحة للوصول إلى حل مفترض، حين وصل الملك الراحل حسين مع شمعون بيريز (شريك شامير في حكومة الوحدة الوطنية ووزير الخارجية آنذاك)، إلى حزمة تفاهمات كادت أن تصل إلى اتفاقية موقعة لولا حيلة شامير ويمينه المتطرف التي أجهضت كل شيء دفعة واحدة.

كانت التفاهمات ستفضي إلى اتفاق دولي برعاية أميركية بحيث يدعو الأمين العام للأمم المتحدة كافة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والأطراف ذات العلاقة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي لإجراء مفاوضات على أساس قراري 242 و338، وهما القراران اللذان لا يزالان فاعلين حتى اليوم رغم كل ما تراكم بعدهما من اتفاقيات خارج مسارات الحل الطبيعي.

ما حدث بعدها أن "تحالفا سريا غير معلن قائم على تقاطع المصالح" نشأ بين رؤية شامير اليمينية الهادفة إلى السيطرة على الضفة الغربية كاملا وضمها إلى الدولة الإسرائيلية، ورؤية منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات التي كانت تحلم بالدولة الفلسطينية المستقلة على جغرافيا الضفة والقطاع.

اتفاقية أوسلو أثبتت فشلها وسقطت وانتهت صلاحيتها

نقطة التقاطع كانت بإخراج الأردن من المعادلة برمتها، فرؤية الملك الراحل "الوحدوية" للضفتين كانت ضد رؤية شامير بضم الضفة كاملا، وضد حلم عرفات بسجادة حمراء على مدرج مطار فلسطيني.

كان قرار المجتمع الدولي 242 قائما على انسحاب إسرائيل من أي أراض محتلة، وكانت الضفة الغربية بحكم الواقع جزءا أصيلا من المملكة الأردنية الهاشمية وقت الاحتلال.

ما حدث عام 1987 وبعد ذلك، أن فكرة الدولة الفلسطينية صارت هي الهدف (حتى بدون أرض)، فكان فك الارتباط القانوني والإداري وهو قرار كانت منطلقاته مزاجية غاضبة من الملك الأردني الراحل، تماهت مع إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر من طرف واحد، لننتهي بعد حرب الخليج المأساوية في نهاية الثمانينيات بمؤتمر مدريد، آخر محاولة دولية جادة برعاية المجتمع الدولي لتطبيق قرارات الأمم المتحدة خصوصا قراري 242 و338.

في مدريد، كان الأردنيون يفاوضون وتحت مظلتهم كان وفد فلسطيني من الداخل المحتل، بعيدا عن أجندات منظمة التحرير الفلسطينية ومشاركتهم المباشرة، وهذا أدى إلى مسار آخر بعيد في شمال القارة الأوروبية حيث كانت أوسلو، والتي انتهت باتفاقية مستعجلة تناسب تماما طموحات ياسر عرفات ومنظمته بالسجادة الحمراء لكنها بالتأكيد لم تتناسب مع قرارات المجتمع الدولي المرسخة والموثقة منذ عام 1967.

كانت اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، رد فعل طبيعي ومباشر ومستعجل أيضا لاتفاقية أوسلو، مما جعلها مرتهنة بكل تداعيات ومآلات أوسلو أيضا.

واليوم، مع نهاية حل الدولتين فعليا، مما يعني نهاية أوسلو، وبالضرورة وادي عربة، فإن العربة لم تعد أمام الحصان ولا خلفه.. العربة الآن بلا حصان.

♦♦♦

أمام هذا الفراغ، وقد رحل عرفات بكل كاريزميته الفلسطينية، التي كانت وللإنصاف تشكل رمزا حقيقيا لهوية فلسطينية موحدة، بقيت سلطته للحكم الذاتي وقد تقلصت أكثر وأكثر لتنتهي بمخفر أمني يديره محمود عباس المشكوك بكل صلاحياته الشرعية، وأجهزته الأمنية التي تعبر عن سيادة غريبة ومشوهة: سيادة من هم تحت الاحتلال على من هم تحت الاحتلال وبقبضة أمنية.

انتهت القيادة الفلسطينية التي حلمت بعلم وسجادة حمراء ونشيد وطني ونشرة أخبار تتصدرها صور الرئيس الفلسطيني إلى مجسم غريب أقل بكثير من دولة ومن حكم ذاتي.

حتى أنه في سبتمبر من عام 2018، وحين باح محمود عباس بفكرة نقلها له الأميركيين عن "كونفدرالية" فلسطينية مع الأردن، تلقى الملك الأردني عبدالله الثاني الفكرة ورد عليها بما يشبه السخرية في طاولة حوار مع متقاعدين عسكريين فرد باستنكار واضح وبإيجاز شديد وحاسم: كونفدرالية مع مين؟

♦♦♦

واليوم، ومع كثير مما يرشح من تسريبات عن "خطة أميركية" جديدة للسلام، فإن الأخطر في الموضوع أن ما يخطط له الرئيس الأميركي ترامب لم يطلبه أحد منه، ولا أي طرف من أطراف النزاع طلب من الرئيس الأميركي تقديم خطته التي تتناولها التسريبات بكثير من القلق خصوصا أنها فعليا تشبه "قنبلة حرب" تم تغليفها بخطة سلام، وإذا صدقت التوقعات بأن الرئيس الأميركي سيقدم دعما أكبر لليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتانياهو عبر هدايا لم يطلبها نتانياهو نفسه، سواء على أراضي الضفة الغربية أو بالمناطق الحدودية مع الأردن أو في القطاع.

في الخلاصة؛

اتفاقية أوسلو (مع إسقاط الحل النهائي في القدس وحق العودة واللاجئين وتوطين المستوطنات) سقطت فعليا، ونخبة الحكم الفلسطيني "القادمة بغالبيتها من الخارج) أثبتت فشلها وسقطت وانتهت صلاحيتها. النخبة التي تحكم في السلطة "منتهية الصلاحية فعليا"، هي ذاتها القيادة التي يتحدث عنها موشي أرنز، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق في معرض تحليله للأخطاء والعثرات في مجمل العملية السلمية بقوله إن "إسرائيل أخطأت منذ البداية حين فضلت التعامل مع قيادة فلسطينية بدءا من عرفات والمقربين معه من المنظمة في تونس بدلا من قيادة فلسطينية محلية من الداخل". ويوضح أرنز بقوله "إنه لم يكن هناك داع للسفر إلى أوسلو بينما هناك فلسطينيون قريبون في رام الله والخليل وغزة".

ماذا لو عدنا إلى ما قبل مدريد بقليل؟

ونحن الآن أمام استحقاقات مستعجلة وفراغ يمكن ملؤه بسهولة بأي صفقات "قرنية أو عقدية"، بل حتى ربما ـ كما رشح لي من مصادر موثوقة ـ خطة سلام أميركية سيعلنها الرئيس ترامب قريبا، لم يطلبها منه أحد، ولا يرغب بها أحد وتوقيتها لا يناسب أحدا، وخطيرة بما يكفي لتثير حربا لا لتضع قواعد سلام في المنطقة.

وعلى نفس طريقة الملك عبدالله الثاني بطرح الأسئلة أمام البرلمان الأوروبي أتساءل بذات الصيغة:

ماذا لو عدنا إلى ما قبل مدريد بقليل؟ ماذا لو طبقنا القانون الدولي ضمن أسس واقعية؟

ماذا لو عادت الضفة الغربية إلى جارتها الشرقية؟ ماذا لو نزلت الأطراف عن الشجرة العالية؟

ماذا لو حلمنا من جديد بسلام، واقعي وممكن؟

اقرأ للكاتب أيضا: الأويغور: عذاب من جوف الآلة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG