Accessibility links

ماريسا والملك بين قلمين.. عن الكراهية والإقصاء


تضيء شمعة لضحايا الكنيس في بيتسبرغ

بقلم مالك العثامنة/

يتداول رواد التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، على تويتر وفيسبوك، رسالة بخط اليد، كتبتها الأميركية ماريسا، وهي يهودية كانت تستقل الطائرة المتجهة إلى لوس أنجليس، لتكون إلى جانب أقربائها مواساة وتعزية بعد مأساة قتل يهود على يد يميني أميركي متعصب في كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ.

الرسالة المكتوبة بخط اليد وبارتجال واضح، موجهة لراكب آخر في الطائرة ذاتها كان يرتدي قبعة حمراء تحمل الأحرف التالية: "MAGA"، هي الأحرف التي تختصر كلمة Make America Great Again، (اجعل أميركا عظيمة من جديد)، والتي ارتداها الرئيس دونالد ترامب نفسه، ويستعملها اليمين الأميركي لدلالات عنصرية وإقصائية تستهدف المهاجرين والسود واليهود والعرب على حد سواء.

في فضاء الأردن الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي، هناك خطاب كراهية وإقصاء ديني أيديولوجي وشوفيني يدعي الوطنية

العبارة عادية جدا، وطنية تحمل شعورا جميلا، لولا أنها صارت ترمز كثيرا حسب اليمين الذي يوظفها بمعنى أن أميركا لن تعود عظيمة إلا بتطهيرها من الأعراق والأديان الأخرى!

كانت رسالة ماريسا المرتجلة مؤثرة وبسيطة؛ خاطبت الرجل الذي يشاركها الطائرة ويجلس على بعد بضعة كراسي أمامها بقبعته "المستفزة" بلغة ودية ووادعة، وتمنت عليه أن لا يكون قصده من ارتداء تلك القبعة بهذا الترميز عنصريا وإقصائيا. ختمت رسالتها بما نصه أنها تتساءل إن كان يستهدف بارتدائه هذه القبعة الحمراء المعروفة، السود واليهود والمهاجرين؟ موضحة أن ارتداء الرجل للقبعة يعني دعما للرجل الذي فعل القليل لمحاربة العنصرية، والكثير لزيادة الكراهية والعنف! وتقصد بذلك الرئيس ترامب نفسه.

اقرأ للكاتب أيضا: شرعية الدم والمقدس المطلي بالذهب

كتبت ماريسا رسالة وصلت ليد الرجل الذي لم ينقل أحد رد فعله، لكن رسالتها البسيطة انتشرت، ولم يتهمها أحد بخطاب الكراهية، ولا تم تحويلها لمحاكم أمن دولة أميركية بل تم تداول رسالتها بتعاطف شديد من قبل كثير من الأميركيين على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم.

أنا الآن أكتب عن رسالة ماريسا، التي انتقدت الرئيس الأميركي ترامب، في موقع الحرة الأميركي؛ وما دمت تقرأ عزيزي القارئ مقالي وقصة ماريسا التي انتقدت ترامب وبقسوة، فأنت تدرك الآن، أنه موقعا ممولا رسميا من واشنطن، هو موقع للدولة الأميركية بمعناها الأشمل وبكل محتوى الدولة، لا موقعا حكوميا برؤية ضيقة لنظام مستبد.

تلك أحد أوجه العلمانية، علمانية الدولة بالمناسبة، وتجلي الديموقراطية في تعددية الآراء ضمن القانون وتحت الدستور.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

وفي فعل الكتابة ذاته، وبنفس الوقت، يكتب الملك الأردني مقالا ينتقد فيه خطاب الكراهية الذي انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي في فضائها الأردني.

كتب الملك الأردني، المعروف بحداثته وعصريته في حياته، مقاله الذي تناقلته كل المواقع والصحف الأردنية برصانة واضحة، وانتقد ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي من "تناحر" كما وصفه شخصيا.

الملك الأردني هو رأس الدولة، وبتعديلات دستورية أخيرة وبواقع الحال في السياسة الأردنية هو نفسه صاحب السلطة الحقيقية في مملكته، تلك المملكة التي تجاوزت الربيع العربي بكل مضاعفاته بأعجوبة مثيرة وبتوازن سياسي شارك فيه المواطنون أنفسهم، رغم الضائقة الاقتصادية وحجم الفساد الذي ينخر بمؤسسات الدولة التي فقدت مؤسسيتها كثيرا لصالح مؤسسات متعددة تعكس قوى أيضا متعددة.

في فضاء الأردن الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي هناك خطاب كراهية وإقصاء ديني أيديولوجي وشوفيني يدعي الوطنية، وهناك أيضا حقائق يتم تسريبها وانتقادات مشروعة (ليس بالضرورة شرعية) موجهة لرجال في مواقع الحكم والمسؤولية، بما فيهم مقربين من الملك نفسه.

من بين تلك المواقع التي يشعر أي مراقب أنها تحظى بنعمة "الاستغفال" الرسمي في الدولة التي يترأس سلطاتها كاتب المقال ـ الملك ـ في نقده لخطاب الكراهية، مواقع لأندية رياضية لا تتردد في توزيع مفهوم المواطنة أو سحبها من مواطنين أردنيين بأصول فلسطينية مثلا، أو مواقع تحمل أسماء عشائر وقبائل أردنية تعنون صفحاتها بصور الملك بلباسه العسكري، لكنها تحمل محتوى إقصائيا لشريحة كبيرة ممن يحملون المواطنة الأردنية.

تصف الصفحة من لا ترتدي الحجاب بأقذع الأوصاف، متهمة العلمانيين بأنهم دعاة إباحية جنسية!

وآخر تلك المواقع التي لفتت انتباهي، وبشدة، صفحة على موقع فيسبوك كرست نفسها لمحاربة العلمانية والعلمانيين في الأردن. ولا يتردد القائمون على الصفحة، وبرعاية نائب برلماني إسلاموي وصاحب محطة فضائية مرخصة، من أن يحرضوا على العلمانية والمطالبين بها تحريضا مباشرا يقترب من التهديد الدموي، بل والمطالبة بدولة إسلامية في الأردن يحكمها الشرع، وإجبار المسيحيين على دفع الجزية. ثم تحتمي تلك الصفحة نفسها بالتواري خلف الولاء "للهاشميين"، وهم العائلة الحاكمة في الأردن، رافضة أي مشروع لدولة مواطنة دستورية تساوي بين المواطنين بمؤسسية مدنية ديموقراطية. وتصف الصفحة من لا ترتدي الحجاب بأقذع الأوصاف، متهمة العلمانيين بأنهم دعاة إباحية جنسية! وحين يعلق أحدهم على الصفحة بتعليق يتطلب ردا حول وضع زوجة الملك وعدم ارتدائها الحجاب، تلتزم الصفحة الصمت، وتعيد تكرار الاسطوانة ما غيرها، حول مظلة الهاشميين، كأن في تلك الديباجة مضادا حيويا سريع المفعول يحمي الصفحة من أي مساءلة رسمية!

اقرأ للكاتب أيضا: فصل التاريخ عن المقدس: الجاهلية نموذجا

ما ذهب إليه الملك في مقاله المنشور، كان صحيحا إلى حد كبير؛ نعم نتفق جدا بأن هناك خطاب كراهية وإقصاء يصل إلى حد التناحر كما وصف الملك في مقاله، لكن أيضا ما تذهب إليه أجهزة الملك من رعاية رسمية أو غض نظر رسمي وانتقائي لما يحدث في هذا الفضاء الافتراضي يجعلنا نفكر في تساؤلات حول مقال الملك: لمن كتبه؟ ومن قصد به؟ وهل قرأته الأجهزة التنفيذية بتجرد دستوري وقانوني يضمن الحرية "المسؤولة" للجميع؟

هو فضاء افتراضي، لكنه فضاء على كل افتراضيته ساهم بشكل مباشر على التحريض حد القتل ضد ناهض حتر، ذات عدالة عرجاء تم سفح دمها على باب قصر العدل الأردني، وبرعاية رسمية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG