Accessibility links

'مافيا' الفساد في العالم العربي


رفع المتظاهرون السودانيون شعارات ضد الفساد

نضال منصور/

كالعادة تذيلت دول في العالم العربي مؤشر مدركات الفساد الذي تطلقه سنويا منظمة الشفافية الدولية، وهذا بالطبع ليس أمرا غريبا يثير الناس بالصدمة والذهول، ولا تُعلن السلطات العامة في هذه الدول حالة الطوارئ والاستنفار العام للتصدي لهذه الآفة التي تنخر بنيان الدولة، وتتسبب في فشل التنمية المستدامة، إن كانت هناك بالأصل خطط لتعزيز التنمية المستدامة.

الفساد ظاهرة دولية عابرة للقارات والحدود، وتحدث وتُمارس في الدول الغنية والفقيرة، وكذلك الحال تحصل في الدول الديمقراطية، وبالتأكيد تجتاح الدول المستبدة وتستوطن بها، وتصبح جزءا من بنى الدولة. فالتقارير الدولية تكشف أن ثلثي دول العالم تعاني من استشراء الفساد، بنسب مختلفة، وبأشكال متعددة.

تقول الإحصائيات صراحة أن كلفة الفساد في العالم العربي تبلغ 3 في المئة من الناتج المحلي، وتقدر بـ 90 مليار دولار سنويا. هذه الأموال "المسروقة"، التي تذهب لحسابات وجيوب زعماء ورجال أعمال، كان يمكن أن تجسر الفجوة الطبقية المتنامية في هذه البلدان، وتعالج مشكلتي الفقر والبطالة المتفاقمتان وتنذران بكوارث لا حدود لها.

ثلثي دول العالم تعاني من استشراء الفساد و3% كلفة الفساد من الناتج المحلي العربي

الصومال تحتل المرتبة 180 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية هذا الشهر، وهي الدولة الأخيرة في المؤشر، والأكثر فسادا في قائمة الدول؛ أحسن منها بقليل سوريا بالمرتبة 178، وقبلها اليمن 176، والسودان الذي تجتاحه الاحتجاجات منذ أسابيع في المرتبة 170. أم ليبيا، التي لم تستقر منذ سنوات إثر سقوط القذافي ولا يزال الصراع على السلطة قائما، فحلّت في المرتبة 170، والعراق حل في المرتبة 168، وموريتانيا 144.

اقرأ للكاتب أيضا: العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية على فوهة بركان

أفضل الدول العربية في مؤشر مدركات الفساد كانت الإمارات في المرتبة 23، تتبعها قطر 33، بعدها الأردن، 58، والسعودية في ذات المكانة 58، تليها تونس بفارق بالترتيب 73.

لا يحتاج التدقيق بالأرقام للخروج بقناعة واضحة تفيد أن الفساد وسم وعلامة معروفة لدول العالم العربي. ويمكن أن تستنتج أيضا، أن غياب قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن العالم العربي، باستثناءات نادرة جدا، من أسباب تفشي الفساد. ويمكن أن نقول أيضا إن متلازمات الحروب والانقلابات العسكرية وفقدان الاستقرار، وتهميش مشاركة المواطنين، وغياب الحوكمة الرشيدة، وفقدان الهياكل الديمقراطية، وغياب أدوات الرقابة أو ضعفها، بالإضافة إلى ضعف المجتمع المدني، والانتقاص من استقلالية وسائل الإعلام والسلطة القضائية كلها عوامل تغذي وتكرس حالة الفساد.

ربما يكون هناك خروج عن هذه القاعدة العامة في بعض البلدان العربية، فرغم ضعف الهياكل الديمقراطية في دول مثل الإمارات وقطر، على سبيل المثال، فإنها حققت قصص نجاح بالهرب من تذيل قائمة الفساد، وقد يكون مرجع ذلك للإرادة السياسية الحاكمة للسلطة في تقديم الدولة كنموذج مختلف عن السياق العربي العام، في ريادة الأعمال واستقطاب المستثمرين.

دول أخرى حققت إرهاصات في التقدم الطفيف في محاربة الفساد كالأردن وتونس ومصر، وهذا يعود لإجراءات وتدابير وفرض بعض قواعد الحوكمة الرشيدة، رغم أن المشوار والطريق أمامها طويل وصعب.

لا يحتاج اكتشاف الفساد لأدلة كثيرة في العديد من دول العالم العربي، فحالات الثراء السريع والمفاجئ دالة كافية على وجود شبهات فساد، وكل يوم تطرح وتقدم وسائل الإعلام معلومات عن التجاوزات والاعتداءات على المال العام، وتقدم أفلام سنيمائية عن ظواهر الفساد؛ فما زال عالق في ذاكرتي فيلم عادل إمام "مرجان أحمد مرجان"، رجل الأعمال الذي يشتري كل شيء، وقادر على رشوة الجميع وتطويعهم، فهو يشتري الشاعر لينسب ديوان الشعر لنفسه، ويشتري جامعة بأكملها ليتفوق، ويأخذ جائزة الدولة التقديرية بالمسرح وهو لم يقف يوما على خشبة المسرح، ويفوز في بطولة كرة القدم بعد شراء ذمم الحكام والفريق المنافس، وهذا الفيلم الساخر ليس مبالغة، فقد كان إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك أسماء يُشار لها بالبنان اخترقت كل مفاصل الدولة.

الفساد "مافيا" تمأسست وتبدأ بتحقيق المصالح لتتمدد لتصبح شبكات تسهل الإجرام والدعارة إلى صفقات السلاح والمخدرات

نعم؛ لا يحتاج الأمر لكثير من الجهد حتى "يشم" الجميع رائحة الفساد، فهذا الوزير الذي يدخل في السلطة لا يملك غير راتبه مهما بلغ، تجده بعد فترة وجيزة يملك قصرا، وسيارات فارهة، وأموالا مودعة بحساباته الشخصية في داخل البلاد وخارجها، والسؤال الذي يطرحه عامة الناس ولا تلتفت له السلطة العامة، من أين لكم هذا؟

مظاهر الأزمة فاقعة في العالم العربي؛ فالفساد السياسي عبر إساءة استخدام السلطة أفضل بيئة ومناخ لتعميق الفساد الاقتصادي والإداري، فالمساحات الفاصلة بين المال العام والسلطة تكاد تختفي، والعلاقات المستترة والعلنية بين الحكم ورجال الأعمال تتوطد على حساب قيم الشفافية والنزاهة وسيادة القانون.

في العالم العربي نستطيع القول بأن الفساد أصبح ثقافة، وهذه الثقافة ليست حصرا بالسلطة الحاكمة، وإنما تمتد للناس الذين لا يرون في الواسطة فسادا، ولا يجدون ضيرا بالضرب بمفهوم تكافؤ الفرص بالتعيينات إذا كانت لأبنائهم أو أقرباء لهم أو من عشيرتهم أو طائفتهم أو حزبهم السياسي، فالمحاصصة تصبح حقا وليس فسادا، والسلطة تكرس هذه الظواهر وتغذيها حتى يغض النظر عن فسادها الكبير.

كثيرة هي القضايا الصغيرة التي تعتبر فسادا، ويتم تجاهلها من أعلى الهرم الى أسفله في البلدان العربية، الرشوة تصبح "إكرامية"، والابتزاز يصبح "فهلوة" و"جدعنة"، وتعارض المصالح كذبة غربية ابتكرتها مؤسسات المجتمع المدني والدولي لتحطيم قيم العلاقات الممتدة وصلات القربى... إلخ من موشحات التآمر على قيمنا العربية.

الفساد في عالمنا العربي "مافيا" تمأسست ولها خطوط إنتاج، تبدأ من تحقيق مصالح شخصية في العمل العام، وتكبر وتتوسع وتتمدد لتصبح شبكات تسهل الإجرام والدعارة والاتجار بالبشر، و"سمسرات" وعمولات لصفقات الأسلحة، وتجارة المخدرات، وقد تنتهي بالتستر ودعم الإرهاب.

بعد سنوات على ما سُمي ثورات "الربيع العربي" نتساءل لو كانت هناك عدالة، وسيادة قانون، وحقوق للناس مصانة، هل خرج الناس للشارع للاحتجاج؟ ولو كان حقهم بالتعليم والصحة والعيش الكريم متوفرا... هل ضحوا بأنفسهم من أجل التغيير؟ ولولا الثراء الفاحش الذي كانوا يشاهدونه بأم أعينهم لرجال السلطة والأعمال وهم معدمون، هل كانوا سيغضبون وينفجرون حتى لو دفعوا ثمن ذلك استقرار بلدانهم وأمنهم الشخصي؟

لا ترى الناس الواسطة فسادا والرشوة أصبحت "إكرامية" والابتزاز "فهلوة" و"جدعنة"

أسئلة مشروعة، وزادها الألم والفاجعة حين بدأت الملاحقة والقضايا المحلية والدولية لاسترداد مليارات الدولارات لحكام سقطوا مثل الرئيس بن علي ومعمر القذافي ومبارك، كانت قد أودعت في بنوك أوروبية وأميركية وملاذات آمنة وحتى الآن لم تغلق ملفاتها.

يراودني سؤال شعبي مرتبط بنظرية المؤامرة مفاده، لماذا سكتت وتصمت الدول الغربية عن الفساد الذي يُرتكب في عالمنا العربي، وهي التي أشبعتنا تنظيرا عن مخاطر الفساد وتبعاته؟

هل يحقق الفساد العربي مصالح الدول الغربية، فلا تجادل كثيرا حين تُدفع عمولات بالمليارات لصفقات أسلحة ما دامت هي البائع والمستفيد، وما دام المال سيودع في نهاية المطاف عندها، وما دام كل هؤلاء الذين تعرف فسادهم قد أصبحوا في قبضتها ولا يخرجون عن طوعها ورهن إشارتها؟

اقرأ للكاتب أيضا: العلاقات الأردنية العراقية... من ينتصر 'لغة المصالح' أم إرث الماضي؟!

لو أردت إحصاء قصص الفساد المعروفة في العالم العربي ستتعب دون أن تتمكن من "جردها"، ففي كل بلد قصص تصلح أفلاما، ويمكن أن تُضاف لسجل أرقام "غينيس"، وتذكرت حين زرت بلدا بعد سقوط نظامه بسنوات قال لي مرافقي الإعلامي "الأموال التي سرقها القادة السياسيين وفق تقديرات خبير اقتصادي كانت كافية لتعبيد كل أراضي بلاده بالذهب الخالص".

حتى ينتصر العالم العربي في معركته ضد الفساد عليه أن ينتصر أولا في معاركه الأخرى، عليه أن يتحرر من إرث القبيلة والطوائف، وعليه أيضا أن ينتظر حتى ترى الديمقراطية النور في بلاده، وأن يصبح للمواطنة معنى وليس إنشاء، ولسيادة القانون قيمة وليس شعارات، وللإنسان مكانة وليس رقما في قاموس أنظمتهم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG