Accessibility links

ما الذي ننتظره من الثورات؟


لبنانيون معارضون للسلطة يحيون ليلة رأس السنة تحت عنوان "ثورة رأس السنة"

منى فياض/

في العادة، لا تسمح أي نخبة لنفسها أن تتملك المزيد من المال والسلطة بشكل عشوائي ومعلن. يبحثون عن خطاب مفذلك يفسر ويبرر التنظيم الاجتماعي الذي سمح لهم بذلك وأنتج اللامساواة الاجتماعية. وهذا الخطاب يملك عادة الحد الأدنى من المعقولية، فهو خليط من الصدق والخبث.

لكن في لبنان، تحول اختلاس أموال الدولة إلى منهبة علنية دون أي تغطية أيديولوجية أو سياسية من أي نوع. أنتج هذا الأمر لامساواة متطرفة وانهيارا اقتصاديا. من هنا، قامت الثورة بعد تمارين عدة لانتفاضات غطت سحابة العقد الذي يوشك على نهاياته.

البعض لا يفضل استخدام تعبير أو مفهوم ثورة في وصف الاحتجاجات المستمرة منذ 17 أكتوبر. منهم من يرصد الساحات والتظاهرات فيسجل تراجعها. البعض الآخر من اللبنانيين يثقون في الثورة فيخافون عليها ويحرصون على استمراريتها بزخمها الأول.

تاريخ المجتمع هو سلسلة متواصلة الحلقات رغم ما قد تتعرض له من انكسارات

لكن الثورة ليست نزهة ولا حدثا آنيا يبرز فجأة فيحدث التغيير المطلوب كوجبة جاهزة معلبة. إنها مسار طويل يتطلب خوض معارك والتزام الصبر والجهد كي تثمر مع الوقت. بالنسبة لعلم السياسة، تعني الثورة تغيير النظام السياسي ورموزه. أما بالنسبة لعلم الاجتماع فتعني التغيير الجذري والعميق في المجتمع وفي البنى الاجتماعية.

كما لا يوجد تعريف واحد للثورة، فنتائجها غير واضحة أيضا؛ يمكن للثورة أن تنجح أو أن تفشل. وبحسب "كرين برينتن" في كتابه الشهير "تشريح الثورة" يتّصف مفهوم الثورة بالغموض، والأفعال المرتبطة بها ليس لها حدود. فمن الثورة الصناعية وثورة الاتصالات إلى "الثورة الفرنسية"، و"الثورة الأميركية"... باختصار أصبحت كلمة "ثورة” مرادفا لكلمة "تغيير". لكنه يتساءل: هل يمكن إطلاق تسمية الثورة على التغيير من دون اللجوء إلى العنف؟

هناك اتجاه سوسيولوجي، بدأ بعد موجة الثورات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي وعرفت بالملونة، يعتبر أنه آن الاوان لنعيد النظر في تعريف مفهوم الثورة وفي ربطها بالعنف. فعلى غرار ما يحصل في لبنان والجزائر والسودان والعراق، بالرغم من مواجهة الثوار بالعنف، تسلك تلك الثورات مسارا سلميا لمشاركة شعبية هدفها إحداث تغيير سياسي.

هذا التغيير لا يتمثل بالضرورة بتغيير النظام، بل بتغيير القيادات السياسية، وهو ما يصاحبه الأمل بتغيير القيم والممارسات السياسية. من هنا يعد الأمر خطوة في سيرورة طويلة من التحوّل الاجتماعي الذي سيطال الميدان الثقافي والسلم القيمي عموما. عندما يتحقق ذلك نقول حينها إن الثورة حققت هدفها.

لذلك، يلزم وجود جو عام داعم. وفي هذا المعنى نقل هاشم صالح في مقال له ما شرحه فوكو في إحدى صفوفه في "الكوليج دو فرانس" من أن كانط كان يرى أن التعاطف مع الثورة لا يقل أهمية تقريبا عن المشاركة فيها مباشرة. فالتعاطف معها أو التحمس لها يحيطانها بحزام من الحب والدعم وحرارة الوهج والإشعاع. يضاف إلى ذلك أن هذا التعاطف مع الثورة وتضحياتها هو علامة لا تخطئ على أنه يوجد في صميم الجنس البشري ميل إلى التقدم الأخلاقي، أي ميل لحب الخير وكره الشر المتمثل بأنظمة الفساد وسجن الباستيل والحكم البوليسي الرهيب. وعندما فشلت الثورة الفرنسية مؤقتا في تحقيق هدفها، أشعلت شعلة تذكرتها شعوب أخرى في أمكنة أخرى وأعادت التجربة نفسها من أجل الحرية.

في لبنان ومع كل محاولات إفشال الثورة وشيطنتها، لا تزال أهدافها تلقى الدعم والتعاطف. وهذا ما بينه الإحصاء الذي قامت به IPSOS لحساب تلفزيون LBC عن مواقف اللبنانيين من مختلف الاعمار والمناطق تجاه الثورة وجاءت نتائجه كما يلي:

ــ بعد شهرين ونصف لا يزال 62 في المئة من اللبنانيين يؤيدون الثورة.

ــ 50 في المئة منهم أعلنوا أنهم على استعداد للتضحية بشكل من أشكال نمط حياتهم، كخسارة جزء من راتبهم أو العام الدراسي، من أجل تحقيق مطالب الثورة. وفي هذا تأكيد على درجة الدعم الذي تحظى به.

أما لائحة المطالب التي يجمع عليها المحتجون فهي:

ــ استرداد الأموال المنهوبة (88 في المئة).

ــ محاسبة الفاسدين (87 في المئة).

ــ تشريع قوانين متعلقة بحقوق الإنسان (88 في المئة).

ــ قانون انتخابي جديد وانتخابات مبكرة (79 في المئة).

ــ استقلالية القضاء (79 في المئة).

ذلك يعني أن الشعب اللبناني يرغب بمحاسبة المسؤولين وتغيير الطاقم السياسي ويريد محاسبته وممارسة الرقابة والمساءلة. فأداء هذه السلطة منعدمة الأهلية كما أن إداراتها غير كفؤة على نحو كارثي فتسببت بهجرة كثيفة للشباب وبانهيار المؤسسات والإفلاس المالي والسياسي.

وطبيعي أن تتعرض الثورات لثورات مضادة. فتُخضَع فئة من الثوار عن طريق إغرائها بالمشاركة في السلطة وأخرى ترضخ للتهديدات.

من هنا نفهم ما أظهره الإحصاء لجهة أن نسبة 63 في المئة مع مطلب حكومة التكنوقراط المستقلين، وربطه مع تكليف حسان دياب الذي بدا شكليا ملبيا وعد الاستقلالية:

ــ 55 في المئة يؤيدون تكليفه و45 في المئة لا يؤيدون.

ــ 44 في المئة يعتقدون أنه سينجح في تشكيل الحكومة و56 في المئة لا يعتقدون بذلك.

أما التوزيع الطائفي لمؤيدي تكليف دياب وإيمانهم بنجاحه:

ــ انقسم المسيحيون بين مؤيد ومعارض له.

ــ 24 في المئة من السنة يؤيدونه و70 في المئة يعارضونه.

ــ 82 في المئة من الشيعة يؤيدون دياب و18 في المئة يعارضونه.

ــ 25 في المئة من الدروز يؤيدونه و75 في المئة لا يؤيدونه.

هذا ما يظهر بوادر انقسام طائفي، فغالبية السنة والدروز ضد التكليف وغالبية شيعية معه. المسيحيون منقسمون. في المناسبة، يجدر التنويه أن أقل نسبة من المؤيدين حاليا للثورة (32 في المئة) هي عند الشيعة.

رغم ذلك، هناك ما يفسح بالمجال للتفاؤل في المستقبل، لأن نسبة من يثقون بالثورة ومستقبلها تبلغ 45 في المئة، وهم من فئة الشباب وأعمارهم بين 18 و24 عاما.

لا شك أننا جميعنا قادرون على تلمس التغيير الذي أصاب لبنان؛ صحيح أن هناك قلقا من قدرة السلطة على زرع الفتنة بين الطوائف واستعادة أجواء الانقسام والاستمرار بالقمع على غرار مذكرة القبض على المؤرخ والمناضل عصام خليفة، والذي لن يمر مرور الكرام.

لكن لا شك في حصول عملية انقطاع في مسار الأمور ولو أنها لم تؤد بعد إلى تحقيق ما يريده المحتجون. لكننا في مرحلة جديدة تماما. الثورة لا تستهدف فقط تغيير الأشخاص الذين يتولون إدارة شؤون المجتمع بالطريقة التي دفعت إلى التمرد، بقدر ما تهدف إلى تغيير كل أساليب الحياة والمبادئ التي يقوم عليها بناء المجتمع.

هذا يعني أننا في بداية مرحلة جديدة وشكل جديد من التطور؛ فتاريخ المجتمع هو سلسلة متواصلة الحلقات رغم ما قد تتعرض له من انكسارات.

جميعنا قادرون على تلمس التغيير الذي أصاب لبنان

إنها مرحلة التعبير الغاضب ضد الأوضاع التي حرمت الشعب للبناني من الحقوق التي تفرضها القيم الإنسانية الجوهرية والمبادئ البسيطة التي تضمن له آدميته كعضو في وطن على أمل الوصول إلى لبنان جديد يحرص على تطبيق تلك المبادئ والقيم.

نحن في سياق ثورات حديثة تقوم بها الشعوب لاستعادة ما تعتقد أنه حقوقها المسلوبة وكثيرا ما تؤدي إلى تغييرات أيديولوجية عميقة وليس فقط تعديلات في بعض النظم والعلاقات السياسية والاقتصادية.

فبحسب "حنة ارندت" الثورة هي مسار التاريخ الذي بدأ فجأة من جديد. إنه قصة جديدة تماما، قصة لم تروَ سابقا ولم تُعرف قط، هي على وشك أن تظهر.

مع ذلك يتصرف المسؤولون كأن شيئا لم يكن. يضعون رؤوسهم في الرمال ولا يتحملون مسؤولياتهم، ربما عن قصد. يتركون البلد يتجه نحو الإفلاس والتهاوي. هذا يهدد بالتحول نحو العنف، الذي يريده "الثوريون" على طريقة القرن التاسع عشر.

لكني آمل أن يتمكن الوعي الشعبي من معاكسة المخططات المرسومة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الشيعة والسنة بين قطبي الحرمان والاستقواء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG