Accessibility links

ما المطلوب من المرحلة الانتقالية في العراق؟


متظاهرتان في ساحة التحرير

مشرق عباس/

مجرد القول إن الحكومة الانتقالية التي ينتظر تشكيلها هذه الأيام تقع على عاتقها مهمة الإعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة على أسس عادلة، فإن ذلك يمنحها دورا حاسما في التاريخ العراقي الحديث.

هذا الدور الحاسم ليس من خلال اعتبارها مجرد "حكم لسباق الانتخابات" بل لأن عملها على استعادة ثقة الشارع العراقي بجدوى الانتخابات نفسها كوسيلة لتداول السلطة بعد أن أفرغها الفساد السياسي والحزبي من محتواها خلال السنوات الماضية، وهو دور يتطلب إجراءات جوهرية يجب أن تتصدى لها هذه الحكومة بشجاعة بعد حصولها على صلاحيات استثنائية وكبيرة من البرلمان الحالي، إذا كانت ثمة نية حقيقية لحل أزمة العراق المركبة وليس التسبب بكوارث جديدة.

وابتداء فإن مجرد إقرار قانون للانتخابات حتى لو بشروط المتظاهرين أنفسهم، وتشكيل مفوضية نزيهة لمراقبة الاقتراع وعد الأصوات ومنع التزوير، لن يقود إلى انتخابات عادلة، لأن المعادلات الحزبية والمليشياوية والزبائنية التي تم تشكيلها خلال السنوات الماضية في قلب النظام السياسي العراقي، مازالت تمنع أي انتخابات عادلة، ودور المرحلة الانتقالية هو تفكيك تلك المعادلات ليكون بالإمكان الاطمئنان إلى نزاهة العملية الانتخابية.

دور الحكومة الانتقالية يجب أن يكون مفصليا في إجراء التحقيقات العادلة حول أعمال القتل والاختطاف

فليس من المنطق الاستمرار في منح بعض القوى المسلحة حق وضع قدم في هيئة "الحشد الشعبي" وأخرى في البرلمان، رغم أن قانون الأحزاب، الذي لم يتم تطبيقه، يمنع بشكل قاطع مشاركة أحزاب تمتلك أجنحة مسلحة في الانتخابات، ناهيك عن منع القانون نفسه اشتراك أجهزة الدولة الأمنية الرسمية ومنها "الحشد" في دعم أحزاب سياسية، وكل ذلك لم يحصل في نسخة انتخابات 2018 التي شهدت تحول بعض الأذرع العسكرية داخل "الحشد الشعبي" وخارجه إلى رافعة لقوى سياسية حصلت على مقاعد برلمانية وتتحكم اليوم في مسارات الدولة.

وفي السياق، فإن مهمة فض الاشتباك وتبديد الغموض في واجبات وحدود الأجهزة الأمنية المختلفة وعلاقتها ببعضها وآليات تنظيمها، ستكون على عاتق الحكومة الانتقالية، لأن هذا الفصل يمهد الطريق لمنع استخدام أجهزة الدولة في أعمال قمعية أو انتقامات حزبية، أو تصفيات هدفها النهائي التأثير في نتائج الانتخابات.

إن توفير البيئة الأمنية السليمة لإنتاج التظاهرات العراقية خطا سياسيا يمثلها لخوض الانتخابات المقبلة من أولى مهمات المرحلة الانتقالية. ذلك أن استمرار التداخل والارتباك في عمل الأجهزة الأمنية الرسمية، التي تعجز عن كشف أعمال القتل والاختطاف المستمرة ضد المتظاهرين، لا يمنح المتظاهرين والقوى الاجتماعية الداعمة لهم الفرصة المستحقة لإنضاج تيار سياسي جديد بالتفاهم مع الساحات، ناهيك عن استمرار حرب الترويع ضد الشخصيات الأكاديمية والثقافية والإعلامية المستقلة بحيث تمنعها البيئة البوليسية التي تصل إلى حدود "إرهاب الدولة" من القيام بدورها في المشاركة بالعمل السياسي.

دور الحكومة الانتقالية يجب أن يكون مفصليا في إجراء التحقيقات العادلة حول أعمال القتل والاختطاف التي مورست ضد التظاهرات ابتداء من يوم 1 أكتوبر الماضي، لأن كشف ومحاكمة المتورطين بالدم العراقي، من شأنه أن يسهم في التأسيس للبيئة الأمنية والقانونية الصالحة لإجراء الانتخابات، وأيضا حمايتها من تغول الأذرع الأمنية والعسكرية للأحزاب.

لا يقتصر الأمر على منع الأجهزة الأمنية والأجنحة المليشياوية من التأثير على النتائج أو ترويع الناس، بل إن تطبيق إجراءات صارمة لمنع استخدام الأحزاب التقليدية التي تغولت في النظام الإداري للدولة خلال 16 عاما مضت، نفوذها داخل المؤسسات المدنية للتأثير على خيارات الموظفين سواء عبر استخدام إمكانات الدولة لصالح أحزاب وقوى محددة، أو بإجبار الموظفين على تبني خيارات حزبية معينة، كلها إجراءات من واجب الحكومة الانتقالية تطبيقها منذ اليوم الأول لتوليها الحكم.

ليس من المنطق الاستمرار في منح بعض القوى حق وضع قدم في هيئة "الحشد الشعبي" وأخرى في البرلمان

ولا يخرج ملف الفساد عن كونه معرقلا أساسيا أمام اجراء انتخابات نزيهة، ليس فقط على صعيد استمرار استخدام المال السياسي لشراء الأصوات أو تشجيع عمليات التزوير، بل إن بيئة الفساد المستشرية في صميم المؤسسات العراقية، تشيع الإحباط واليأس لدى الناخبين من إمكانية إسهام أصواتهم في التغيير، ومباشرة الحكومة الانتقالية بإجراءات شجاعة لمواجهة الفساد ابتداء من منع استيلاء الأحزاب والشركات الاقتصادية المرتبطة بها على إمكانات الدولة، ومراجعة الإثراء غير المشروع، وتطبيق مبادئ الشفافية في النشاط الاقتصادي، من شأنها جميعا تمهيد الأرضية لمرحلة مقبلة أكثر نزاهة.

وبالطبع هناك مهام إضافية تقع على عاتق الحكومة الانتقالية، أبرزها ترميم علاقات العراق الخارجية، وضبط مبدأ الحياد الإيجابي إزاء الأزمات الإقليمية، ومنع استخدام العراق كمنصة لصراعات دول أخرى، بالإضافة إلى إجراء إصلاحات فورية في ملف الاستثمارات والخدمات وإعمار المناطق المتضررة، وإطلاق حوارات اجتماعية مبكرة حول الدستور وآليات تعديله، وتشجيع القوانين الإصلاحية الضرورية.

كل ما سبق، لا يمكن تحقيقه على الأرض وفي فترة زمنية محدودة، من دون حصول الحكومة الانتقالية المقبلة على صلاحيات استثنائية من البرلمان لتطبيق برنامجها وتهيئة الأجواء النزيهة للانتخابات المقبلة، ومن دون ذلك فإن القوى السياسية التي تهيمن على البرلمان سوف تستخدم كل امكاناتها القانونية لعرقلة وافشال المرحلة الانتقالية، من أجل إعادة إنتاج الظروف الملتبسة التي تمكنها من العودة مجددا لاحتلال مساحة القرار العراقي.

اقرأ للكاتب أيضا: هل انتهى الاحتجاج العراقي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG