Accessibility links

ما زاد عن حدّه انقلب لضده


ما أن مرت سنوات قليلة على افتراق صحبتنا حتى بلغني أن عبد الرحمن انتحر

بقلم رياض عصمت/

كان من المتعارف عليه في أواسط ستينيات القرن العشرين أن يأتينا من الولايات المتحدة سنويا إلى جامعة دمشق بعض الأساتذة الأميركيين من قبل برنامج "فولبرايت". كان أولئك الأساتذة يقومون بتدريسنا بعض المواد المتخصصة كالأدب العالمي والشعر وأطروحات البحث خلال العهد الذهبي لقسم الأدب الإنكليزي، حين لم يكن عدد الطلاب المقبولين يتجاوز مئة طالب، واستمر هذا التقليد حتى وقعت حرب 1967. لا شك أننا استفدنا فائدة جمة من خبرة أولئك الأساتذة الأجانب الذين أتى معظمهم متشوقا للتعرف إلى معالم حضارات سورية الغنية والمتنوعة تاريخيا، وليعملوا جنبا إلى جنب مع أساتذة سوريين وفلسطينيين أكفاء من خريجي بريطانيا والولايات المتحدة.

كان الاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة ينفق أموالا طائلة لترجمة ونشر وترويج روائع الأدب الروسي بالعربية بثمن زهيد عبر منشورات دار "رادوغا"، بالرغم من نشاط المركز الثقافي الروسي الوافر، الذي كان يستقطب أعدادا غفيرة من الشباب المتحمس لنظريات الأممية، تحرر الشعوب، صراع الطبقات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إذا زاد الحرص على عدم الإسراف عن حده، انقلب إلى بخل يصدع بنيان الأسرة الواحدة

في المقابل، أذكر أن المركز الثقافي الأميركي أخذ ينشط في الحقبة ذاتها، بحيث دعا آنذاك الممثل الشهير فريدريك مارش لإلقاء قصائد شعرية بصوته الرخيم، وحضرت تلك الأمسية مع جمهور محتشد من الشباب الجامعي غصت به القاعة.

بالتالي، كان المجتمع السوري في تلك الآونة منفتحا على مختلف الثقافات المتصارعة، متعطشا للتنوع والحداثة بمختلف أشكالهما، لأنه يؤمن بضرورة استلهام ثقافات وفنون ذات مضمون وطني يجاري تطورات العصر في الشرق والغرب على حد سواء.

اقرأ للكاتب أيضا: أمثولات عن دهاة العرب

في تلك الحقبة الحافلة بالأحلام القومية وحب الاطلاع على ثقافات العالم، أذكر زميلا فلسطينيا لفتت مناقشاته الساخنة للأساتذة الأميركيين خاصة اهتمامنا جميعا. لم تربط بيني وبين الشاب عبد الرحمن خلال السنوات التي قضيناها معا على مقاعد الدراسة الجامعية الأولى علاقة مباشرة، بل كنت أنظر إليه بشيء من الحذر والحيطة. كان يأتي وينصرف وحيدا دون أن يصادق أحدا، رغم شهرة قسم الأدب الإنكليزي حينها بالحسناوات الفاتنات. ازداد فضولي تجاهه يوما بعد يوم كلما رفع ذراعه طالبا الكلام، وذلك بسبب قدرته على مناقشة أولئك الأساتذة الأجانب في وقت كانت فيه مقدرتنا على الحديث بالإنكليزية متواضعة للغاية، بحيث اصطلحنا أن نطلق عليه خلسة متهكمين لقب "الأميركي الغاضب".

لم يكن عبد الرحمن يتورع عن مجادلة أعتى أولئك الأساتذة الأميركيين المخضرمين بجرأة عجيبة، دون أن يأبه على الإطلاق للأخطاء اللغوية التي كانت تشوب كلامه المتدفق كالتيار الهادر بلغة غير لغته الأم. كان ذلك الشاب الفلسطيني المتحمس لقضيته بشكل خاص، ولقضايا اليسار بشكل عام، نموذجا فريدا يحرج الأساتذة بقدرته الخطابية، وتعبيراته الذكية، منتقدا بعض العلامات الثقافية البارزة في الأدب الأميركي والبريطاني دون وجل، واصفا إياها بأنها بورجوازية وفارغة مما يمثل حتى القيم الزاعمة المناداة بالحرية والديموقراطية والمساواة.

كثيرا ما استهدف عبد الرحمن على سبيل المثال روايات جين أوستن، إذ كانت في نظره تقليدية تروّج لرومانسية زائفة. بالمقابل، كان يشيد برواية وليم فوكنر "الصخب والعنف" ومسرحية جون أوزبورن "انظر وراءك بغضب" وأمثالهما من الأعمال التي تمردت على السائد والمألوف. رغم عزلته الغامضة، بدا أن عبد الرحمن يخفي بركانا من المشاعر، التي كانت تتفجر في دقائق ثم تخمد أمام زملائه الطلاب المنصتين برهبة وهو يتصدى لمناقشة أساتذة أميركيين مخضرمين كان الطلاب آنذاك ينظرون إليهم كرواد فضاء قادمين من كوكب آخر، دون أن يخطر بخيالي على الإطلاق أنني سأذهب ذات يوم إلى الولايات المتحدة كباحث "فولبرايت".

لاحظت من خلال ردود فعل الأساتذة الأميركيين تجاه نقاشات زميلنا الفلسطيني الملقب من قبلنا باسم "الأميركي الغاضب" كيف يصغون باحترام إلى الرأي الآخر حتى لو جاء من طالب مهجّر من وطنه، طالما يمتلك وجهة نظر وحجة إقناع. لم يكن أيا من أساتذتنا الأجانب والعرب آنذاك يحبذ تلقين الأفكار لنرددها كالببغاوات، بل كانوا يشجعون الاختلاف بابتسامة ود، مناقشين رأي الطالب بندية وانفتاح. أما نحن الطلاب، فكنا نخاف الردع والقمع المعهودين اجتماعيا وسياسيا.

بالتالي، بدا لنا أن زميلنا الفلسطيني عبد الرحمن جريئا لدرجة الاستهتار في نقده العلني لآثار الثقافة الغربية التي كنا ندرسها، وبغربلة الصالح من الطالح من أمهات الأدب الإنكليزي من منطلق يساري وعروبي، دون أن يهاب أساتذة الـ"فولبرايت" الأميركيين أو بعض كتبة التقارير المندسين بيننا.

تفرقنا بعد تخرجنا في عام 1968، لكن الزمان جمعني مع عبد الرحمن عندما عملنا معا لبضعه شهور في موقع وظيفي واحد. أتاحت لي تلك الفترة التعرف عن كثب إلى شخصية "الأميركي الغاضب" الفريدة، التي كنا نتهامس عنها متهكمين في أيام الدراسة.

كان عملنا يقتضي المناوبة بين فترات فجر باكر وليل متأخر، مما أفسح الفرصة لحوارات مستفيضة حول قضايا فكرية متعددة. سرعان ما أدركت أن عزلة عبد الرحمن كانت بسبب افتقاده إلى من يصغي لآرائه النقدية الحرة والجريئة، التي كانت تعبر عن طموحات شاب فلسطيني محبط يقطن في "مخيم اليرموك"، ويعاني من ظروف معاشية مريرة. ترك كلانا ذلك العمل المقيت بعد فترة قصيرة من الزمن، وانتقلنا لنعمل في وظيفتين متباعدتين، فانقطع تواصلي مع عبد الرحمن في زمن لم يكن فيه البريد الإلكتروني والموبايل قد اخترعا بعد.

ما زلت أذكر بعد مرور نحو نصف قرن جملة دأب عبد الرحمن على ترديدها دائما: "أتريد معرفة جوهر التراجيديا؟ إنه يتلخص في جملة واحدة مفادها: ما زاد عن حده، انقلب لضده".

كان المجتمع السوري في تلك الآونة منفتحا على مختلف الثقافات المتصارعة، متعطشا للتنوع والحداثة

بعد عقود من تمرسي بفنون الدراما، اكتشفت مدى النظرة الثاقبة وراء عبارة: "ما زاد عن حده، انقلب لضده". أدركت أنه إذا زاد الحب عن حده، انقلب إلى غيرة عمياء قد تؤدي ـ كما فعل عطيل ـ إلى خنق زوجته الحبيبة دزدمونة بدافع الغيرة. إذا زاد الحرص على عدم الإسراف عن حده، انقلب إلى بخل يصدع بنيان الأسرة الواحدة. إذا زاد الولاء عن حده، انقلب إلى أفعال تؤذي الأبرياء وتخالف مبادئ الضمير. إذا زادت النقمة الكامنة عن حدها، انقلبت إلى حقد دفين يولد ثأرا يبلغ حد ارتكاب العنف البشع. إذا زاد التشبث بالأخلاق عن حده، انقلب إلى تعصب متطرف تجاه أقرب المقربين. إذا زادت الحماسة عن حدها، انقلبت إلى عبودية تؤدي إلى اقتراف جرائم ضد الإنسانية. إذا زاد الاعتزاز الوطني عن حده، انقلب إلى شوفينية عنصرية تعادي باقي الأمم والأعراق وتتعالى عليها.

كان عبد الرحمن لا يتوقف عن ضرب الأمثلة المختلفة، قبل أن ينهي جدله قائلا بأسى: "لا تنس، يا صديقي، أن اليأس يولد العنف، وأن الدم يجلب الدم. يجب ألا يوضع الإنسان أمام خيار صعب بين أن يكون قاتلا أو قتيلا". وكان عبد الرحمن يضيف: "لا يطيق ضميري الحي يوما من الأيام الانسحاق تحت حجري تلك الرحى يوما من الأيام، وأفضل وقتها مفارقة الحياة على الخضوع لهذا الاختيار المشؤوم. لا أستحمل التعرض إلى ظلم لا أستطيع رده والدفاع عن نفسي إزاءه".

اقرأ للكاتب أيضا: أحلام الهجرة وخيباتها

ومضى عبد الرحمن يشرح لي آنذاك بحماسة منقطعة النظير نظرياته في الحياة حول العدل والظلم، حول الحرية والعبودية، حول الأمل واليأس. بدا واضحا خلال الشهور القليلة التي قضيناها نعمل في موقع وظيفي واحد أنه اطمأن لكوني مستقلا، لا أكتفي بمجرد الاستماع إليه، بل أناقشه وأختلف معه أحيانا، مما كان ـ لدهشتي الشديدة ـ يسعده ويرضيه. رغم ما لمسته كشاهد عيان في سني الدراسة الأربع من أن عبد الرحمن لم يتوان عن مواجهة الأعلى منه قدرا، الأغزر منه علما والأعلى منه نفوذا، كان ديموقراطيا بحيث إنه كان يكتفي إذا لم يستطع أن يقنع، بأن يقتنع.

للأسف، ما أن مرت سنوات قليلة على افتراق صحبتنا حتى بلغني أن عبد الرحمن انتحر، وأعتقد جازما أن أقدم على ذلك نتيجة يأسه من العدالة، مفضلا الانسحاب من ذلك الوجود بإرادته بعد أن تيقن من صحة نظريته القائلة "ما زاد عن حده.. انقلب لضده".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG