Accessibility links

ما هي احتياجات المرأة في يومها العالمي؟


ولو دقق هؤلاء المناهضون والمناهضات لهذه الاحتفالية ومعانيها الجذرية، لاكتشفوا أنه لولا علمانيتها لما حصلت النساء على حق العمل الاختياري أساسا

كوليت بهنا/

اختتمت في الأمس الموافق للثامن من آذار/مارس الجاري الاحتفالية العالمية السنوية بيوم المرأة، إذ تلقت بعض النساء باقات زهر لطيفة من بعض الرجال الدمثين، وعطّلت بعض دول العالم عطلة رسمية بهذه المناسبة، وأقامت المنظمات النسوية والحقوقية مؤتمراتها وندواتها السنوية لتكريم بعض النساء المميزات أو النسويات المناضلات، وألقيت الكلمات المؤثرة التي أشادت بالمرأة ودورها وحقوقها ونضالها وسبل دعمها ووسائل تمكينها، وانشغلت منصات التواصل الاجتماعي بتبادل التهاني والتعبير عن المشاعر الفيّاضة والتقديرية لدور المرأة في الحياة، دون أن يفوّت بعض الذكور الفرصة من التعبير الذي لا يخلو من طرافة، عن مشاعر الغيرة من الإهمال المتعمد للرجال ومظلومتيهم التي تتفاقم في هذا العصر، حيث تسرق الفتيات والنساء فرص العمل منهم كما يدّعون.

وما إن انتهت الاحتفالية وأطفئت الأضواء، حتى عادت الأمور إلى وضعها الهادئ السابق، وعاد كل من الجنسين إلى ممارسة دوره المناط به، فنام الرجال هانئين بعد العشاء الاحتفالي الصغير الذي أقيم بالمناسبة مع الأصدقاء، وعادت النساء إلى المطبخ لغسل الأطباق التي نجمت عن العشاء، وبعده اتجهن إلى السرير لممارسة واجبهن كزوجات مطيعات وديناميكيات.

تحقيق أولويات العيش الكريم يتحقق في البيئات المستقرة والمناخ الحر

تبدو الحياة أحيانا وكأنها مشاكسة مستمرة أو صراعا مفتوحا بين جنسي آدم وحواء، ورغم أننا كنساء ننحاز لجنسنا بالفطرة، وننساق عفويا للمشاركة في هذا الصراع سلميا وتناوله بروح الدعابة في بعض الأوقات، إلا أن علينا أن نقر بحقيقة مظلومية الجنسين معا، ولو بنسب متباينة، وصراعهما الدائم والمشترك في مواجهة مصاعب الحياة، وبخاصة في مواجهة متطلبات العصر الحديث التي تبدو ميسّرة في ظاهرها لا أكثر.

للتأكيد من جديد أن الخلل الحقيقي إنما يكمن في نصوص القوانين السائدة والأعراف الاجتماعية، وأن تحديثها من كافة النواحي برؤية عصرية، وحده الكفيل بتحقيق التوازن المنصف والمساواة العادلة بين قطبي الحياة وصانعيّ استمراريتها، وهو جوهر وخلاصة ما تسعى إليه المنظمات والهيئات الحقوقية والنسوية ونضالها المستمر منذ أكثر من مئة عام، أي منذ أن دخلت المرأة سوق العمل والإنتاج مع الثورة الصناعية العالمية، وكافة الحروب التي عرفتها البشرية طوال هذه الفترة الزمنية، والتي كانت المرأة ضحيتها الأبرز باستمرار، تعطي ولا تأخذ، وإن أخذت، تُعطى النذر اليسير أو الفُتات.

العديد من مناهضي اليوم العالمي للمرأة أو المستخفّين بأهميته كمعنى، وهما من الجنسين سواسية، يؤكدون مع كل عام أن النساء يحظين بحقوقهن كاملة كما حددتها لهنّ الشرائع السماوية وكفى، ويعتبرون هذه المناسبة كغيرها، بدعة غربية وبشكل أدق بدعة علمانية، وهي كذلك حقيقة، أي أنها احتفالية ذات منبت علماني واشتراكي بحسب تصنيفها العالمي قياسا بالأسباب التي أوجبتها، والدول أو المنظمات أو الشخصيات التي ساهمت في نشأتها وتطورها، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية التي لعبت الدور الأبرز في إقرارها كيوم عالمي.

ولو دقق هؤلاء المناهضون والمناهضات لهذه الاحتفالية ومعانيها الجذرية، لاكتشفوا أنه لولا علمانيتها لما حصلت النساء على حق العمل الاختياري أساسا، ولما استطاعت النساء السافرات أو المحجبات الحصول على فرص متساوية في وظائف المؤسسات الحكومية والعامة، ويمكن التذكير هنا بعضوة الكونغرس الأميركي السيدة إلهان عمر كأول مسلمة محجبة تدخل المجلس منذ تأسيسه في تاريخه، كأحدث أنموذج يمكن الاستشهاد بنجاحه.

إن دققنا اليوم في وضع المرأة واحتياجاتها في كل دول العالم، وبخاصة المرأة في الدول العربية والدول النامية، سنكتشف التدهور الكبير الذي تسببت به الأفكار الرجعية والصراعات الدموية وازدياد الفقر وتراجع التنمية وحالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الدائمة، والتي غيرت نوعية الاحتياجات اللاتي يطالبن بها، وهي احتياجات طبيعية وبدهية تعتبر من ألفباء الحياة، عبرت عنها غالبية هؤلاء النساء على الأرض، كمطالب للبقاء على قيد الحياة وأولويات تنحصر بالحصول على أدنى مقومات العيش، من سكن أو مأوى ومعالجة صحية وطعام ومياه غير ملوثة وثياب وتدفئة لهن ولأطفالهن، إضافة إلى المطالبة بتهيئة بيئة آمنة دائمة لهن ولأسرهن، بحيث بدت لهنّ مفردات مثل الحرية والديمقراطية وحقوق المرأة المدنية والسياسية وغيرها، مفردات" ترف" تخص النخب الثقافية المرفّهة والمنظمات النسوية، لا وقت ولا جلد للاستماع إليها أو تفهّمها، في ظل الضنى والشقاء اللذين يعشن فيه.

العديد من مناهضي اليوم العالمي للمرأة يعتبرون هذه المناسبة بدعة غربية وبشكل أدق بدعة علمانية

عند هذا المفترق تحديدا، تكمن أهمية النضال والعمل الذي تسعى إليه هذه المنظمات والهيئات الحقوقية النسوية، ويمكن القول إن تحقيق أولويات العيش الكريم يتحقق في البيئات المستقرة والمناخ الحر، وبديهيات الحياة البسيطة تكمن في عمق الاحتياجات الكبرى، وتلازم المسارين، إذ يعني النضال للحصول على الحقوق الكبرى تحقيق سلسلة الحقوق التي تليها بشكل آلي، والحصول على الحقوق السياسية للمرأة يعني تمكن النساء في مراكز صنع القرار من توفير المناخات الآمنة لبنات جنسهن والنضال لتحسين شروط الحياة كافة، أي العمل من أعلى السلم، حيث يقع الخلل الذي تحدثنا عنه في أعلى هذا السلم بالذات، حيث تتموضع القوانين غير المنصفة التي تكمن فيها العلل الواجب العمل عليها باستمرار.

كل يوم والنساء بخير، وكل يوم والنساء والرجال معا بخير، وأن تكون النساء والرجال بخير، يعني أسرة بخير، ومستقبلا أكثر أمانا وطمأنينة.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'الكتاب الأخضر'.. الأوسكار يواجه العنصرية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG