Accessibility links

متطوعات وبيكيني وكبت


متطوعات أجنبيات يعملن في المغرب في تأهيل مدرسة

سناء العاجي/

حين يجتمع الكبت والتطرف والجهل والتخلف في دماغ واحدة (هذا إذا توفر الدماغ طبعا)، فتوَقَّع الكارثة!

الحكاية بدأت حين قدم مجموعة من الطلبة البلجيكيين ليساهموا، بشكل تطوعي، في عمل خيري يتعلق بتهيئة بعض البنيات التحتية بإحدى المناطق الفقيرة.

عرضت بعض وسائل الإعلام المبادرة في شريط فيديو، لتنهال ردات فعل أغلبها يشيد بالمبادرة ويثمن مجهودات الطالبات والطلبة.

لكن، ولأن في مجتمعنا كثير من الكبت الممزوج بالتطرف والجهل، فقد خرج علينا مدرس يطالب بقطع رؤوسهن لأنهن كن يرتدين "شورتات" قصيرة. الإيجابي أن عناصر الشرطة ألقت القبض عليه بسرعة كبيرة، بتهمة الإشادة بالإرهاب. الأمر إيجابي لأن سلوكه يتجاوز مجرد تعليق على موقع فيسبوك، ليترجم عقلية متطرفة تطبع مع الإرهاب...

إلى غاية ثمانينيات القرن الماضي لم تكن ملابس النساء تطرح الهوس الذي نشاهده الآن في النقاشات

التشجيع على الإرهاب أو تبريره، حتى لو كان ذلك بمجرد جملة أو تعليق، هو إرهاب في حد ذاته. الصحافية المغربية فدوى مسك أشارت في صفحتها لسؤال موجع مفاده أن الخطر الذي يمثله ذلك الأستاذ يتجاوز تعليقه الإجرامي، لأنه، بالتأكيد، ترك آثارا سيئة في عقول كل الصغار الذين كان يدرسهم... وما هو طبعا إلا عينة صغيرة من التطرف الذي يغزو عقول كثير من المدرسين... وهو الجانب الذي لا نتطرق بالشكل الكافي حين نتحدث عن أسباب التطرف، في إشارة إلى كل هؤلاء المدرسين الذين يُكَوّنون بشكل غير مباشر متطرفي الغد!

لم يتوقف الأمر عند تعليق المدرس، لأن برلمانيا "محترما" من حزب العدالة والتنمية اعتبر أنهن يصدرن الرذيلة والفساد لمجتمعنا (طبعا... فمجتمعنا مجتمع فاضل لا تعرف الرذيلة طريقا إليه... كما أن الرذيلة توجد في شورتات الفتيات المتطوعات، ولا توجد في أشكال الفساد المحيطة بنا!).

إذا أخذنا مثلا بعين الاعتبار أن هؤلاء الطلبة والطالبات يقومون بعمل خيري تضامني في بلد أفقر من بلدهم، بينما يمكنهم الاكتفاء بالعيش هانئين في دولتهم المتقدمة... فيجدر بنا السؤال جديا عن مفهوم الفضيلة في ذهنية هذا البرلماني.

كما تجدر الإشارة إلى أن مجموعة المتطوعين كانت مختلطة... لكن أسبابا معينة ـ لا علاقة لها بالكبت، بالتأكيدـ جعلت البعض لا يرى إلا أجساد الفتيات!

هذا دون أن ننسى أن المجموعة قامت بسد نقص في التجهيزات يفترض أنه من مجال تخصص الحكومة (التي يقودها، منذ أزيد من ثمان سنوات، حزب البرلماني المستاء من شورتات الفتيات) ومن مسؤولية الجماعات المحلية التي يترأس كثير منها في المغرب، نفس حزب البرلماني). بمعنى أننا، بدل أن نثمن المبادرة الإنسانية والالتزام، وبدل أن نتمنى مضاعفة مجهودات الحكومة والجماعات المحلية والمجتمع المدني لفك العزلة عن سكان المناطق الفقيرة، فنحن لا نهتم إلا بأجساد الفتيات اللواتي قمن بتلك المبادرة الخيرية.

والنتيجة: الحكومة البلجيكية قامت بإرجاع المتطوعين بشكل سريع لبلدهم الأصلي، خوفا عليهم وحماية لهم، بما يشكله ذلك من تشويه لصورة البلد لدى مختلف شرائح المجتمع البلجيكي والأوروبي عموما؛ خاصة أن المغرب عرف منذ بضعة شهور جريمة فعلية لذبح سائحتين أوروبيتين. فهل نتحول إلى بلد داعشي يذبح النساء السائحات؟

الجمعية المغربية الشريكة التي كانت تستضيف هؤلاء المتطوعين عبرت عن أسفها لأنها تستقبل منذ سنوات طويلة عددا من الطلبة المتطوعين الذين ينشؤون علاقات إنسانية طيبة مع سكان المنطقة ويستفيدون إنسانيا، كما يقدمون خدمات مهمة لسكان المنطقة؛ بينما قررت المنظمة البلجيكية التوقف بتاتا عن إرسال بعثاتها للمغرب. فقيه تلك القرية كان قد استضاف المتطوعين في بيته وقدم لهم وجبة غداء بكل حفاوة "أهل البلد". لكن التطرف والجهل والكبت يأبى إلا أن يلطخ صورة مجتمع اختلطت عليه الأمور بين الدين والتطرف. بين القيم والكبت. بين التقاليد والوهابية...

خرج علينا مدرس يطالب بقطع رؤوسهن لأنهن كن يرتدين "شورتات" قصيرة

ما الذي حدث في المغرب؟ إلى غاية ثمانينيات القرن الماضي، كانت الفتيات والنساء يلبسن ملابس البحر دون أي إشكال، ولم تكن ملابس النساء تطرح الهوس الذي نشاهده الآن في النقاشات. كانت البطلة نوال المتوكل أول إفريقية وعربية تفوز بميدالية ذهبية في الثمانينيات، وكانت ترتدي "شورتا" رياضيا قصيرا. حينها، افتخر المغاربة بإنجازها ولم يتحدث أحد عن الشورت. إلى غاية بداية التسعينيات، كان عدد المحجبات قليلا جدا. درست شخصيا في إعدادية وثانوية بحي شعبي بمدينة الدار البيضاء، وإلى غاية نهاية تعليمي الثانوي في منتصف التسعينيات، لم أدرس بتاتا عند أي أستاذة محجبة، وكان هذا واقع معظم شباب جيلي من مختلف الأوساط الاجتماعية، وليس فقط لدى الفئات الميسورة. في الشواطئ الشعبية، كانت النساء بمختلف الأعمار يرتدين ملابس البحر، ولم نعرف قبل بداية الألفية الجديدة مشاهد نساء تسبح في البحر بكامل ملابسهن.

ماذا حدث في المغرب؟ هل لنا أن نتخيل أن النساء اللواتي كن يرتدين ملابس البحر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، واللواتي يبلغن اليوم بين 40 و70 سنة (واللواتي لم يكن بالضرورة متمدرسات (دخلن المدرسة) ولا منتميات لطبقات غنية)... هل يمكننا أن نتخيل أن حفيداتهن وبناتهن اليوم، غير قادرات على ارتداء نفس ملابس البحر ولا نفس الفساتين والتنانير؟

اقرأ للكاتبة أيضا: وفاة قايد السبسي: بين التدين واللاإنسانية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG