Accessibility links

مجتمع شمال شرق سوريا: الدولة المدنية هي خلاصنا


جلسة حوارية رعتها منظمة حماية البيئة والتنمية المستدامة في دير الزور

يأتي عمل اللجنة الدستورية ليعيد شيئا من الأمل للسوريين. هم ليسوا على قناعة راسخة بأن الأمور ستتحسن كما هم يطمحون، لكنهم بعد سنوات من المعاناة، صاروا يبحثون عن فسحة أمل، عن أي شيء يتعلقون به، وقد يأتيهم بمُتغير بحثوا عنه بشتى المجالات: المشاركة.

فبالرغم من كل ما يشوبها من مشاكل وما تتعرض له من انتقادات، يبقى الأمل بإقرار دستور جديد وكأنه خشبة خلاص قد تُخلصهم من سنوات عجاف على المستويات كافة.

ويقف السوريون اليوم على مفترق طرق، يستعيدون الماضي ليحاولوا أن يستخلصوا منه عبر المستقبل. هم لا يعرفون السياسة، بل تعرفوا عليها مؤخراً وبشكل سريع. فمنذ ستينيات القرن الماضي، صار الحزب الواحد هو الحاكم والمقرر وصارت الأجهزة الأمنية هي المتحكمة برقاب الناس.

انكسر هذا الواقع لفترة وجيزة خاصة في شمال شرق سوريا مع طرد قوات النظام من المنطقة وحكم الجيش الحر الذي كان فيه الكثير من المساحة للعمل السياسي والمدني لكن مع غياب تام للأمن، إلى حين وصول الفكر الرجعي من النصرة إلى داعش، وهنا تحديداً صار للسوريين حكاية جديدة مع الإرهاب الفكري.

حكم الإرهاب

حين وصل تنظيم داعش إلى مناطق شمال شرق سوريا، كان الناس يريدون أي شيء يضمن لهم أمنهم. تغلغل سريعا بينهم، وسريعاً كشّر عن أنيابه، ما اعتبروه فرصة للهدوء، صار خليفة "البعث" بستار ديني.

يقول مدير منظمة حماية البيئة والتنمية المستدامة عصام العجيل "اختفت الحياة السياسية في تلك الفترة، باعتبار أنها حاربت الجميع من عسكر ومدنيين، والتنظيمات الإسلامية الجهادية تنظر إلى الحياة منذ 1400 عام حيث لم يكن هناك أي شيء اسمه حياة سياسية وهي لا تزال عند هذه القناعة".

ورقة كتب عليها مجموعة توصيات للمجتمع الأهلي في مدينة الرقة
ورقة كتب عليها مجموعة توصيات للمجتمع الأهلي في مدينة الرقة

وفي هذا السياق، يقول المحامي والناشط السياسي فراس العزيز إن "القمع الذي مارسه هذا التنظيم على الناس كان لا يُصدق ولا يُحتمل. إذ ليس من الممكن في ذلك الوقت أن يأتي أي مُتعلم أو اختصاصي أو مثقف ويضع نفسه بين أيدي هذه المجموعات، التي ليس فيها أي شخص مؤهل ليقوم بهذا الدور أو أن يتعامل مع الناس المُثقفة".

ويضيف "الناس هربت من المنطقة. تخلينا عن كل شيء، عن الهاتف والتلفاز التي مثلاً عليها عقوبة قد تصل إلى قطع الرقبة".

ويتابع أن "الناس خرجت من مناطق هذا التنظيم، من هول ما رأت، لذلك تجد اليوم أفراد المجتمع بعيدين عن السياسة لأنهم إلى الآن يخافون من الماضي ومما حدث، هذا الماضي الذي لا يزال يلاحقهم إلى اليوم".

ما بعد

إلا أن هذا الواقع المُخيف انتهى، فقد اندحرت "داعش" وخرج الناس إلى حريتهم مرة أخرى، لكن هذا الخروج ليس لهل ولن يكون بعد كل ما قاسوه في السنوات الماضية.

يتحدث العزيز عن الأيام التي كانوا يرون فيها عناصر هذا التنظيم يندحرون عن المنطقة. كانوا يُراقبون غير مصدقين أنه أتى اليوم الذي يتخلصون فيه من هذا الفكر المتخلف والإجرامي.

جانب من الحاضرين في الندوة التي اقيمت في دير الزور
جانب من الحاضرين في الندوة التي اقيمت في دير الزور

وسريعاً خرج من بدأ يُفكر باستعادة الحياة السياسية والمدنية كوسيلة لإخراج المجتمع من مخلفات الحرب الطاحنة على المستويات كافة. وهذا ما قامت به الكثير من منظمات المجتمع المدني وعلى رأسهم حملة "نحن أهلها" التي سريعاً بدأت بتنظيم الورشات المتنوعة لتساعد أفراد المجتمع على الاندماج في الواقع الجديد وليكونوا جزءاً من العملية السياسية الموعودة.

يقول عصام العجيل: "بعد اندحار داعش، صار هناك الكثير من التغيير، على سبيل المثال، مجلس دير الزور المدني الذي تأسس عام 2017، وبعد التحرير، حصل نوع من إعادة الهيكلة، وحين دخلوا علينا بعد حوالي شهر من تأسيسه اعترضنا على كيفية الاقتراع والانتخاب وحساب الأصوات ورفعنا عريضة للمجتمع الدولي، صار هناك نوع من الحراك السياسي المحدود ولكنه في مكان ما يُعبر عن رغبة جامحة في العودة إلى العمل السياسي".

ويضيف: "أيضا تأسست الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وحصلت جلسة موسعة على سبيل المثال ضمت أكثر من 100 شخصية من الجزيرة حول فكرة أنه يجب أن يكون هناك جسماً سياسياً يُمثل دير الزور، وصار هناك حزب سياسي بالرغم من كل الخلافات التي حصلت حوله وهذا أمر طبيعي بسبب كل ثقل المرحلة الماضية وكل التعقيدات والاختلافات الموجودة في المنطقة إلا أن الأسس موجودة الآن على الأقل".

الاندماج

لكن، بالرغم من المحاولات إلا أن الأمور ليست وردية كثيراً. على مدى عشرات السنين غابت الحياة السياسية في البلاد، وهي لن تعود بين يوم وليلة، لكن التغيير سيأتي.

هنا يبدأ العزيز بالحديث عن الماضي ليدخل إلى واقع الأمور اليوم، فيقول: "غابت السياسة ووُصلت بشخص واحد. طمسوا عقول الناس لعقود وشخص واحد أدار العملية السياسية ولهذا كان هم السوريين تعليم أولادهم وتربيتهم والعيش بالحد الأدنى، وهذا ما ينعكس اليوم على رغبتهم في الاندماج بعملية التغيير الحاصلة اليوم".

أحد المشاركين في الندوة خلال مداخلة بشأن الأوضاع في منطقته
أحد المشاركين في الندوة خلال مداخلة بشأن الأوضاع في منطقته

يقول العجيل وهو يحاول تحديد قدرة الناس على الاندماج بالعمل السياسي وبالواقع الجديد: "على الفترات الطويلة، التراكم سيلعب دوراً في هذا الموضوع، ولكن بكل بساطة من دون أن يكون هناك تغيير في الذهنية، وطالما أننا متمسكون بتراث ديني وسياسي منذ 1400 سنة ولا يكون عليه أي اجتهاد أو أي تغيير وطالما أن هذا التراث لم يخضع لأي إعادة قراءة وإعادة ترتيب، فالواضح أنه لن يكون هناك أي تغيير، وهذا غير محصور فقط بدير الزور أو سوريا بل هو يتعداه إلى كل الوطن العربي".

برأيه أيضاً أنه من "المستحيل أن يكون هناك تغيير في الجوانب الأخرى، طالما أن لا تغيير في هذه الذهنية في ما خص إعادة النظر بمفهوم الدين والنظر إليه بمفهومه الروحي والإيماني، بعيداً عن هذه التخبطات والفتاوى الكفرية، لن يكون هناك اندماج. الاندماج يمكن أن يبدأ في تفعيل منظمات المجتمع المدني، بناء القدرات وتنميتها والعمل على دعمها".

حتى محاولات القول إنه بعد دحر داعش، كان هناك محاولات من "قسد" لدمج المجتمع في العملية السياسية المحلية، لكنها على الأغلب كانت صورية ليس إلّا، إذ يعطي العجيل مثالاً على هذا الأمر، ويقول: "حين تم في الفترة الماضية تشكيل المجلس المدني ومجالس القرى والمدن، فإن قوات "قسد" أو مجلس سوريا الديموقراطي في نظامهم يبدؤون بالانتخاب من القاع القاعدة انتهاء بالهرم. ما حصل أنه حين صار أول عمل انتخابي للـ "كومينات" كانت أشبه بمسرحيات قاموا بها".

و"الكومون" هو أصغر خلية مجتمعية، يتشكل من عدة عائلات، تعيش في منطقة جغرافية محددة ، كالحارات أو الأحياء أو القرى الصغيرة، يضم في عضويته عدة عائلات و عشرات الأفراد من كلا الجنسين ممن تزيد أعمارهم عن ستة عشر عاماً .

مدنية الدولة

الجيد في كل هذا الواقع السيء، أن السوريين ولاسيما في الجزيرة، صاروا على قناعة بأن لا حل أمامهم سوى قيام دولة مدنية ديموقراطية، إذ يرى العجيل أن "السوريين يسعون اليوم إلى ما يحفظ حقوق الجميع، إلى مساواة، إلى عدل، هذا الموضوع صار محسوماً، فطبعاً اليوم هناك قناعة راسخة حول هذا الأمر والحروب المستمرة منذ سنوات جعلتهم أكثر تمسكاً ومطالبة بالقانون".

جانب من الحضورة خلال الندوة التي اقيمت في دير الزور
جانب من الحضورة خلال الندوة التي اقيمت في دير الزور

ويقول: "لاحظنا من خلال ورش العمل التي قمنا بها أن الجميع يتمسك بضرورة إقرار دستور مدني يحترم حق الجميع وانصافهم، وكل مواطن له حق الاعتقاد، وتحديداً فترة داعش ساهمت في ترسيخ هذه القناعة".

لكن ماذا عن اللجنة الدستورية وعملها وموقفهم منها ومشاركتهم فيها؟

يجيب العجيل أن "المشاركة غير موجودة فعلياً ولكننا استطعنا أن نتواصل مع قائمة المجتمع المدني في اللجنة وأوصلنا توصياتنا لهم وما نريده لمنطقتنا على وجه التحديد، طبعاً عدا عن الأمور العامة كضرورة الدستور المدني ويحفظ حقيق الجميع ويضمن الحريات الشخصية ويعلي من قيمة المواطن".

ويقول العزيز في هذا الإطار: "نريد دستوراً يحترم حرية الناس ويضمنها، ويجعله أكثر نقداً ومشاركة في الحياة المجتمعية والسياسية وأن يساهم في تنمية القدرات، بالإضافة إلى عدم التهميش وعدم تهميش أي منطقة، وأن يكون العسكر بعيدين كل البعد عن السياسة والمجتمع، فعلى هذا الدستور أن يكون حاسماً في إبعاد الأمن عن حياة الناس وهذا أولوية وهذا ما سيقود فعلاً إلى حياة سوية في منطقتنا وفي سوريا ككل".

باختصار، مستقبل المجتمع وقدرته على الاندماج بالحياة السياسية مرهون بالدستور وكيف سيكون. "إذا كان هذا الدستور يكفل حقوق كل السوريين من الحدود التركية إلى حدود الأردن ولبنان والعراق من دون النظر إلى عرق الشخص ولونه، فمن الأكيد أنه سيكون موضع ترحيب وسيحفز الناس على العمل السياسي"، يقول العجيل من دون أن ينسى واقع أن في المرحلة الماضية "كان هناك تحطيم لكل المفاهيم، حتى من دون داعش نحن بحاجة لإعادة صقل قيم المواطنة لدى السوريين، فكيف الحال بعد هذا الحكم الرجعي الذي مر على منطقتنا".

XS
SM
MD
LG