Accessibility links

محاكمة الخلع الدستورية في الولايات المتحدة: دروس مستفادة


زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش ماكونيل

حسن منيمنة/

ينطلق هذا الأسبوع شق المحاكمة في مجلس الشيوخ للرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن الإجراءات الدستورية الهادفة إلى خلعه، بعد أن تلقّى هذا المجلس رسميا القرار الاتهامي الصادر عن مجلس النواب نهاية العام الماضي.

وتشكل هذه الإجراءات الملاذ الأخير في التوازن الدقيق الذي أقامه الدستور الأميركي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ففي حين أن الدستور قد أخصّ الرئيس، بصفته رأس هرم السلطة التنفيذية، بصلاحيات كبيرة وحصانة واسعة إزاء الملاحقة القضائية، فإنه، تجنبا للاستئثار بالسلطة وإساءة استعمالها، منح السلطة التشريعية، بالإضافة إلى دورها الرقابي المعتاد، إمكانية خلع الرئيس في حال ارتكابه "جرائم وجنح عليا".

ولاعتراض إساءة السلطة التشريعية بدورها اللجوء إلى العزل لأغراض تتناقض مع مقصده، وزّع الدستور مهام الإجراءات المؤدية إليه بين مجلسي السلطة التشريعية، أي مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بما هما عليه من اختلاف في التركيبة وطبيعة الأداء.

فمجلس الشيوخ، والذي ينتخب أعضاؤه المئة على ثلاثة أفواج، بين الفوج والفوج عامان، لعهدة مدتها ست سنوات لكل منهم، قد تميّز على مدى تاريخه بأن الانسجام متحقق نسبيا بين أعضائه، وإنه للتوافق والتفاهم والتعقل حظوظ أكبر في أوساطه، منها في مجلس النواب، المتجدد بجميع أعضائه كل عامين، والذي تغلب عليه المناكفات الحزبية.

من الدروس المستفادة من هذه الأزمة الأميركية أن المواجهات بين السياسيين لا تلزم الصدام الأهلي

والتقريب الذي غالبا ما يُستدعى لتوضيح الدور المناط بكل من المجلسين في هذه الإجراءات الدستورية هو القول بأن مجلس النواب يقوم مقام الادعاء، فيما مجلس الشيوخ يتولى دور القضاء.

على أنه ثمة اختلافات هامة تجدر الإشارة إليها في هذين الدورين. فالادعاء، في النظام العدلي العام يتولّى إعداد الاتهام بشكل مستقل عن الدفاع، فيما القضاء، بصيغة هيئة محلفين أو هيئة قضاة أو قاضٍ منفرد يصدر الحكم على أساس المرافعات والشهود والأدلة والقرائن، على أن يبقى الحكم قابلا للتمييز والاستئناف وصولا إلى المحكمة الدستورية العليا وفق المقتضى.

أما في إجراءات العزل الدستورية، فالصادر عن مجلس النواب ليس مجرد اتهام، بل بيان اتهامي مبني بذاته على تحقيقات ومرافعات يشترك فيها الدفاع ويجري التصويت عليها بعد إعدادها في مجلس النواب. فإذا نال البيان الاتهامي تأييد الغالبية في مجلس النواب، أصبح قرارا اتهاميا دائما، سواء اعتمده مجلس الشيوخ لإقرار الخلع، أو رفضه وأبقى الرئيس في منصبه.

ففي النظام العدلي العام، المتهم بريء إلا في حال إثبات التهمة، فإن لم يثبتها القضاء، تسقط التهمة وتتحقق للمتهم البراءة. أما في حال إجراءات الخلع الدستورية، فعند صدور القرار الاتهامي من مجلس النواب، فإن الصفة اللاصقة بالرئيس هي أنه مطعون من مجلس النواب، وإن رفض مجلس الشيوخ التصديق على الطعن ولم يعمد إلى خلعه. أي أن القرار الاتهامي الصادر عن مجلس النواب هو طعن دائم، أكثر من مجرد اتهام، وأقل من إدانة.

مع طعن مجلس النواب الحالي بالرئيس ترامب وإرساله القرار الاتهامي إلى مجلس الشيوخ، تكون هي المرة الثالثة وحسب على مدى التاريخ الأميركي (والذي يقترب من ربع الألفية) والتي تستدعى فيها هذه الإجراءات. أي أنها لحظة تاريخية دون شك.

لا خلاف على الوقائع. ترامب طلب خلال مكالمة هاتفية من الرئيس الأوكراني التحقيق بحالة فساد تتضمن احتمال تورط جو بايدن، أحد أبرز المتنافسين للترشح عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة بمواجهة ترامب نفسه. الخلاف هو حول السياق والنوايا.

خصوم الرئيس يعتبرون أن ما أقدم عليه ترامب حين حجب المساعدات التي أقرّتها السلطة التشريعية لأوكرانيا، تزامنا مع المكالمة، كان يهدف إلى الضغط على الرئيس الأوكراني لتنفيذ طلبه، رغم غياب أي دليل على صحة الاتهام. أي أن ترامب وظّف قدراته وصلاحياته والتي يفترض أن تكون لخدمة الصالح الوطني من أجل أغراض شخصية وانتخابية، إذ سعى إلى التجريح بخصم سياسي.

أما مؤيدو الرئيس، فيرفضون افتراض سوء النوايا، ويصرّون على أن ما أقدم عليه ترامب يندرج في إطار إصراره المعلن على مكافحة الفساد. يعترض خصوم الرئيس مشيرين إلى أنه لم يجتهد لمحاربة الفساد في أي مكان إلا أوكرانيا، ولم يطلب من أوكرانيا إلا ما هو مرتبط بالانتخابات ولا سيما التجريح ببايدن. يجيب المؤيدون بأن هؤلاء الخصوم يستميتون بإيجاد الأعذار في عداوتهم الثابتة للرئيس منذ فوزه، أي أن السعي إلى خلعه ابتدأ قبل إيجاد ما يبرره، بل ما شهدته الأعوام الماضية هو بحث عن الدوافع المزعومة لقرار أهوائي سبق اتخاذه.

القبول بكامل النظام السياسي، وإن ظهر الوهن في بعض أوجهه، هو التعبير عن نضوج الديمقراطية

الجمهوريون، من حزب الرئيس، هم الغالبية في مجلس الشيوخ، وكيفما سارت الأمور، أي في حال تمكن الديمقراطيون من الحصول على محاكمة كاملة، مع استحضار للشهود، أو نجحت القيادة الجمهورية باقتضاب الإجراءات، فإن الحصيلة شبه المؤكدة هي عدم تثبيت مجلس الشيوخ للقرار الاتهامي الصادر عن مجلس النواب. أي أن الرئيس لن يخلع.

على أن حدة الانقسام، في الرأي والموقف، بل في قراءة الوقائع واختيار السياقات المؤطرة لها، وفي الافتراضات المتواجهة لنوايا الخير والشر لدى الجانبين، قد بلغت حدا غير مسبوق يمكن معه دون مبالغة الحديث عن انفصام سياسي وثقافي لم يشهده المجتمع الأميركي منذ الحرب الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر.

الثقة بالسياسيين تكاد أن تكون معدومة، بل الثقة بالنظام السياسي متضائلة، واطمئنان الناخبين إلى صحة نتائج الانتخابات متراجع، وتقدير المواطنين لأدوار السياسيين في بلادهم وتقييمهم لكفاءاتهم ونزاهتهم إلى انخفاض، في حين أن امتعاض الجميع من الجبهات الإعلامية المتواجهة في أوجّه.

ولكن.

مجلس النواب، والذي يسيطر عليه خصوم الرئيس ما زال على تعاونه المرتقب معه لإقرار اتفاقية "الولايات المتحدة ـ المكسيك ـ كندا" التجارية التي أراد الرئيس لها أن تستبدل اتفاقية "نافتا" العائدة إلى التسعينيات. ورئيسة هذا المجلس قد وجهّت الدعوة للرئيس، وفق المعتاد، لإلقاء كلمة "حال الاتحاد" السنوية مطلع الشهر المقبل.

والأهم، قد تطفح الإذاعات بالكلام الشاتم والمهين الموجه من الرئيس وإلى الرئيس وإلى السياسيين وعموم المواطنين، غير أن السلم الأهلي لا تشوبه شائبة. السلاح منتشر، وفق القوانين وعلى أساس الحق الدستوري في الولايات المتحدة. على أن هذا السلاح، بما فيه الحربي، وإن أسيء استعماله في حالات فردية، لا يوظّف للتهديد السياسي، ولا لفرض الآراء.

يوم أذعن آل غور، مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية عام 2000، والذي حاز على غالبية أصوات الناخبين، لقرار من المحكمة الدستورية العليا، يفرز أصوات ولاية فلوريدا، بشكل غير مقنع، لصالح خصمه جورج دبليو بوش، ويمنحه بالتالي منصب الرئاسة، تعالت الأصوات في سائر العالم، لا في الولايات المتحدة نفسها إلا فيما ندر، للتشهير بالكذب المزعوم للديمقراطية الأميركية.

ليت الكثير من دول العالم، ترتقي إلى ما هي عليه الولايات المتحدة اليوم

واقع الأمر أن الولايات المتحدة، بشخص آل غور، إنما بشكل خاص عبر السلم الأهلي الذي التزمته، قدّمت للعالم بأسره درسا هاما بالديمقراطية، وهي أن القبول بكامل النظام السياسي، وإن ظهر الوهن في بعض أوجهه، هو التعبير عن نضوج الديمقراطية واستتباب الثقة بالوطن على وجه الإجمال وإن لاقت التفاصيل الاعتراض.

منذ أن تولّى دونالد ترامب الرئاسة وسلوكه وردود الفعل عليه تشكل اختبارا متواصلا لصلابة النظام السياسي في الولايات المتحدة. والمحاكمة في مجلس الشيوخ هي فصل آخر من هذا الاختبار.

قد تكون الولايات المتحدة قد بلغت مستويات غير مسبوقة من غياب الثقة بالسياسيين والإعلاميين والوجوه العامة ككل. على أن الدروس المستفادة من هذه الأزمة الأميركية، والتي تبلغ ذروتها اليوم في المحاكمة الدستورية، هي أن المواجهات بين السياسيين لا تلزم الصدام الأهلي، والخلاف حتى على الأمور الأساسية لا يعني التفريط بالاستقرار والصالح العام، وأن الانفعال والشجار اللفظي والحدة في الكلام وصولا إلى الشتيمة والإهانة لا تستوجب إراقة الدماء.

ليت الولايات المتحدة في تصرف سياسييها ومجتمعها ترتقي إلى ما كانت عليه قبل هذا الانحدار، وإلى المفهوم الصادق للسلوك الحضاري. وليت الكثير من دول العالم، ولا سيما منها حيث الدماء تسيل لعار الإهانة، وحيث الصالح العام يفتدي نعل السيد القائد، ترتقي إلى ما هي عليه الولايات المتحدة اليوم.

اقرأ للكاتب أيضا: الفجوات في خطاب الممانعة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG