Accessibility links

محرقة الجيوبوليتيك


خامنئي مستبقلا الأسد

رستم محمود/

خلال الأشهر القليلة الماضية، ظهرت علامات وليد جديد داخل باحة أدب وقاموس الثقافة السياسية في بلدان منطقتنا. وليد يُمكن تسميته بـ"خطابات الرؤساء التي لا تساوي شيئا"، بعدما كانت تلك الخطابات الرئاسية، وفقط قبل عقود قليلة مضت، كانت كل شيء.

من الجزائر إلى العراق، مرورا بلبنان وسوريا، والعديد من الدول الأخرى، وبينما ينتفض ملايين المواطنين يتلهفون لاستحصال الحد الأدنى من حقهم في العيش الكريم والكرامة الآدمية، ويستعدون في سبيل تلك الحقوق البديهية مواجهة الرصاص الحيّ؛ فإن رؤساء هذه الدول خرجوا على مواطنيهم بخطابات وطروحات تتحدث عن أحوال العالم المعاصر وعلاقات القوى الدولية وتوازنات الهيمنة الإقليمية وحساسيات المحاور المتقابلة ورهانات الكتل الاقتصادية وتحديات المراكز المالية...إلخ، من ذلك التقريع الجيوبوليتكي، الذي يبدو وكأنه مُجرد تعامٍ متقصد لأوجاع القواعد الاجتماعية الأوسع، بل تبدو للبعض الآخر سعيا متقصدا بهدف نكأ تلك الجروح.

خطاب الجيوبوليتيك الفوقي هذا، والرؤساء الذين تراكموا في ترديده، ليسوا أصحاب السلطة الحقيقية في هذا البلدان. فالرؤساء الأربعة المذكرون، ومثلهم كثيرون الآخرون، هم مجرد أجهزة بروتوكولية ظاهرة، ودون أية فاعلية حقيقية، لنواة سلطوية أكثر تكورا وديناميكية في هذه البلدان. سلطات تبدأ من مليشيات مدربة أقوى من جيوش هذه الدول، وتمر بأحزاب عسكرية أكثر هيمنة من كامل مؤسسات دولة أخرى، ولا تتوقف عند نفود دولة إقليمية أو قوى دولية في كيان مثل سوريا، يشكل ذلك النفوذ السلطة الحقيقة في هذا البلد.

الجيوبوليتيك هو سعي حثيث لخلق قطيعة استراتيجية بين ناس ومجتمعات هذه الدول وبين العالم

الجيوبوليتيك وخطابه، هو جنان السلطات الحقيقية في هذه البلدان، أداتها الأكثر طواعية وقابلية للتعامل مع القوى والكتل والجماعات المعترضة عليها، وقبل ذلك، فإن خطاب الجيوبولتيك هو الخيمة التي تفر إليها هذه السلطات من حقائق وأحوال ومجتمعات بلدانهم.

فالجيوبوليتيك كائن غولي شديد الضخامة والغلاظة، لا يعترف ولا يبالي بالتفاصيل والحاجيات اليومية لأمة المواطنين المنتفضين، بل يقفز فوق ذلك، ليسرد من يطنب آذان هذه السلطات الحقيقية. يسعى لأن يختلق حقائق ووقائع غولية، تناسب أشكال المنطق ومخيلات الجيوش والمليشيات والفصائل والأحزاب المسلحة، نواة السلطة الصلبة في هذه الدول، التي تظهر بمعنى ما وكأنها لم تأخذ من المعارف شيئا خلا أساطير الحروب اليونانية القديمة.

كذلك فإن هذا الجيوبوليتيك هو أداة القوى الإقليمية والدولية، القوة الحاكمة الفعلية في الكثير من هذه الدول، هو أداتها لشحن وإدارة استطالات وأجهزة نفوذها في هذه الدول، حتى تختفي معها كافة أشكال السيادة والحدود والرمزيات الوطنية التي قد تحول بينها وبين تلك الاستطالات. فخطاب الجيوبوليتيك هو تحطيم استراتيجي لكل ذلك، وبذا هو شرعنة مباشرة لأشكال الهيمنة العابرة للسيادات.

على أن الجيوبوليتيك يحقق الغريزة الأهم لسلطات حكم بلادنا، التي لم تعرف دربا لشرعنة وتقوية أشكال حكمها إلا عبر طاقة تواصلية وتشابكية شديدة الصلابة مع القوى العالمية، على مختلف أطيافها. الجيوبوليتيك هو قفزة نهائية على الشرعيات الداخلية، الانتخابات وصحة التمثيل وفصل السلطات وقداسة الدساتير وآدمية الحاكمين والسلطات وقابليتهم للمحاسبة والخلع والعقاب. الجيوبوليتيك اختصار رهيب لكل ذلك التعقيد، وسعي لتحويل السلطة إلى مجرد عقد وكالة بين القوى الدولية والإقليمية المُقتدرة، ونظيرتها المحلية في بلداننا، هذه السلطات المحلية.

في الطريق نحو ذلك، فإن أدباء ومنظري وقادة ومؤسسات وسلطات الجيوبوليتيك، حطموا حياة سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية بدلية، كان لها أن تنبت وتنمو في مجتمعاتنا وبلداننا، تملك من الحظ والأسباب والإمكانيات ما يتجاوز بكل المقاييس، ولو بالحد الأدنى، أشكال البؤس المركبة التي تعيشها نفس هذه الشعوب، في ظلال خطابات وسياسيات وسلطات الجيوبوليتيك. حيوات قادرة تماما على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم والكرامة الآدمية لعموم أمة المواطنين هؤلاء.

الجيوبوليتيك كائن غولي شديد الضخامة والغلاظة، لا يعترف ولا يبالي بالتفاصيل والحاجيات اليومية لأمة المواطنين المنتفضين

فالجيوبولتيك مثلا مرغ أنف كل وطنية محلية بالتراب، جعلها مجرد استعارة عن الانهزامية والنكوص عن الحكايات الكبرى. تلك الوطنية التي كان لها بتطور معقول أن تحتضن التناقضات الأهلية الرهيبة في هذه المجتمعات، وأن تختلق بالتقادم أشكالا من الرموز والمُثل المحلية، القادرة على خلق آليات التواصل والتنمية الاجتماعي والتعاضد الداخلي بين شعب الكيان الواحد. بل على العكس تماما، حولت هذه الكيانات، بجيوشها ومؤسساتها، إلى غطاء لأشكال الحروب الأهلية، التي تكون في أحيان غير قليلة مجرد تدفق رهيب لما يجري خارج وحول هذه الوطنيات، عبر ديناميكية الجيوبوليتيك هذه.

على نفس المستوى، فإن الجيوبوليتيك هو امتناع أولي ومتين أمام الكتل المجتمعية وقدرتها على التعامل الموضوعي مع ما تواجهه مع مشاكل وتناقضات. فهو يسعى على الدوام للتشكيك بجدارة وأهمية تلك المشاكل والتناقضات، لصالح القضايا والتناقضات الأكبر حجما والأوسع مدى. وتمنع المنخرطين فيها من الانتظام والنضال في سبيلها، وتطلب منهم لأن يكونوا زخرا في قضاياها الجيوبوليتيكية الأكثر استراتيجية من وجهة نظرها. لأجل ذلك، فإن كل خطاب ورؤية وسياسية جيوبوليتيكية، إنما هو لبنة صلبة في جدار الفصل الحتمي بين الكتل الاجتماعية وقدرتها على تجاوز أحوالها.

أخيرا، فإن الجيوبوليتيك هو سعي حثيث لخلق قطيعة استراتيجية بين ناس ومجتمعات هذه الدول وبين العالم، لأنه ببساطة يرفع ويرفض ويقمع ما يتدفق لهذه المجتمعات من خيارات ونماذج وقيم واستراتيجيات عالمية، في السياسة والقانون والأيديولوجية وحقوق الإنسان وتنمية المجتمعات، بالذات منها تلك التي تساهم موضوعيا في تفكيك وتحطيم البنى الحقيقية لسلطات بلداننا. فبالضبط كما يتلهف الجيوبوليتيك في خلق أواصر العلاقة الحميمة بينه وبين القوى العالمية، فإنه يستميت في سبيل قطع أية علاقة لمجتمعات هذه البلدان مع ما يوازيها في العالم، لأن هذه العلاقة الأخيرة تظهر توازيا ومساواة لعلاقاتها الاحتكارية مع العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: عبد الحميد حاج درويش.. شاهد الحكاية السورية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG