Accessibility links

محور الشر ومحور الخير


معجبون بفيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" قبل مشاهدة العرض في كاليفورنيا

رياض عصمت/

هل يمكن إذا اجتمعت شخصيات الأبطال السينمائيين التي يلعبها سلفستر ستالون مع دواين جونسون مع بروس ويليس مع جاكي شان مع فان ديزل مع جت لي مع جيسون ستاثام مع آرنولد شوارزنيغر مع تشاك نوريس أن تحل أزمة إنسانية تعصف ببلد من البلدان، وأن يخلصوا شعبا من الإرهاب، سواء في أميركا الجنوبية أو الشرق الأوسط أو أواسط أفريقيا أو أوروبا الشرقية؟

منذ الأزل وحتى الأبد، الصراع محتدم بين الخير والشر. مرة، يمنى محور الشر بهزيمة، ومرة يمنى محور الخير بأخرى، لكنها جميعا جولات، وليست نهاية الحرب. إنها معارك صغيرة تخبو نارها ثم تتقد متأججة من جديد.

يذكرنا فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" (2019) بالصراع الذي نشهده اليوم بين محورين سياسيين في العالم، لم يتركا مجالا لمحور وسط ينأى بالنفس عن كليهما ويتخذ طريقا ثالثا هدفه التنمية والسلام. يحمل الفيلم المذكور رقم 22 من سلسلة الخيال العلمي السينمائية هذه، التي انطلقت في القرن الحادي والعشرين وحظيت بإقبال متزايد.

في القرن الحادي والعشرين، صار الواقع يفوق المخيلة، وكأنه منبع الإلهام لأفلام الخيال العلمي

نال "المنتقمون: نهاية اللعبة" تقييما فاق كل ما سبقه من أجزاء، إذ وصل إلى 9 من أصل 10 نقاط. في الوقت نفسه، سجل فيلم "المنتقمون: لعبة النهاية" إيرادات غير مسبوقة خلال أيام قليلة من انطلاق عروضه، إذ حصد 1.2 مليار دولار من عائدات شباك التذاكر على مستوى العالم خلال الأسبوع الأول لعرضه. بينما بلغت إيرادات الفيلم في الولايات المتحدة 350 مليون دولار، وبلغت في الصين 330 مليون دولار.

بدأت سلسلة أفلام "المنتقمون" The Avengers في عام 2008 بفيلم "الرجل الحديدي". يأتي فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" تكملة لفيلم شركة "مارفل" السابق "المنتقمون: الحرب اللانهائية" (2018)، حيث يقوم زعيم شرير يدعى "ثينوس" بسرقة ست جواهر تتحكم بمصادر القوة التي تخضع العالم لسلطتها، ويفني في حربه المجنونة نصف البشرية.

كم يذكرنا هذا الطاغية الجبار بمستبدين طامعين مروا على تاريخ البشرية، طغوا وتجبروا، ثم تكاثرت عليهم قوى استعبدوها زمنا طويلا، فألحقت بهم شر هزيمة، لكن هزيمتهم ألحقت ببلدانهم وشعوبها قدرا هائلا من الدمار احتاج سنين طويلة لإزالة أنقاضه.

بالتأكيد، لا يستطيع مواجهة شرير مثل "ثينوس" يتمتع بضخامة وجبروت مخيفين إلا أبطال تزايد عددهم خلال أفلام السلسلة السينمائية حتى بلغوا رقما يصعب حصره.

تراوح الأبطال في الفيلم الجديد بين "الرجل الحديدي" و"كابتن أميركا"، بين "هالك العملاق الأخضر" و"ناتاشا رومانوف الأرملة السوداء"، بين "الرجل العنكبوت" و"النمر الأسود"، بين "الرجل ـ النملة" و"ثور"، بين "دكتور سترينج" إضافة إلى "كلينت بارتون" و"المرأة الخارقة" و"الرجل الطائر" و"كابتن مارفل"، أحدث بطلات شركة "مارفل" المنطلقة من قصص الكارتون.

أعلن آلان هورن، رئيس شركة "ستوديوهات والت ديزني": "رغم أن فيلم لعبة النهاية أبعد ما يكون عن النهاية بالنسبة لشركة مارفل وإنتاجها السينمائي، يعد إنتاج أول 22 فيلما إنجازا كبيرا. والنجاح الذي تحقق نهاية الأسبوع نموذج لما ابتكرته الشركة بمزيج من الخيال والحماس والإبداع لتلهم المشاهدين في مختلف أنحاء العالم".

نال "المنتقمون: نهاية اللعبة" تقييما فاق كل ما سبقه من أجزاء، إذ وصل إلى 9 من أصل 10 نقاط

هل يعزا هذا النجاح فقط إلى التقدم التقني المذهل والأبعاد الثلاثية التي صارت بعض نسخ الأفلام تعرض بها؟ أم أنه يعود إلى الموضوعات التي تحمل دلالات رمزية توازي على نحو أو آخر صراعات السياسة في العالم الراهن، من فنزويلا إلى السودان، ومن القرم إلى الجزائر، ومن اليمن إلى سوريا؟

بشكل عام، يمكننا القول إن عدة سلاسل من طراز الخيال العلمي السينمائي تدور حول صراع أو آخر بين محورين: محور شرير، ومحور خير. بالطبع، هناك تنويعات على قوى الاستبداد والجشع المادي والديكتاتورية والطغيان من جهة، وبين قوى الحرية والعدالة والثورة والعدل والإنسانية من جهة ثانية.

ينطبق هذا على سلاسل "الرجل الحديدي" و"كابتن أميركا" و"المنتقمون"، كما ينطبق على سلاسل سينمائية أخرى مثل "ألعاب الجوع" من بطولة جنيفر لورنس، و"المختلفة" من بطولة شايلين وودلي، و"عداء المتاهة" وسواها.

في القرن الحادي والعشرين، ازداد تصوير أفلام الخيال العلمي بصورة مجازية لأنظمة تدعي العدل، لكنها في حقيقة الأمر تمارس الديكتاتورية والقمع والاستبداد، أو بأنظمة تزعم نوايا الخير لجيرانها، لكنها تطمح في الحقيقة إلى غزو أراضيهم واحتلالها واستغلال مواردها وإبقاء شعوبها خاضعة لسيطرتها، دون أن تعرف الرحمة سبيلا إلى أفئدة حكامها الجشعين.

تذكرنا أفلام الخيال العلمي، بالمقابل، بالمواجهات التي تنشب ضد هذين النموذجين من الأنظمة، إذ تهب قطاعات متزايدة من البشر مطالبة بحقوق متساوية مع حقوق السادة الحاكمين، مقاومة للاستبداد ومنادية بالحرية، في مواجهة آلة قمعية جبارة تتنصت على الكبيرة والصغيرة بواسطة تكنولوجيا متقدمة، وتوظف حراسا مرعبين يتنوعون بين وحوش ومخلوقات آلية يفرضون الخضوع الذليل لطبقة منعمة فاسدة ومستبدة تعيش في برج عاجي مبقية الغالبية في حضيض الحاجة المادية وفقدان الكرامة الإنسانية والحرمان من الحرية.

يذكر أبناء جيلي كيف كان العالم منقسما في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين متناحرين، واحد يمثل الاشتراكية، والآخر يمثل الرأسمالية. كان جيل الشباب، وربما لا يزال، يميل إلى الآراء الاشتراكية، وليس إلى التحزب الشيوعي، خاصة عقب انهيار أنظمة عدة لبلدان كتلة الدول الاشتراكية، وخمود أوار "الحرب الباردة" ـ ولو كمن جمرها تحت الرماد ـ واضطرار الاتحاد السوفييتي للانسحاب من أفغانستان وتعرضه للتفتت إلى دول متعددة انشقت لتترك روسيا الاتحادية تحاول تفرض العودة إلى استعراض القوة وفرض سيطرتها على مناطق متمردة عبر القوة العسكرية المفرطة، سواء في جورجيا أو منطقة الشيشان.

في أواخر القرن العشرين، بدأت ملامح نظريات سياسية جديدة تظهر في الغرب، فتارة أنذر فرانسيس فوكوياما بصراع على وشك التأجج بين شمال العالم وجنوبه، أي بين الدول المقدمة والدول النامية؛ وتارة أخرى حذر صموئيل هانتغتون من نشوب صراع حضارات.

بعد سنوات من إطلاق النظريتين المتوازيتين ـ رغم تباينهما ـ في صراع بديل عن الصراع القديم بين الرأسمالية والشيوعية، حاول كل من المفكرين تلطيف الأمور وتفسير نظريتيهما ليس على أنهما تبشير أو دعوة أو تحريض، بل على أنهما تنضويان ضمن التحليل الموضوعي الذي يتخوف من تلبد سحب داكنة في سماء العالم.

يقال: "قل لي من تقرأ، أقول لك من أنت".

بالطبع، هناك فارق شاسع بين من هو معجب بآراء فوكوياما وهانتغتون وبرنارد لويس، ومن هو معجب بآراء نعوم تشومسكي على سبيل المثال. على المرء أن يختار بوعي وإرادة إلى أي معسكر يريد أن ينتمي، ومن يمثل الخير من الشر من المعسكرين، وما هي الأهداف السامية التي يسعى إليها لرفاه وخير وطنه، ولمستقبل وأمان شعبه.

في القرن الحادي والعشرين، صار الواقع يفوق المخيلة، وكأنه منبع الإلهام لأفلام الخيال العلمي. تكثفت بشكل أوضح محاور جديدة للصراع العالمي، وتردد أن هناك مشروع "نظام عالمي جديد" يحاك في الخفاء. سواء صحَّ ذلك أم لا، ظهر محوران جديدان يؤكد كل منهما أنه يمثل "محور الخير"، وأن الآخر يمثل "محور الشر".

تبعث خواتيم أفلام الخيال العلمي على الأمل

في القرن الحادي والعشرين، ترددت مصطلحات عجيبة لم تكن تخطر ببال أبناء جيل الستينيات المشبع إما بالأحلام القومية أو الأحلام الاشتراكية. في ذروة الخطابيات التي تلت حرب السويس، لم يكن مصطلح "الشيطان الأكبر" مألوفا ومتداولا، بل كان المحور البديل عن الانتماء لأي من المحورين المتصارعين على الهيمنة على العالم بعد انحسار عصر الاستعمار الأوروبي الغربي القديم هو "محور دول عدم الانحياز"، الذي قاده زعماء ثلاثة هم: عبد الناصر (مصر)، تيتو (يوغسلافيا السابقة)، نهرو (الهند)، وضم هذا المحور 29 دولة شكلت ثقلا لا يستهان به، خاصة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

تبعث خواتيم أفلام الخيال العلمي على الأمل. مهما بلغت قوى الشر من جبروت يتجاوز حدود الطبيعة، ومهما جندت مخلوقات هائلة الأحجام والقوة في خدمتها، فإن الأبطال الخارقين من أصحاب القضية يتحدون الألم، يتحاملون على آلامهم، يقاومون الإرهاق، يلئمون الجراح، وباتحادهم في محور واحد يحيلون تلك المخلوقات الباغية إلى فتات تذروه الرياح. تلك هي الحكمة الخفية وراء نهاية فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" ونهايات عديد من أفلام الخيال العلمي الأخرى.

يبدو أن هذا الطراز من الدراما السينمائية بدأ يقتبس أمرا مهما من شكسبير، وهو المصرع التراجيدي لبعض الأبطال الخارقين تضحية وفداء للقضية إزكاء للأمل، كما حدث للرجل الحديدي (روبرت داوني جونيور) والأرملة السوداء (سكارلت جوهانسون) في نهاية فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة"، لأن أي نصر على قوى الشر يحتاج إلى أن يعمد بدماء الشهداء.

اقرأ للكاتب أيضا: هل للدراما فائدة أم أنها إضاعة للوقت؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG