Accessibility links

مخبر وشيخ وشيوعي


الشيخ يوسف القرضاوي

مالك العثامنة/

كما في الحروب، كذلك في الأزمات هنالك تجار يلتقطون التجاذبات ويبحثون عن مناطق السقوط الآمن بين الاستقطابات المتوترة، استرزاقا وبحثا عن أرباح وإيرادات "الموقف" في المناطق الحرام.

وعليه، كانت الأزمة "الخليجية ـ الخليجية" أكبر بازار مفتوح في عالم الصحافة والإعلام العربي حديثا. ومن مضحكات البازار ما سمعته من وصف بأن أكبر المفارقات أن من يقود إعلام الأضداد فيها تمويلا وتوجيها فلسطينيان، أحدهما يقود إمبراطورية الإعلام القطري (الفرع القومي منه)، والآخر له نفوذه الواضح في بعض الإعلام الإماراتي.

وفي قطر.. يبدو أن الأمر أكثر تعقيدا في محاولات فهم "ألغاز بلد الغاز" التي وطنت التيارات الإسلامية فيها ووصلت إلى مرحلة صار الإخوان المسلمون فيها (بتيارهم الأممي) يجاهرون بأن عاصمتهم هي الدوحة، كما أنها وبذات الوقت جمعت تحت لوائها جيشا من القوميين واليساريين العرب المدججين حقيقة بالموهبة والمعرفة والقدرة الإبداعية على توظيف كل ما يمكن توظيفه من خبرات وقدرات لمصلحة توجهات الدولة القطرية (!)، وهي توجهات براغماتية متغيرة بانعطافات مفاجئة ومصلحية بالمطلق، كما في الملف الإيراني مثلا!

قلعة الإعلام القطري هي قلعة مبنية بشكل هندسي معقد ومذهل لكن من رمال

لذا كان الإعلام الممول قطريا، أذكى بكثير جدا من الإعلام المضاد له سواء بتمويل سعودي أو إماراتي. القصة لا تتعلق بحق وحقيقة وحقائق بقدر ما تتعلق بذكاء وخبرة مهنية "عربية غير قطرية"، وجد القطريون طرقا لتوظيفها وتمويلها مقابل تصور أمني ضيق ومحدود يطغى على إعلام الطرف المقابل فيحد من قدرات موظفيه، ويضع أغلب محتواهم الإعلامي في خانة الصفر كقيمة حقيقية في المحصلة النهائية.

لقد استطاع القطريون (أو إعلامهم الممول بمالهم وبسخاء ذكي)، أن يقوموا بانعطافة حادة وصعبة ضاعت فيها كثير من الحقائق والمبادئ والثوابت السياسية (إن وجدت)، حين وجدوا أن مصلحتهم المشتركة مع إيران في بحيرة غاز ضخمة تحت البحر أهم من أواصر "الأخوة" والنسب والمصاهرة مع باقي دول الخليج.

حرب اليمن، التي شاركت قطر عسكريا ببداياتها ووظفت إعلامها لصالح تلك الحرب حينها، وجدت لها التفافاتها الذكية وابتلع الجمهور كبسولة المواقف "الثابتة" بدون أي مشاكل. فالإعلام مشغول بعناية واحتراف، بما يشبه التنويم المغناطيسي في عالم عربي يتلقف بسهولة كل مضادات الوعي والمعرفة والعقل، تلك المضادات المغلفة بسكاكر الدين والقومية معا في توليفة عجيبة لا تحدث إلا في قطر: فيصبح الشيوعي، عضو الكنيست والمفكر القومي العربي الفلسطيني المسيحي، عزمي بشارة، شريكا في السلطة والنفوذ على أرض الغاز إلى جانب الإخواني المتطرف بآرائه وصاحب الفتاوى الأكثر جدلا وشهرة ومؤسس منظمة الدعوة الإسلامية وأكبر محرضي "الجهاد" في ثورات الربيع العربي المصري يوسف القرضاوي.

تلك توليفة مدهشة ومزيج خطر شديد الانفجار، ومواجهة هذا الإعلام "العنقودي" المركب بتعقيد مدهش لا يتطلب أكثر من إعلام عريي حر ومسؤول، لكن مهني لا أمني، لتنهار قلعة الإعلام القطري دفعة واحدة وهي قلعة مبنية بشكل هندسي معقد ومذهل لكن من رمال.

كان الأجدى توظيف تلك المهارات والخبرات "المحلية" في الإمارات والسعودية

وواقع الحال كان عكس ذلك، فالمواجهة كانت بائسة بإعلام ممول سعوديا وإماراتيا تقوده عقليات أمنية أقصى عبقرياتها في الخبرة المهنية لم تتجاوز إدارة ثكنة استخبارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة!

مع أن الأجدى كان توظيف تلك المهارات والخبرات "المحلية" في الإمارات والسعودية وهي مهارات مبدعة وعقول مهنية محترمة، لكن لم يتم توظيف قدراتها كما يجب، وعلى حسابها تم تفعيل المستورد الأمني في إدارة الملف الإعلامي هناك.

♦♦♦

لست بصدد الوقوف في معسكر خليجي ضد الآخر، وبالنسبة لي، وكما قلت لمسؤول خليجي رفيع المستوى "ذات استقطاب"، أني أحمل موقفي السياسي ضد كل تيارات الإسلام السياسي، وهذا يضعني في تقاطع مع كل من يقف ضد تيارات التطرف والإسلام السياسي ومع تأسيس ـ أي تأسيس ـ لطريق دولة المؤسسات والقانون المدنية، وأنا شخصيا خضت تجربة العمل مع الإعلام في المعسكرين، وواجهت ما واجهته من تجارب شخصية لها مقالها ومقامها.

وعلى حواف الأزمة الخليجية والإعلام وشهر أغسطس، تحل في هذا الشهر ذكرى الاحتلال العراقي البشع بقرار طاغية بغداد عام 1990، باجتياح الكويت، وهو ما يعيد الذكرى لدولة خليجية "رائدة" في تاريخ العمل الإعلامي العربي، وأحد أركان النشاط الثقافي والإعلامي العربي وقد انكفأت على ذاتها وانعزلت عن محيطها العربي بعد مرارة خذلان شديدة تبعت الغزو الصدامي البشع، وقد كتبت في ذلك سابقا على هذا المنبر بما كان عنوانه: "الكويت.. مرارة الخيبة حد الانكفاء" وهو كاف ليكون دلالة على ما أريد قوله.

اقرأ للكاتب أيضا: "حادث سير" شديد الانفجار

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG