Accessibility links

مشاهدات من مونتريال: دروس التسامح والحرية


يعزف خلال مسيرة فخر المثليين في مونتريال

منى فياض/

مرة أخرى نجد في بيروت من "يتبرع" لمنع مجموعة مثلية من تنظيم احتفال في سينما أريسكو في منطقة الصنائع. إلى متى سنجد من يستميت لقمع نشاط مجموعة لا تعتدي على حقوق أحد؟ فما يقوم به المثليون لا يتعدى التعبير، ضمن حدود الحرية الشخصية، عن ميولهم ورغباتهم.

ليت هؤلاء الـ "فاضيين البال" (كما يقول اللبنانيون) التفتوا بدل مراقبة سلوك الأفراد وملاحقتهم في غرف نومهم إلى مراقبة ومساءلة ومحاسبة من يحكمونهم ويكممون أفواههم. لربما كان أجدى لهم ولنا، لو صرفوا طاقتهم في المكان الصحيح لاستعادة حقوقهم بدل ملاحقة الحياة الجنسية للبعض والتعدي عليهم مسقطين عليهم تعاستهم وإحباطهم.

يخطر لي أحيانا أن نجمع هذا النوع من البشر ونأتي بهم إلى مونتريال في رحلة "تأهيلية" كي يتعلموا احترام حريات البشر وحقوقهم وكيف أن هذا وحده ما يحمل السلم والرفاه والاستقرار المنشود.

هل نستغرب أن يعتصم بعض الشبان أمام السفارة الكندية معلنين: نحب كندا مع طلب الهجرة إليها!

يقع سكني في مونتريال، بمحاذاة منطقة الفيلاج، التي تقتطع جزءا من شارع سانت كاترين - معظم الشوارع في مونتريال تحمل أسماء قديسين - الممتد والذي يعبر وسط المدينة. أبعد عن الشارع مسافة 150 مترا تقريبا؛ عندما تجتازها ستجد نفسك في عالم آخر. وهي منطقة يتجنبها (بالطبع) معظم العرب التقليديون لأنها الجزء الذي كانت تسكنه غالبية من المثليين وكان اسمه "غاي فيلاج".

شارع سانت كاترين هذا، يمر في وسط المنطقة التي تعتبر جزءا من "الداون تاون". تزين البلدية الجزء الذي يمر في الفيلاج من الشارع في كل عام، بطابات صغيرة فرحة ملونة بألوان قوس قزح المتدرجة، تعلق فوق الشارع على طول المنطقة وتعطيها ألقا وحياة.

في كل صيف عندما يقفل الشارع ويخصص للمشاة تنصب المقاهي والمطاعم منصات خشبية للزبائن، مع سلال للزهور والنباتات ومظلات ملونة، يتناولون عليها مشروباتهم وأطعمتهم. فتصبح منطقة منعشة تحمل على الفرح وتدعو للهو والاسترخاء.

لكن النشاط لا يقتصر على الطعام والشراب؛ إذ تصبح المنطقة مركزا للنشاطات الفنية والثقافية على أنواعها ويفتح الفضاء العام ليصبح متاحا لكل من يرغب، سواء أفرادا أو فرقة موسيقية أو طلاب فنون أو هواة، في تقديم عمل فني سواء غناء أو رقص أو عزف وحتى الرسم؛ فتجد في فترة معينة وفي بعض زوايا من الشارع فنانين منهمكين برسم لوحات ملونة على الجدران يتركونها خلفهم. إضافة إلى وجود حدائق صغيرة تخصص لعرض أعمال فنية أو ملصقات تحت موضوع معين.

يقتصر اسم المنطقة الآن على "الفيلاج"، ولم تعد "للغاي"، وصارت أكثر اختلاطا وتعددا. ربما بدأ التغيير منذ العام 1994 عندما خصصت الحديقة الصغيرة، الواقعة في زاوية تتوسط المنطقة، وسميت "حديقة الأمل" لدعم مرضى السيدا (الإيدز) المرتبط بالمثلية، تجسيدا لقبولهم. فخصص حينها أسبوع لمختلف نشاطات المناصرة لدعم مرضى السيدا مع لوحة لتكريم الضحايا أقيمت في زاوية منها.

في الصيف تزين الحديقة بصف من أعلام قوس قزح، شعار المثليين المنتشرة في كل الشارع. الأعلام ستباع في كل مناسبة احتفالية في الشارع. كأن المنطقة انفتحت حينها لتصبح مكانا لتعلم قبول الآخر باختلافه.

هذه الحديقة الصغيرة التي يستخدمها سكان الشارع، تحتوي مقاعد حجرية سوداء مصقولة وشاشة كبيرة يعرض عليها فيلم من وقت لآخر ضمن نشاطات نادي السينما المتنقل في ساحات مونتريال وفق جدول وبرنامج معين يعلن مسبقا.

كذلك تخصص البلدية نشاطات عدة منها، على سبيل المثال، إعلان موعد لممارسة هواية الرسم لمن يرغب وتعرض اللوحات على حبال غسيل كي يشاهدها الجمهور.

تكثر هنا الأندية والمقاهي ومحلات الملابس وغيرها من الاهتمامات الخاصة بالمثليين. لكنك ستجد إلى جانبها عددا أكبر من المقاهي والمطاعم والأندية العادية. وستلتقي بأزواج من المثليين على أنواعهم وأزواج من غير المثليين بالطبع؛ ومن جميع الأعمار والأجناس والألوان.

الملفت للانتباه أن المثليين من الرجال يتباهون بأنفسهم ويظهرون ارتباطهم أكثر بكثير من النساء المثليات. وستلتقي بالطبع بالكثير من العرب الذين هربوا من بلدانهم التي تضطهدهم بشكل مزدوج، مرة سياسيا ومرة أخرى لهويتهم الجنسية.

تتحول حياة الشارع إلى مناسبات متلاحقة للاحتفالات أكبرها عيدهم السنوي الذي يقام كل عام تحت شعار مسيرة فخر المثليين (Pride Parade) حيث تقفل المنطقة بكاملها ويتقاطر لرؤيته الآلاف. يتبخترون بعروضهم وشعاراتهم وألوانهم وملابسهم الأكثر ابتكارا.

ظاهرة "الباراد" في مونتريال ملفتة فسوف تصادف في معظم الأحيان مجموعات مختلفة تمثل بلدا معينا أو مجموعة أو حتى من يحتفل بزواجه يسيرون على الأرصفة أو في وسط الشارع مع أغانيهم وشعاراتهم وملابسهم الملونة.

هنا ستصادف أعدادا من المتحولين جنسيا كأنهم خارجون لتوهم من الأفلام أو من اللوحات الأكثر ابتكارا، يرتدون ملابس ملفتة بأجسادهم التي يستعرضونها. سيقف البعض للتفرج أحيانا، لكن لا يلتفت إليهم أحد معظم الأحيان. فهذه مشاهد تصبح عادية لا تلفت الانتباه مثلها مثل متاجر المنتجات الجنسية التي تبدو خالية معظم الأحيان. كل شيء مقبول هنا ولا يثير أي دهشة. الجميع يقبل الجميع. ستصادف بعض المتسولين أو المدمنين أو من هم على حافة السواء. جميعهم جزء من حياة الشارع اليومية. ستساعد من تريد منهم أو تتجاهله، لا فرق.

لكن يبدو أن كل هذا سيكون كحلم ليلة صيف. ففي صباح 24 سبتمبر نزلت إلى الشارع فوجدت حركة غير اعتيادية ولفتني تفكيك المربع الخشبي أمام أحد المطاعم. ثم انتبهت لمركبات وشاحنات وعمال يملؤون الشارع. منهم من يفكك الطابات الصغيرة الملونة ومنهم من يفكك أخشاب الستاندات من أمام المحال.

لربما كان أجدى لهم ولنا، لو صرفوا طاقتهم في المكان الصحيح لاستعادة حقوقهم بدل ملاحقة الحياة الجنسية للبعض

انقلب المشهد فجأة وانتهى العيد. فاستعاد الروتين مجده. عادت "الفيلاج" منطقة كسائر المناطق وشارع كسائر شوارع مونتريال مع حركة السيارات. اختفى جنون الألوان تمهيدا لعودة فصل الشتاء الطويل بألوانه الرمادية الرتيبة التي لفت الجو وانتشرت مع الهواء الذي ازداد برودة فجأة.

تركت سكان مونتريال يواجهون فصل البرد وحدهم بعد أن رشفوا حتى آخر نسمة دفء الصيف واعتداله، فأصرت الصبايا على ارتداء الملابس الخفيفة وممارسة الرقص والغناء في البارك الذي خصصته البلدية لهم قرب محطة باري ـ أوكام حتى في الأيام الباردة قبل بدء الخريف رسميا في 21 سبتمبر.

أكثر ما سوف تفتقده "الفيلاج" مع قدوم فصل الشتاء، المتشرد الذي يتخذ من مربع إسمنتي احمر، في منتصف الطريق، موقعا ليستعرض عليه هرتين مع أربعة جرذان بيضاء يتعايشون مع بعضهم بسلام مستوقفين كل من يمر بقربهم. يلهون ويلعبون معا. يتوقف أمامهم المشاة مدهوشين ومعجبين يمسحون عليهم ويعطونه بعض النقود لإطعامهم.

وكأني به يمثل روح الشارع المتسامحة التي تقبل الآخر أيا كان. الهر يتعايش مع الجرذ.

هل نستغرب عندها أن يعتصم بعض الشبان في طرابلس أمام السفارة الكندية معلنين: نحب كندا مع طلب الهجرة إليها!

اقرأ للكاتبة أيضا: لبنان.. دولة محتلة وفاشلة تحتاج إدارة دولية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG