Accessibility links

مشكلة انتشار الألغام الأرضية في اليمن


زرع الحوثيون ألغاما أرضية على طول الساحل وحول المدن الرئيسية وعلى طول طرق النقل المرتبطة بصنعاء

بقلم إليانا ديلوزيي/

في مطلع حزيران/يونيو 2018، بينما كانت قوات التحالف بقيادة الإمارات تستعد لتنفيذ عمليات ضد الحوثيين في الحديدة، كان وفد من اليمن يشرح بالتفصيل التحديات التي يواجهها من الألغام الأرضية، وذلك في الاجتماع الذي عقد في جنيف حول "اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد". ومنذ ذلك الحين، وقعت الحكومة اليمنية اتفاقية مع شركة بريطانية لإجراء عمليات لإزالة الألغام؛ أما السعودية فقد أطلقت مشروعا جديدا لنزع الألغام الأرضية في اليمن؛ وكانت الإمارات تقيم ندوات للتوعية على الألغام في الحديدة. إن تجدد التركيز على الألغام الأرضية جاء ردا على إنتاج الحوثيين الضخم للألغام ونشرهم لها، مما يزيد من احتمال وضع مسألة نزع الألغام الأرضية مجددا تحت رادار المجتمع الدولي ـ وهي القضية التي حظيت بتأييد واسع النطاق في تسعينيات القرن الماضي وأسفرت عن "معاهدة حظر الألغام" عام 1997.

مصدر الألغام الأرضية في اليمن

ابتليت اليمن بالألغام الأرضية منذ عقود. ففي ستينيات القرن الماضي، تم زرعها خلال نشوب الحرب الأهلية في شمال اليمن وخلال اندلاع الانتفاضة في جنوب البلاد. كما تم زرع المزيد خلال الصراعات التي نشبت في السبعينيات والثمانينيات، على الحدود بين شمال وجنوب اليمن قبل توحيد البلاد عام 1990، ومجددا خلال الحرب الأهلية عام 1994.

وزعمت هيئة إزالة الألغام في اليمن أن أنصار الحوثيين زرعوا الألغام خلال حروب صعدة عام 2010، وأن تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" استخدم الألغام في جنوب البلاد في عام 2011. كما زرعت الألغام أيضا في شمالي صنعاء خلال احتجاجات 2011 ضد حكومة علي عبدالله صالح. وللإشارة إلى عمق المشكلة، اكتشف مسح للألغام الأرضية في عام 2000 أن هناك 1,078 موقعا للألغام في 19 محافظة من محافظات اليمن العشرين.

ستبقى الألغام الأرضية تشكل تحديا صعبا خلال حقبة ما بعد الحرب

وبالإضافة إلى العدد الهائل للألغام في اليمن، تواجه البلاد التحدي المتمثل بحالة الفوضى. فعادة ما تزرع القوات النظامية الألغام بنمط معين بحيث يمكن جمعها في مرحلة ما بعد الصراع. لكن في اليمن، تم زرع الألغام يدويا في معظم الأحيان من دون اعتماد نمط أو سجل يمكن تحديده. علاوة على ذلك، يمكن للأعاصير والفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية أن تبعثرها من مواقعها الأساسية. ونتيجة لذلك، يمكن إيجادها على طول الطرق الرئيسية وساحات القتال، فضلا عن المنازل والآبار وحتى المراحيض. وفي جميع أنحاء البلاد، أصبحت مساحات من الأراضي غير صالحة للسكن بسبب الألغام.

استخدام الحوثيين للألغام الأرضية

قد لا يكون الحوثيون أول طرف محارب يستخدم الألغام الأرضية في اليمن، لكنهم يعمدون إلى زرعها بمعدل مرتفع للغاية. ولا تختلف الألغام الأرضية بشكل كبير عن الأجهزة المتفجرة المرتجلة الأكثر شيوعا. وخلافا لهذه الأخيرة، التي تعرف من خلال كيفية صنعها (أي "مرتجلة")، يتم تحديد الألغام من خلال طريقة تفعيلها، حيث "يتم تفعيلها من قبل الضحية"، مما يعني أنها تنفجر بسبب وجود أو احتكاك شخص أو مركبة معها. ويمكن لهذين التعريفين أن يتداخلا وهذا ما يحصل أحيانا في اليمن، لكن العديد من الألغام الأرضية في تلك البلاد تنتج بكميات كبيرة، وليست مرتجلة.

وخلال الحرب الحالية، زرع الحوثيون ألغاما أرضية على طول الساحل، وعلى الحدود مع السعودية، وحول المدن الرئيسية، وعلى طول طرق النقل المرتبطة بصنعاء من أجل إنشاء أطر دفاعية أو تمهيد الطريق للتراجع. ومن بين أمثلة أخرى، أعاقت الألغام الأرضية التي زرعها الحوثيون تقدم التحالف في مأرب في عام 2015، وفي ميدي وحرض في مطلع عام 2016، وعلى طول الحدود في محافظة صعدة عام 2016، وفي تعز والحديدة في أوائل عام 2017.

كما ترك الحوثيون مسارا مليئا بالألغام الأرضية خلال انسحابهم من محافظات عدن ولحج والبيضاء ومأرب في 2015 و2016. ومن الصعب التحقق من الأرقام في اليمن، لكن من أجل إعطاء فكرة عن ضخامة عدد الألغام: زعم مسؤول يمني عن نزع الألغام أن الحوثيين زرعوا 500 ألف لغم منذ عام 2015؛ وأفادت بعض التقارير أن فرق نزع الألغام تمكنت من إزالة 300 ألف لغم أرضي؛ كما أفاد تقرير "مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية"، وهو مبادرة تراقب الامتثال مع "معاهدة حظر الألغام"، أن عدد الضحايا ناهز ثلاثة آلاف شخص بين 2015 ـ 2016.

ويثير الحجم الهائل لاستخدام الألغام الأرضية من قبل الحوثيين تساؤلات حول مصدرها وإمداداتها. فلا يفترض أن تمتلك اليمن مخزونات محلية من الألغام الأرضية؛ ففي النهاية خلال عام 2002، أعلنت حكومة صالح أنها دمرت مخزوناتها التي ضمت أربعة أنواع من الألغام المضادة للأفراد عملا بالتزاماتها بموجب "معاهدة حظر الألغام". وعموما لا توجد هذه الأنواع الأربعة في اليمن، ولكن هناك عدة أنواع أخرى شائعة، مما يشير إلى أن حكومة صالح حافظت على مخزونات سرية من الألغام أو أنها حصلت على مخزونات جديدة بعد عام 2002. ومن جانبه، لم يقم التحالف بزرع الألغام، لكنه استخدم الذخائر العنقودية.

يثير الحجم الهائل لاستخدام الألغام الأرضية من قبل الحوثيين تساؤلات حول مصدرها وإمداداتها

ومن المرجح أن يكون مصدر إمدادات الألغام الأرضية الأولية التي يملكها الحوثيون من هذه المخزونات المحلية. ففي تقرير من نيسان/أبريل 2017، أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى لغم "پي پي إم ـ 2 (PPM-2)" أسود مضاد للأفراد، ذو غلاف بلاستيكي، يبلغ قطره 5.2 بوصة صنع في ألمانيا الشرقية السابقة. وقد كتبت على هذه الألغام التي وجدت في تعز في تشرين الأول/أكتوبر 2015 تواريخ صنعها في أوائل الثمانينيات، مما يشير إلى أن حكومة صالح لم تدمرها كجزء من التزاماتها بموجب المعاهدة. وحمل لغم آخر من المرجح أنه من المخزونات المحلية اسم "تي أم ـ 57 (TM-57)" وهو عبارة عن لغم باللون الزيتوني، بقطر 12 بوصة مضاد للمركبات صنع في الاتحاد السوفييتي السابق، ويستخدمه الحوثيون بشكل متكرر، وفقا لـ"مركز أبحاث التسلح والصراعات" ("المركز")، وهي منظمة مستقلة تعنى ببحوث الأسلحة.

وعلى الرغم من انتشار اللغمين من طراز "پي پي إم ـ 2" و"تي أم ـ 57" والعديد من الألغام الأخرى، إلا أن المعدلات الحالية لتجدد المخزونات تشير إلى أن الحوثيين قد يصنعون أيضا ألغاما خاصة بهم بأعداد كبيرة. ووفقا لـ"مركز أبحاث التسلح والصراعات"، يقوم الحوثيون في كثير من الأحيان بزرع ثلاثة ألغام غير متسلسلة أو تشير إلى أنها صنعت في بلد آخر. فالأول هو لغم يشبه "تي أم ـ 57"، رغم أن اللون ونوع المعدن يختلفان عن الأساسي، ويتضمن غلافه رقما كبيرا ذو ثلاثة أعداد باللغة العربية على جانبه بدلا من وجود رقم تسلسلي صحيح. وتعتبر هذه النماذج شبه المطابقة للأصل موحدة، مما يشير إلى أنها تنتج بأعداد كبيرة في ورشة عمل. ومن خلال إضفاء المزيد من المصداقية على هذه النظرية الخاصة بالإنتاج المحلي الضخم، نشرت صحيفة "يمن أوبزرفر" صورا يزعم أنها تظهر أحد كبار قادة الحوثيين، صالح الصماد، يقوم بجولة في منشأة لتصنيع الأسلحة في نيسان/أبريل 2018 (وقد قتل الصمد في ذلك الشهر نفسه). وقد أظهرت إحدى الصور عشرات أغلفة الألغام الأرضية التي تشبه النسخ شبه المطابقة التي وصفها "مركز أبحاث التسلح والصراعات".

ووفقا لـ"المركز"، فإن اللغمين الآخرين غير المتسلسلين اللذين ينشرهما الحوثيون بشكل متكرر طويلان وأسطوانيا الشكل. كما أن اللغم الأصغر حجما مصنوع من أنابيب "الكلوريد المتعدد الفاينيل"، والأكبر من المعدن. وعلى غرار النسخ شبه المطابقة للغم "تي أم ـ 57"، فإن هذه الألغام موحدة ومماثلة، مما يشير إلى إنتاجها بأعداد كبيرة، وغالبا ما تكون ممهورة بالنوع نفسه المؤلف من ثلاثة أعداد. وبدأت صور هذه الألغام ـ التي يزعم أن التحالف جمعها في الحديدة ـ بالانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي.

وليس من الواضح كيف يحصل الحوثيون على المكونات اللازمة لصنع الآلاف من الألغام الأرضية المتطابقة. فربما يحصلون على المواد الأساسية، على غرار أنابيب "الكلوريد المتعدد الفاينيل" أو الأسطوانات المعدنية، من مصانع يمنية محلية. وقد يحصلون أيضا على إمدادات خارجية من جهة متبرعة كإيران. ومن شأن تعقب مصدر المكونات أن يساعد التحالف على وقف الإمدادات في نهاية المطاف.

التفاوض حول السبيل للمضي قدما

ستبقى الألغام الأرضية تشكل تحديا صعبا خلال حقبة ما بعد الحرب. ونتيجة لذلك، سيشكل نزع الألغام من القضايا الرئيسية في مفاوضات السلام، تماما كما كان عليه الحال في المحادثات بين السعودية والحوثيين في عام 2016. ومن المرجح أن تركز محادثات نزع الألغام مع الحوثيين على المحافظات الشمالية والحدود السعودية ـ اليمنية. كما قد يكون إجراء محادثات منفصلة حول إزالة الألغام ضروريا بالنسبة إلى الجنوب، لا سيما أن عمليات إزالة الألغام الأرضية غالبا ما تتشابك مع السياسة المثيرة للجدل المتعلقة بملكية الأراضي في هذا الجزء من البلاد. يتعين على واشنطن تشجيع هذه المحادثات.

زعم مسؤول يمني عن نزع الألغام أن الحوثيين زرعوا 500 ألف لغم منذ عام 2015

وعلى الرغم من عدم توقيع الولايات المتحدة على "معاهدة حظر الألغام"، إلا أنها قادت جهودا دولية لنزع الألغام في مناطق الصراع منذ تسعينيات القرن الماضي، وعليها الاستمرار في ذلك. إن تجاهل انتشار الألغام الأرضية قد يضعف إلى حد كبير عقودا من العمل على بناء القواعد والمعايير ويشجع بذل جهود مماثلة في مناطق أخرى، حيث تنشر الولايات المتحدة جنودها.

وفي اليمن، قد يدعم إزالة الألغام الأرضية أيضا جهود مكافحة الإرهاب من خلال ضمان عدم تمكن جماعات على غرار تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" من جمعها لاستخدامها في المستقبل أو إعادة استخدامها لصنع أنواع أخرى من المتفجرات. ومن شأن الاستثمار في إزالة الألغام الأرضية ـ وهو مجال يمكن فيه لنفقات ضئيلة نسبيا أن تحدث أثرا كبيرا ـ أن يساعد الولايات المتحدة أيضا على تأكيد نفسها على أنها حليف لليمن يهمه رفاه المدنيين وأمنهم في مرحلة ما بعد الحرب.

وكانت الولايات المتحدة قد منحت بالفعل مساعدات لليمن لإزالة الألغام فاقت قيمتها 27 مليون دولار خلال عقدين من الزمن. وفي المستقبل، على واشنطن مواصلة تقديم الدعم المالي لعمليات إزالة الألغام، والدعوة إلى إجراء مسح جديد لأثر الألغام الأرضية، والمساعدة على ضمان منح الأولوية بشكل دائم لعمليات إزالة الألغام حتى مع ظهور تحديات ملحة أخرى في أعقاب الحرب.

إليانا ديلوزيي، محللة سياسية ومتخصصة في شؤون اليمن، ومؤسسة "معهد سيج للشؤون الخارجية".

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG