Accessibility links

مصالح لبنان وبشار الأسد


يحاول الفريق اللبناني المنضوي في "حلف طهران" إلزام الحريري بإعادة وصل ما انقطع، بعيد اندلاع الثورة، بين بيروت ودمشق

بقلم فارس خشّان/

تقتضي الواقعية السياسية أن يتنازل أي مسؤول عن عواطفه وعقائده، في التعامل مع الحقائق الميدانية، لما فيه مصلحة بلاده ومواطنيه.

هكذا تفيد النظرية البراغماتية التي رسختها الممارسة على مدى قرون طويلة.

ويحاول الفريق اللبناني المنضوي في "حلف طهران" سحب هذه النظرية على رئيس النظام السوري بشار الأسد، لإلزام فريق أساسي من اللبنانيين، يتقدمه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، بإعادة وصل ما انقطع، بعيد اندلاع الثورة، بين بيروت ودمشق.

من الواضح، حتى تاريخه، أن الحريري، مدعوما من مجموعة وازنة تضم بين من تضم كلا من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، يرفض هذه الدعوات ويقدم ما يلزم من أدلة على صلابة في التصدي.

من الواضح أن "محور طهران" لا يهتم بمصالح لبنان من وراء ضغطه لمصلحة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، بل بأمور أخرى

بعيدا من العواطف، هل يخطئ الفريق الرافض ويتجاوز بموقفه هذا واجب الرضوخ للواقعية السياسية لما فيه المصلحة العامة التي كانت، وفق ما قيل، سبب إيصال العماد ميشال عون مرشح "حزب الله" الوحيد إلى القصر الجمهوري؟

إن دعوات التطبيع التي يقودها "حزب الله" ويشاركه فيها رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، تقوم على مسألتين: أولى هاتين المسألتين تتمثل في تعبيد الدرب أمام عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وثانيتهما، الحاجة إلى فتح طريق الشام الدولية التي تصل لبنان بالأردن عبر معبر نصيب، الذي يكثر الحديث عن العمل على فتحه، بعد الصفقة الإقليمية التي أتاحت للنظام السوري بسط سيطرته على جنوب البلاد.

اقرأ للكاتب أيضا: هذه.. سياسة

وهاتان النقطتان جوهريتان يستحيل تجاهلهما أو الاستخفاف بهما، فالأولى مرتبطة برفع العبء الهائل الناجم عن وطأة ملف النازحين السوريين الذين يفوق تعدادهم مليون شخص، والثانية مرتبطة بحركة نقل البضائع من الأردن وعبره إلى لبنان ومن لبنان وعبره إلى الأردن.

ويعتمد الفريق اللبناني في "حلف طهران" على هاتين النقطتين للضغط لمصلحة التطبيع الرسمي بين لبنان وسورية، معتبرا أن غير ذلك، من شأنه الإضرار بمصالح لبنان واللبنانيين.

إن رؤية هذه المسألة من منظار عام، يعطي "فريق التطبيع" أحقية، ولكن التعمق قليلا بالمعطيات، ينقلها إلى "فريق القطيعة".

كيف ذلك؟

الواقعية السياسية تفترض أن تكون علاقاتك حسنة مع المنتصر الحقيقي، وليس الثانوي، وإذا لم تكن كذلك، عليك أن تسعى لتحسينها.

وفي سورية، المنتصر الحقيقي ليس بشار الأسد، بل روسيا. أما بشار الأسد فمستفيد من هذا الانتصار، حتى تاريخه.

وهذا يعني أن مصلحة لبنان تتوفر عبر روسيا، وليس عبر الأسد، أبدا.

وفي هذا السياق، فإن علاقات لبنان عموما، والرئيس سعد الحريري خصوصا، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن وصفها، ومن دون مبالغة، بالممتازة.

وتتفهم روسيا تحفظات الحريري على تطبيع العلاقة مع نظام بشار الأسد، الذي أصدر حكم إعدام بحقه وبحق شخصيات مرتبطة به، وأرسل عبوات ناسفة إلى لبنان في مخطط "داعشي" ـ سابق لقيام "داعش" ـ قاده اللواء الاستخباري السوري علي مملوك وسجن فيه، بعد الثبت من جرمه، مستشار الأسد، اللبناني ميشال سماحة.

ولا تربط موسكو أي حلحلة في الملفات التي يعاني منها لبنان، بسبب الوضعية السورية، بإسقاط هذه التحفظات الحريرية.

وهذا ما أبلغه، بوضوح كلي، وفد روسي رفيع المستوى إلى الحريري مباشرة خلال زيارة للوفد إلى لبنان، للبحث في ملف عودة اللاجئين السوريين.

كاريكاتوريا، هذا يعني أن من يحل أي مشكلة لبنانية عالقة مع دمشق، ليس رئيس النظام، بل الرقيب الأول في الجيش الروسي الذي منع بشار الأسد من التقدم نحو المنصة التي كان يقف عليها فلاديمير بوتين في زيارته الأخيرة لقاعدة حميميم العسكرية.

يضاف إلى ذلك، أن حل مشكلة اللاجئين السوريين، وفق المنظور الروسي، تحتاج إلى تمويل دولي عموما وفرنسي وألماني خصوصا.

وعلاقات "فريق القطيعة"، وخلافا لعلاقات "فريق التطبيع"، جيدة مع المجتمع الدولي، ومتقدمة مع ألمانيا، ومميزة مع فرنسا.

وهذا يعني، أن الجهة المنوط بها توفير التمويل اللازم لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، هي التي يمكنها أن ترعى مصالح لبنان، في هذا الملف وغيره، وذلك بالتعاون المباشر مع روسيا، وليس مع بشار الأسد الذي هو في موقع المتلقي وليس في موقع المقرر.

وما يصح على ملف إعادة اللاجئين السوريين يصح أيضا على ملف الطريق الدولي الذي يربط لبنان بالأردن.

ومعبر نصيب لم يفتح حتى اليوم أمام انتقال البضائع برا، على الرغم من كثرة الكلام في شأنه، بسبب عدم توافر الشروط السياسية الملائمة لعمان، على ما سبق وأعلنه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي.

والشروط السياسية التي يريدها الأردن، لا تتصل بما يمكن أن يوفره بشار الأسد، بل بالضمانات التي على روسيا أن تتعهد بها وتفرض على اللاعبين الثانويين في سورية، ومن بينهم بشار الأسد وإيران، الالتزام بها.

وهذا يعني أن الطريق يجب أن يصل لبنان بالأردن والعكس صحيح، لأن الربحية الاقتصادية العالية تكمن هنا، كما أن العبور يجب أن يكون مضمونا بالتساوي، لمن أيد الثورة كما لمن عارضها، ولا يصبح هذا الطريق مصدر رزق للمرضي عنهم من استخبارات الأسد، ومصدر نقمة للمغضوب عليهم.

وفي هذا السياق أيضا، فإن من يوفر مصالح لبنان ليس بشار الأسد، بل التفاهم مع دولتين يقيم مهما "فريق القطيعة" علاقات ممتازة، وهما روسيا والأردن.

ومعلوم أن الأردن، لن يقدم على خطوة بأهمية فتح معبر نصيب، من دون تنسيق سياسي وأمني واستراتيجي، مع المملكة العربية السعودية التي لها تصوراتها وشروطها.

المطلوب كسر أكثرية لبنانية لتوفير مصالح المحور الذي تقوده إيران الذي يصرخ شعبها من آلام بطونه الخاوية

ومن يقيم علاقات ممتازة بالسعودية، في هذه الحالة أيضا، ليس "محور طهران" بل الفريق الذي يشكل سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، الفقرات الأساسية في عاموده الفقري.

بناء على كل ذلك، من الواضح أن "محور طهران" لا يهتم بمصالح لبنان من وراء ضغطه لمصلحة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، بل بأمور أخرى.

لم يشترك "حزب الله" في الحرب السورية، بقرار من الحكومة اللبنانية، بل بناء على تكليف من مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، وتاليا، من يقحم بلاده بحرب من دون تكليف حكومي، يستطيع أن يساهم بحل المشاكل الناجمة عن ذلك، من دون تكليف أيضا، إذا كان القرار هو عند بشار الأسد وداعمه الإيراني، وليس عند الروسي المتفاهم على الخطوط العريضة مع الأميركي والمحتاج إلى الدعمين العربي والأوروبي.

اقرأ للكاتب أيضا: الفساد.. باللبناني

كما أن رئيس الجمهورية ميشال عون، لم ينتخب بشعارات معادية لبشار الأسد، بل كان، ومنذ انطلاق الثورة السورية، مؤيدا له، فلو كانت مصلحة لبنان موجودة فعلا عند الأسد، فلا شيء يحول دون أن يتواصل معه علنا، بدل الاكتفاء بموفد سري.

ووزير الخارجية جبران باسيل، لا يحتاج إلى تكليف حكومي لتوفير مصالح لبنان من خلال قيادة حركة دبلوماسية مع صديقه السفير السوري المستمر تواجده بكامل الصلاحية في بيروت.

وهذا كله يفيد بأن المطلوب كسر أكثرية لبنانية لتوفير مصالح المحور الذي تقوده إيران التي يصرخ شعبها من آلام بطونه الخاوية..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG