Accessibility links

"أحلاها مر".. حلول السيسي في مواجهة سد النهضة


منظر لجزء من سد النهضة الإثيوبي في صورة مأخوذة في 26 سبتمبر 2019

مصطفى هاشم- واشنطن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن مصر بدأت خططا منذ 2014 لمواجهة أزمة نقص المياه، محذرا من أن نصيب الفرد من المياه هو نصف الحد الأدنى للفقر المائي المعمول به دوليا.

وأوضح السيسي أن من هذه الخطط إنشاء محطات لمعالجة المياه واستخدامها أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، مضيفا أن مصر أنفقت حتى الآن 200 مليار جنيه لمواجهة الأزمة.

فهل هذه البدائل فعالة وهل ستحل الأزمة؟ وماذا لو تم استكمال سد النهضة الإثيوبي؟

أُعلن سد النهضة الإثيوبي الكبير الذي تبلغ تكلفته أربعة مليارات دولار في عام 2011، وتم تصميمه ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في أفريقيا من خلال توليد كهرباء بطاقة إجمالية تبلغ 6450 ميغاوات.

صورة لجزء من الإنشاءات الجارية في سد النهضة الإثيوبي مأخوذة في 26 سبتمبر 2019
صورة لجزء من الإنشاءات الجارية في سد النهضة الإثيوبي مأخوذة في 26 سبتمبر 2019

وتسعى القاهرة منذ سنوات الى حل أزمة السد من خلال مباحثات مع الخرطوم وأديس أبابا، لكن لم يتم التوصل، حتى الآن، إلى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل خزان السد.

وتقول اثيوبيا إنها تهدف من بناء سد النهضة الكبير إلى تأمين ستة آلاف ميغاواط من الطاقة الكهرومائية، ولا تهدف إلى تخزين المياه أو إلحاق الضرر بدول المصب.

ووقع قادة مصر والسودان وإثيوبيا في مارس 2015 اتفاق مبادئ يلزمهم بالتوصل إلى توافق من خلال التعاون في ما يتعلق بالسد.

والأسبوع الفائت، أعلنت وزارة الري المصرية الوصول لـ"طريق مسدود" إثر فشل آخر جولات المفاوضات بين الدول الثلاث في الخرطوم.

وقالت الوزارة في بيان حينها إن المفاوضات "وصلت إلى طريق مسدود لتشدد الجانب الإثيوبي ورفضه كافة الأطروحات التي تراعي مصالح مصر المائية وتتجنب إحداث ضرر جسيم" لها، داعية إلى طرف رابع في المفاوضات وهو ما ترفضه إثيوبيا.

"الفقر المائي"

تصل حصة مصر من مياه نهر النيل، الأطول في العالم، إلى 55,5 مليار متر مكعب سنويا.

وتعتمد مصر بنسبة تتجاوز 95% على مياه النيل للشرب والري، وتقول إنّ "لها حقوقا تاريخية" في النهر بموجب اتفاقيتي 1929 و1959 التي تعطيها 87% من مياه النيل وحق الموافقة على مشاريع الري في دول المنبع.

لكن بعيدا عن سد النهضة، تعاني مصر من ندرة المياه، "حجم المياه المتاح لنا بالكامل حاليا لم يعد كافيا"، حسب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أوضح أنه "بالمعايير الدولية وطبقا للأمم المتحدة، دخلنا مستوى الفقر المائي"، أي ما يعادل 500 متر مكعب للشخص في العام.

ووفقا للتعريف الدولي، فإن الدولة تدخل في الفقر المائي عندما يصبح نصيب الفرد أقل من ألف متر مكعب في السنة، بحسب ما يوضح كبير خبراء المياه في الأمم المتحدة، وأستاذ الموارد المائية في مركز بحوث الصحراء" الدكتور أحمد فوزي دياب، في حديث مع "موقع الحرة".

ويوضح دياب أن "عدد سكان مصر حوالي مئة مليون نسمة، ولذلك من المفترض أن يكون دخل مصر من المياه حوالي 100 مليار متر مكعب، ولكن دخل مصر المائي كله بمياه النيل والمياه الجوفية والأمطار والمياه المحلاة لا يتجاوز 62 مليار متر مكعب، أي أن لدينا عجزا بحوالي 40 مليار متر مكعب حاليا، وفي عام 2030 سيصل العجز إلى 80 مليار متر مكعب حال ثبات المورد المائي، لأن عدد المصريين سيصل إلى 125 مليون نسمة تقريبا، بالإضافة إلى أننا سنحتاج 5 مليار متر مكعب إضافية من المياه للزراعة".

ويضيف دياب أن مصر أيضا لديها عجز في الغذاء بنسبة 65%، مضيفا أنه "لسد الفجوة الغذائية فهذا يتطلب من 25 إلى 30 مليار متر مكعب من المياه سنويا، فما بالك لو تم إنشاء سد النهضة الإثيوبي؟".

فما هي خطط مصر لتوفير المياه؟

"إعادة استخدام المياه"

قال السيسي خلال ندوة تثقيفية نظمها الجيش المصري وبثها التلفزيون الرسمي الأحد: "نعمل على خطة متكاملة جدا من 2014 ومستمرون فيها. نفذنا منها حتى الآن بما يقرب من 200 مليار جنيه"، مضيفا أن من المخطط إنفاق من 70 إلى 100 مليار جنيه خلال العام المقبل للتعامل مع أزمة نقص المياه.

أوضح السيسي أن الخطة تتضمن عدة محاور "الشكل الأول، إعادة تدوير المياه من خلال محطات معالجة ثلاثية متطورة حتى نستخدم المياه أكثر من مرة، بمعنى تعظيم المتاح".

يعلق دياب على هذه السياسة قائلا إن "إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي والصرف الصناعي مرات أخرى يرفع من معدلات تلوث المياه وتراكم الملوثات في التربة لاستخدام هذه المياه في الزراعة وخروجها بصورة سامة للإنسان من خلال الأوراق أو الثمار حسب المنتج"، مضيفا أن "المشكلة الأكبر في أن تراكم الملوثات للتربة يحتاج عشرات السنوات للتخلص منها، كما أنه ينتج عنها نقص الإنتاج الزراعي العام للدولة".

"تحلية مياه البحر"

أشار السيسي إلى أن الشكل الثاني الذي تعالج من خلاله مصر أزمة المياه هو من خلال إنشاءات ضخمة من محطات تحلية مياه البحر.

وأضاف أنه بالفعل تم إنشاء عدد من المحطات في مناطق "العلمين، والجلالة، وشرق بورسعيد، والسخنة، والغردقة، ومطروح وشمال وجنوب سيناء"، مشيرا إلى أن معظمها ينتج 150 ألف متر مكعب من المياه المحلاة يوميا.

وأضاف السيسي أن المحطات المقامة في مصر تنتج حاليا مالا يقل عن مليون ونصف متر مكعب من المياه، لكن الخبير المائي أحمد فوزي دياب يؤكد لـ"موقع الحرة" أن ما تنتجه محطات تحلية مياه البحر بالفعل حاليا لا يزيد عن مليون متر مكعب فقط، مشيرا إلى أن هناك محطات لا تزال قيد الإنشاء.

"مصر تحتاج سنويا ما لا يقل عن 40 مليار دولار سنويا لحل أزمة نقص المياه حاليا، وتحتاج 200 مليار دولار سنويا إذا تم إنشاء سد النهضة"، الخبير المائي أحمد فوزي دياب لـ"موقع الحرة"

وتتطلب تحلية مياه البحر أموالا طائلة بحسب السيسي "على السنة القادمة ستنفق مصر ما بين 70 إلى 100 مليار جنيه"، مضيفا أنه بحلول عام 2037 سيصل الرقم المنفق على أزمة المياه إلى 900 مليار جنيه، "مش معمول بس عشان مجابهة سد النهضة، معمول عشان احنا لازم تجاه شعبنا نوفر المياه اللازمة للنمو السكاني وحتى لا نكون دائما خططنا متأخرة".

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن الدولة انتهت من خطة لقطع مياه النيل عن الساحل الشمالي والبحر الأحمر، والاعتماد في هذه المناطق على تحلية المياه، "المدن اللي موجودة على الشواطئ بالكامل تكون المياه التي يتم استخدامها تكون مياه تحلية بحر قبل أي حاجه تانية".

سد النهضة.. أزمة إضافية تواجه مصر

وتبقى أزمة سد النهضة متمثلة في عدم الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل خزان السد، وعدد سنوات ملئه.

وكان مستشار شؤون الأنهار الحدودية بوزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية تفيرا بين، قد قال إن "مصر اقترحت إطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام، وإطلاق المزيد من المياه عندما يكون سد أسوان أقل من 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ودعت طرفًا رابعاً في المناقشات بين الدول الثلاث".

وقالت وزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية: "رفضت إثيوبيا الاقتراح لأن بناء السد هو مسألة بقاء وسيادة وطنية. وقال تيفيرا إن الاقتراح عبر أيضا الخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا".

أثناء تركيب توربينات لسد النهضة الإثيوبي في 26 سبتمبر 2019
أثناء تركيب توربينات لسد النهضة الإثيوبي في 26 سبتمبر 2019

يقول الدكتور فوزي دياب إنه حال الاتفاق على سبع سنوات كما تطالب مصر، فإن هذا سيخصم من رصيد مصر عشر مليارات متر مكعب من مياه النيل سنويا.

وأوضح أن نقص خمسة مليارات متر مكعب سنويا من المياه يؤدي إلى بوار مليون فدان، وهجرة 20 مليون فرد من الأراضي الزراعية وزيادة استيراد الغذاء من الخارج، وهذا مع ارتفاع كلفة معالجة المياه مع ارتفاع ملوحة المياه والتلوث بسبب استخدام مياه الصرف الصحي حتى بعد معالجتها".

وتزرع مصر حاليا حوالي 9 ملايين فدان.

وأضاف أنه لسد عشر مليارات متر مكعب من المياه التي سوف تنقص من نهر النيل، تحتاج مصر إلى 200 مليار دولار سنويا خلال السبع سنوات، "من أين لنا بتوفير هذه الأموال في دولة فقيرة وشعب أفقر".

وطالب دياب بعدم تنازل مصر عن ملء السد خلال عشر سنوات على الأقل، والاتفاق أيضا على وقف ملء السد في حالة انخفاض منسوب المياه في فترات الفيضان، "الشعب لن يتحمل هذا الضغط أيا كان من في كرسي الرئاسة"، واصفا موقف الحكومة المصرية بأنه "أكثر من سيئ".

تصعيد جديد

وبدأت مصر الاثنين تصعيدا جديدا للأزمة مع إثيوبيا، إذ أعربت وزارة الخارجية المصرية عن استيائها جراء استمرار شركات تابعة لدول ألمانيا، وإيطاليا، والصين، بالعمل في سد "النهضة" الإثيوبي على نهر النيل، "رغم عدم وجود دراسات حول الآثار الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية لهذا السد على مصر، ورغم علمها بتعثر المفاوضات بسبب تشدد الجانب الإثيوبي".

ومن المقرر إنجاز السد في عام 2023 بحسب خطة أعلنتها إثيوبيا مؤخرا.

صورة من الإنشاءات الجارية في سد النهضة الإثيوبي مأخوذة في 26 سبتمبر 2019
صورة من الإنشاءات الجارية في سد النهضة الإثيوبي مأخوذة في 26 سبتمبر 2019

وينتظر المصريون ما ستفسر عنه جلسة محادثات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الأثيوبي أبيي أحمد في روسيا للتباحث حول سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا على النيل وتخشى القاهرة من تأثيره على حصتها من المياه.

وقال السيسي الأحد "اتفقت مع رئيس وزراء إثيوبيا أن نلتقي في موسكو حتى نتحدث في الموضوع (أزمة السد) ونتحرك للأمام حتى نحل هذه المسألة بشكل أو بآخر".

الحلول التي يطرحها الرئيس السيسي، بناء على تحليل الخبير المائي، قد تأتي بدورها بمشاكل تتطلب حلولا أخرى. ويبدو أن الخيارات المتاحة أمام مصر أحلاها مر، نظرا لتعقد قضية المياه وتشعبها.

ومن المتوقع حضور عديد من قادة الدول للقمة الروسية-الأفريقية المقرر انعقادها في مدينة سوتشي يومي 23 و24 أكتوبر.

وبدأت مصر منذ أبريل 2019 في تحرير مخالفات وغرامات فورية لمستخدمي مياه الشرب في غير الأغراض المخصصة لهها واستخدامها في ري الزراعات.

وفي يوليو الماضي أعلنت محافظة الوادي الجديد، عن قطع مياه الشرب وإلغاء الاشتراك لمواطنين لمخالفة استخدام مياه الشرب النقية في أغراض الزراعة.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG