Accessibility links

معارضو محافظ حُمص يدفعون الثمن


مشاهد الدمار في أحد أحياء مدينة حمص في صورة تعود للعام 2016

رستم محمود/

طوال السنة الأولى الثورة السورية، في وقت كان هناك كلام سياسي داخلي ما، فإن فئات غير قليلة من المجتمع السوري كانت تسعى لأن تجمع بين نفورها من الثورة السورية ورغبتها بتحطيمها، وبين أنماط من المعارضة الشكلية للنظام الحاكم.

كان هؤلاء يجتهدون في اختراع ما يعتبرونه "أُسّ الخراب" في سوريا. يتهمون مرة الحكومة السورية ويطالبون بتغييرها، ومرة أخرى يعتبرون طبقة رجال الأعمال هي جذر الفساد في البلاد، وثالثة يرمون الحق على المؤسسات الدينية، ورابعة على الأجهزة الأمنية...إلخ. فقد كان هؤلاء على استعداد نفسي وعقلي لإلحاق تُهم الفساد والشمولية السياسية بأي طرف، خلا رأس النظام السوري وعائلته، النواة الصلبة التي تتحكم بكل شيء في البلاد منذ قرابة نصف قرن، وتغيرت معها كل الأشياء لكنها بقيت وحيدة، إلى جوار الخراب.

من بين طيف الجهات المتهمة من قِبل هؤلاء، شكلت المطالبة الدائمة بتغيير محافظ مدينة حُمص السورية بعدا تراجيديا ساخرا. فطوال تلك السنة الاولى من الثورة السورية، وبينما كانت ثالث مدن البلاد، حُمص، تغرق في حرب أهلية وسياسية وطبقية شديدة القسوة، دُمرت معها أغلب أحياء ومعالم المدينة بسبب قصف قوات النظام السوري لها، فإن أعدادا غير قليلة من هؤلاء ظلوا في وسائل التواصل الاجتماعي وضمن سياق الكلام العام وفي الاطلالات الإعلامية، ظلوا يطالبون بتغيير المحافظ، معتبرين بأن ذلك التغيير هو "الحل" لمشاكل المحافظة، وربما البلاد!

كانوا يعتقدون مثلا بأن غول سلطوية النظام يمكن له أن يستمر إلى ما لا نهاية

شكلت تلك النزعة نموذجا صارخا لما يمكن أن يفعله المرء من مواربة ومخادعة، للذات وللآخرين. إذ كان هؤلاء يريدون من ملايين السوريين أن يقتنعوا بأن منصبا إداريا وتنفيذيا بالغ الهشاشة وقليل السلطة والفاعلية، مثل المحافظ، هو سبب البلاء العام، وأن يغمضوا بصرهم وبصيرتهم عن أمر شديد الوضوح والبيان، المتمثل بشمولية ووحشية ودور رأس النظام السوري ونواته الصلبة في الخراب العام الذي يلف البلاد في كل تفصيل، والذي كان وقتئذ يفعل كل شيء لوأد ثورة أهل مدينة حُمص.

في حقيقتها، كانت هذه الكتلة من المجتمع السوري مؤيدة للنظام السوري. لم تكن قليلة، يُمكن إحصائها ببضع آلاف من السوريين، كما كانت قوى المعارضة السورية تسعى لأن تخدع نفسها. كذلك فإنهم لم يكونوا كثيرين، يُعدون بالملايين، كما كانت تنشر دعاية النظام السوري.

كانوا مئات الآلاف من السوريين، الذين يؤيدون النظام لأسباب مختلفة، على رأسها الطائفية وتطابق أنماط العيش "المدني" بينهم وبين النظام، إلى جانب رهابها من قوى الإسلام الراديكالي وشعورهم بالتفوق الاجتماعي والثقافي على القواعد الاجتماعية الريفية والأكثر فقرا وهامشية في سوريا من أبناء الثورة. ومع كل ذلك، كان استيلاءهم على الحيز الأكبر من خير البلاد ومنابع ثروتها، بعدا تأسيسا لتلك الموالاة والمواقف.

بقيت هذه الطبقة الاجتماعية/السياسية لسنوات كثيرة، ربما حتى الآن، تُمني النفس بأن تغيرات هامشية وشكلية ما في بعض مراكز ومؤسسات النظام السوري، قد تُخمد مطالب ملايين السوريين بطلب الحرية والتمثيل السياسي في السلطة والمساواة الاقتصادية، وأن تجدد تلك التغيرات الشكلية من دم النظام وقدرته على تأمين المواقع والسلطات الامتيازية لهذه الطبقة على حساب غيرهم من السوريين.

اليوم، يرى أبناء هذه الطبقة، بالرغم مما يظهر من انتصار عسكري للنظام السوري، وأشكال الدعم منقطعة النظير التي تلقها من حلفائه الأوفياء، يرون كيف أن أشكال الخراب صارت تحيط بهم من كل حدب، تُهدد حتى قدرتهم على إتمام دورة حيواتهم العادية. يلاحظون كيف أنهم مثل باقي السوريين صاروا مخنوقين باليأس وسوء القدرة على الخروج من المأزق السوري الرهيب.

فقد هؤلاء من أبنائهم وذويهم ما لا يقل عما فقده الآخرون من السوريين، خسارة أحدثت حتى خللا في بنيتهم الديموغرافية وحلقاتهم الجيلية. إلى جانب تراجعت مستويات دخولهم العامة، التي صارت أقل من رُبع ما كانت عليه، كذلك صارت مجتمعاتهم محكومة بميليشيات عصاباتية ومُهيمن عليها من تجار الحرب وشبكاتهم الاحتكارية والتشبيحية.

طبعا فإن تراجع التعليم والخدمات العامة وأداء المؤسسات وتفشي المزيد من الفساد وأشكال التحطم الاجتماعي والقيمي، كنتائج مباشرة لهذه الحرب، كانت جميعا على حسابهم وأشكال حياتهم وفرص عيشها بسلام اجتماعي معقول مع مجاوريهم و"شركائهم" من ملايين السوريين.

طيف واسع من الأوهام المركبة قادت هذه الطبقة لأن تُشييد معتقداتها ومواقفها مما كان يجري في البلاد. كانوا يعتقدون مثلا بأن غول سلطوية النظام يمكن له أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن تكون طاقته السلطوية قادرة على تجاوز وتحطيم كل الصعاب التي قد تعارضها. لم يكونوا يتخيلون للحظة بأن "الهامشيين" وغير المرئيين من السوريين يمكن أن يطيحوا بكل شيء، وأن يعتبروا تغيير النظام السوري بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت.

شكلت المطالبة الدائمة بتغيير محافظ مدينة حُمص السورية بعدا تراجيديا ساخرا

كذلك كانوا يعتقدون بأن بلدا صغيرا ومركزيا وكثير التداخل مثل سوريا، يمكن لطبقة صغيرة من مجتمعه، مُنعمة ومركزية ومهيمنة، أن تتعايش مع ملايين السوريين الآخرين، المهمشين الفقراء والفاقدين لكل أشكال الأمان والثقة بالنفس، ودون أي صدام.

كانوا يعتقدون ذلك، حتى في وقت كانت تتفجر به مثل تلك التناقضات في كل حدب ودولة، قريبة من سوريا وبعيدة عنها، حتى أن ذلك التفجر صار لغة وديناميكية العصر في كل بلد، من التشيلي إلى هونغ كونغ، مرورا بمصر واليمن. ركنوا إلى شعوذة تقول بأن بلادهم وسلطتهم تملك كم الصفات التي يمكن عبرها تجاوز حركة ومسيرة التاريخ.

بالإضافة إلى هذين الوهمين كان يعتقد هذا النوع من المعارضين بأن طبقة النواة الصلبة من النظام، بجيشه وأجهزته الأمنية، تستطيع أن تحميهم وتدافع عنهم إلى الأبد، ودون أية خسارة. الأمر الذي حطمته الأحداث بعد شهور قليلة من اندلاع العنف. ولم تجاريها إلا خرافة وحدة الحال بين نواة النظام وأبناء هذه الطبقة، فالأولون، وبالرغم من كل شيء، ما يزالون ينعمون مع ذويهم بخيرات البلاد، وإن خارجه، تاركين أبناء هذه الطبقة ليدفعوا أثمان حرب النظام المفتوحة على معارضيه.

اقرأ للكاتب أيضا: "العشق الحرام" بين سُنة العراق وإقليمهم الخاص

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG