Accessibility links

معاناة الأكراد مع "الديمقراطية القمعية"


طفلتان من كردستان العراق تحملان العلم الكردي أثناء الاحتفال بالاستفتاء على الاستقلال عام 2017

رستم محمود/

في غابة الإجراءات والسياسات القمعية التي تتخذها العديد من دول المنطقة بحق الجماعة القومية الكردية وتطلعاتها، منذ قرن وحتى الآن، فإن ما يستحق أن يكون محل ملاحظة وتدقيق خلال العقد الأخير، هو التحول والتغيير الذي أصاب الديناميكية التي تستخدمها هذه الدول في تنفيذ إجراءاتها وسياساتها القمعية هذه، التي ظلت لعقود تُتخذ وتُنفذ عبر قبضة الجيوش وأقبية أجهزة الأمن وأدوات الأحزاب الشمولية، فصارت تطبق نفس المنهجية القمعية عبر برلمانات مُنتخبة ومحاكم دستورية وحكومات تمثيلية.

لو تقفى باحث أرشيفي ما أحوال الجماعة الكردية في هذه الدول، مع نظم الحكم في تركيا والعراق، وقوى المعارضة في كل من إيران سوريا، حيث تدعي جميعا بأنها ذات هوية وخيار ديمقراطي في علاقاتها مع الحقوق العامة لمجموع مواطنيها، فإنه سيرصد كتلة من الإجراءات التي تتخذها هذه الجهات بحق الجماعة الكردية وحقوقها، بشكل شهري وربما أسبوعي، وعبر آليات "ديمقراطية" تماما، بالذات عبر إجراء حق الأغلبية المنتخبة في الحكم.

خلال الشهر الجاري، عزل وزير الداخلية التركية رؤساء بلديات المدن الكردية الثلاث الأكبر في المناطق الكردية جنوب شرق البلاد، بعد أقل من أربعة أشهر على فوزهم الساحق في الانتخابات البلدية في مناطقهم، بتهمة الدعاية لحزب "إرهابي"، وعين الوزير التركي حكاما من حزبه الحاكم لهذه البلديات. وزير الداخلية التركي الذي هو جزء من حكومة حزب العدالة والتنمية، التي تحكم تركيا بطريقة "ديمقراطية"، عبر أغلبية برلمانية مطلقة.

كذلك فإن القضاء التركي طبق بحق رؤساء البلديات الكردية هذه وحزبهم المؤيد لحقوق الأكراد، طبق قانونا عاما شرعه هذا البرلمان المنتخب "ديمقراطيا"، قانون يعتبر كل من يكافح ويسعى لأن ينال أكراد تركيا حقوقهم القومية إنما يقدم دعاية وسندا لجهة "إرهابية". وعلى هذا الأساس ستتمكن الأجهزة التنفيذية في تركيا من اعتقال عشرات الآلاف من كوادر الحزب المؤيد لحقوق الأكراد، بما في ذلك زعيم الحزب صلاح الدين ديمرتاش، الذي حاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومن معتقله، على قرابة خمسة ملايين صوت. كذلك فأن هذا البرلمان "الديمقراطي" يستطيع أن يمنح السلطة الحاكمة "ديمقراطيا" أذونات بشن حروب مناهضة للأكراد في مختلف دول المنطقة، في سوريا والعراق، وطبعا في الداخل التركي.

من مثل تلك الإجراءات، ثمة سيل من السياسات والقرارات التي تتخذها المؤسسات والأجهزة التركية الحاكمة بحق الجماعة الكردية، وفي حقول التربية والتعليم إلى الاقتصاد والثقافة، وكلها عبر غطاء من الأجهزة والمؤسسات "الديمقراطية".

في العراق، ثمة الكثير من ذلك. إذ تشترط القوى السياسية العراقية جملة الشروط شديدة القسوة على الحكومة الاتحادية، تتخذها بحق إقليم كردستان العراق. كقطع سيطرته على أي من منافذه البرية والجوية، وتسليم مستخرجاته النفطية للحكومة الاتحادية، ورفض مشاركته في إدارة المناطق المتنازع عليها، والتزامه بسياسة العراق الخارجية، أيا كانت، والقبول بنفوذ مليشيات الحشد الشعبي وفروضها، وإلا فأنها –أي الحكومة الاتحادية العراقية المنبعثة من برلمان منتخب ديمقراطيا تملك فيه هذه الأحزاب أغلبية مطلقة- تهدد باتخاذ جملة من التدابير العقابية، كقطع حصة الإقليم الكردي من الميزانية الاتحادية وفرض حصار اقتصادي وسياسي عليه، كما كانت تفعل الحكومات السابقة.

قوى المعارضة السورية، التي تعتبر نفسها البديل الديمقراطي لنظام الأسد الشمولي، تختلف معه بكل شيء، لكنها متفقة معه تماما بأن أي نقاش بشأن أي شيء من الحقوق القومية للجماعة القومية الكردية في البلاد يجب أن يخضع لآلية وخيار وقرار الأغلبية، وألا يعترف الطرفان بأي شيء أنجزه الأكراد على الأرض، أو ما يجب أن يعتبر حقوقا مبدئية وغير خاضعة لآلية حكم الأغلبية. فالطرفان يستميتان للوصول إلى لحظة يكون فيه الحكم للأغلبية، ليكون قمع أية تطلعات كردية عبر ديناميكية "ديمقراطية".

مع قوى المعارضة الإيرانية ثمة ما هو متطابق مع ذلك. فهي تسعى لأن تحول نظام حكم البلاد من كونه نظاما ثيوقراطيا شيعيا طائفيا ذو مضمون قومي فارسي، ليكون نظام حكم قومي فارسي ذو مضمون شيعي طائفي. أي أن تسمح الآليات الانتخابية لها لأن تحرز الأغلبية البرلمانية، وتفرض وتكرس عبر البرلمان علنا، ما يفرضه نظام الملالي عبر الجيش والحرس الثوري.

ثمة ثلاث نقاط، واضحة المعالم، يمكن ملاحظتها في بنية هذه الأنظمة، بناء على ما تتخذه من إجراءات وسياسات تجاه الجماعة الكردية عبر ديناميكيات ومؤسسات "ديمقراطية".

فالوعي المستبطن من قِبل نخب وقادة التنظيمات السياسية التي تتحكم بهذه الأنظمة السياسية، إنما يعتبر بأن الديمقراطية تعني جوهريا حكم وسلطة الجماعة الأكثرية، عددا وقوة ومركزية. فهي في المحصلة لا تعطي أي اعتبار للهوية المواطنية والمدنية التي لأبناء الجماعات المختلفة من سكان البلاد، بل تعتبر وتتصرف على أساس أنه ثمة جماعة مركزية وأكثرية في البلاد، يجب أن تحكم. مقابلها أخرى هي أقلية قومية ومناطقية، يجب أن تُحكم. وأن الديمقراطية هي مجرد آلية لتحقيق ذلك التطلع الاستحواذي المستبطن في وعيها. فالأغلبية في رؤيتها هوياتية فحسب، وليست سياسية وإيديولوجية بأي شكل.

لا تملك ولا تعي هذه الأنظمة ونخبها ترسانة المنجزات القيمية التي تراكمت في المجتمعات التي أنتجت الأنظمة الديمقراطية، في جميع ميادين الإنسانيات، من فلسفة وعلم النفس والاجتماع والآداب والفنون. لذلك فإن تبنيها للمسألة الديمقراطية يشبه ما تبنته الكثير من الأنظمة السياسية للمسألة الاشتراكية، حيث كانت تسعى لأن تشيد أنظمة اشتراكية في دول ليس فيها عمال وفلاحون أو حتى أنماط اقتصادية شبيهة لما كان في الدول والمجتمعات التي أفرزت وبنت أنظمة اشتراكية ذات مضمون. لأجل ذلك، وكما تحولت الاشتراكية في الكثير من البلدان إلى مجرد آلية لحكم الأنظمة العسكرية والزعماء المطلقين، فإن الديمقراطية التي تبنى من دون منجزات مجتمعية متراكمة ومن دون ترسانة القيم التي انبعثت وتراكمت منها الديمقراطية الأوروبية منذ قرنين على الأقل، إنما تتحول في تجارب هذه الدول إلى مجرد عصا ناعمة لتحقيق نفس أهداف الأنظمة التي كانت تحمل عصا غليظة.

القوى السياسية ذات السطوة في هذه الأنظمة "الديمقراطية"، لا تمنح أية قيمة للحدود الموضوعية للسلطة العامة لأي نظام سياسي، وإن كان منتخبا عبر آليات وعمليات "ديمقراطية". فهذه القوى الحاكمة ونخبها، وطالما أنها تعتبر نفسها قد أتت عبر عمليات "ديمقراطية" فإنها مطلقة الحق والسلطة في اتخاذ ما تراه "مناسبا" ومؤاتيا لمصالحها، من دون أي اعتبار للحدود الموضوعية لأية سلطة عمومية، التي لا يمكن لها أن تتجاوز منظومة حقوق الإنسان والحريات العامة ومساواة المواطنين أمام القانون وفصل السلطات وتكاملها ومراقبتها لبعضها وواجبها في تفسير ووضع إجراءاتها وسلطاتها في خدمة الصالح العام. فهي لا ترى أية مشكلة في اتخاذ أي إجراء أو قرار قد يتنافى ويتجاوز كل تلك المحددات الموضوعية بحق خصومها السياسيين، وعلى رأسهم الجماعة الكردية، لأنها تتوهم في ذاتها بأن التفويض "الديمقراطية" الذي حصلت عليه من الشعب، أنما يمنحها سلطة مطلقة لاتخاذ كل ما تراه "صحيحا".

كانت الديمقراطية تاريخيا منجزا إنسانيا بسيطا، يفترض أن المجتمعات، وعلى اختلاف هوياتها وخياراتها الإيديولوجية، تستطيع تنظيم العلاقة فيما بينها، بحيث تتمكن أوسع قاعدة من أمة المواطنة التمتع بأوسع قدرة على الحكم، لكن كل تفصيل لما يجري في منطقتنا، يدل على أن قاعدة واحدة هي أساس كامل العلاقات بين أمة المواطنين وأطياف الجماعات في دول منطقتنا، قاعدة تقول: "القوة المحضة هي الحقيقة الوحيدة".

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG