Accessibility links

معترضون على عالم يتوحد بحضارته ويزداد سمارا


حدادا على ضحايا هجوم إل باسو

حسن منيمنة/

التحولات التي يشهدها عالم اليوم تجد الكثير من المعترضين عليها، والقليل من المدافعين عنها. غير أنه قد يكون من الخطأ الخلط بين ضوضاء المعارضة الصادحة والنجاح في التصدي للتوجهات المتحققة.

قد لا يروق للعديدين الإقرار بأن العالم، منذ منتصف القرن الماضي، وبأشكال متواصلة ومتصاعدة، يزداد اتحادا وحداثية في حضارته، ويزداد سمارا في لون بشرته. غير أن إنكار هذين التوجهين لن يبدّلهما، وإشهار المواقف القصوى المظهرة للعزم على القضاء على هذا وذاك منهما وفرض نقيضهما لا يبدو قادرا أن يتجاوز أضغاث الأحلام.

المسألة بحد ذاتها ليست "انتصار" طرف وهزيمة أطراف بقدر ما هي النجاح أو الفشل، موضعيا وآنيا، في إدارة التحولات بما يخفّف من وطأة وقوعها ويسمح بانسيابية في تحققها تخفّض من السلبيات العرضية الأكيدة، المقلقة والمؤلمة.

يسجّل للبابا فرنسيس أنه وقف عكس التيار الشعبوي في ترحيبه بالمهاجرين

وإذا كانت المنظومة الدولية، بمستوياتها الرسمية والمدنية في المرحلة الماضية، قد أخطأت في الإفراط وفي التقصير تباعا، في سعيها لاحتضان التحولات واستيعابها وأخطأت أيضا في افتراض الحتمية الخطية لها، فإن هذه المنظومة، بعد أن تبدلت في قياداتها نتيجة ردود فعل رافضة من قواعد عدة إزاء السلبي من النتائج للتحولات، لا تقدم بدورها الرؤية الناجعة بشأن إدارة وافية لما يجري على المستويين المتداخلين، بل تزعم وحسب، في استجابة للمطالب الشعبوية، قدرة ليست لها على تبديل المنحى الحاصل. وعلى رغم من هذه المزايدات الشعبوية، فإن العالم ما زال يزداد اتحادا وحداثية في حضارته وسمارا في لون بشرته.

والحديث عن الاتحاد والحداثة في الحضارة لا يعني التوافق على مضمونها، بل هو الاشتراك في طرح أسئلتها، وإن تعددت الإجابات وأشكال الحلول المقترحة والمعتمدة.

السجال الحضاري جدلي وتراكمي، دون أن يكون هذا الطابع منفذا للزعم أن الحضارة المتحققة اليوم إلى حد اتحاد غير مسبوق على مستوى العالم ككل، هي وليدة مساهمات "متساوية"، بل هي حضارة غربية حداثية في صلبها، ماديا بالتأكيد ومعنويا بالتوكيد المكرر، وإن ساء هذا الوصف الوقائعي لمن يرى فيه طعنا بقناعته حول أولويته وأعلويته.

في الشرق الذي أتاه الغرب فاتحا قبل زهاء القرنين، صاحَب إدراك التقدم الغربي والسعي الحثيث إلى اعتماده استدعاء وترقية للدين من شكله المُعاش التفاوضي، والذي يضيق ويستع، ويطفو ويعمق، وفق الزمان والمكان، إلى صيغة جامدة مرجعية نظرية، كانت موجودة بالفعل ولكن مقتصرة فعليا على المؤسسة العلمائية وحسب، لفرض مقولة أن الدين الإسلامي كامل شامل وأنه البديل عن الحضارة الوافدة.

بل هو وهي من منهل واحد ابتداءً. فمهما سعى المتمسكون بإخراج الدين من التاريخ والحديث عن نزول غيبي له يقطع مع ما سبق، فإن الدين، بشهادة نصوصه، ودون تعارض لازم مع المقتضى الإيماني لأتباعه، يندرج في إطار تفاعل حضاري استقى منه كل من "الشرق" الإسلامي و "الغرب" المسيحي وما بعد المسيحي مقوماته الفكرية والمجتمعية.

والمفارقة، والتي لن تروق للصفين الفكريين المتواجهين اليوم هي أن الجميع "حداثيون". بل الحداثة، بما أرسته من نظم وأظهرته من مفاهيم قائمة وإن كامنة بأمسها، أضحت صفة لازمة لا يمكن التنصل منها. فالارتقاء بالإسلام إلى صيغة النظام الكامل المتجانس، تهذيبا وتشذيبا، هو من الحداثة (وعليه لا بد من الإشارة، المستفزة دون سوء نية، إلى "حداثة" ابن تيمية)، كما أن إدراك اقتصار الدين على جوانب وتوقّفه عند أخرى، هو أيضا من الحداثة.

وإذا كان النتاج المعنوي لعصر الأنوار منذ قرنين ونيف هو في انتقاله بمفاهيم الحرية والمساواة من الفطرة والحدس إلى البيان والبرهان، فإن التسلح بالدين النصي العلمائي لدى النخب الشرقية للمحافظة على مرجعيتها قد وضع الإسلام، كما جرت إعادة صياغته، في مواجهة زائفة مع الحداثة لدى كل ما عانى من التبعات السلبية لتوجه الاتحاد الحضاري المتصاعد. فإسلام اليوم في معظم تجلياته الواعية قد أُلبس ثباتا وهميا لم يكن له على مدى تاريخه، مع ما يتحتم من جراء ذلك من تكفير أو تسفيه أو تخطئة لهذا التاريخ بجملته والاقتصار للقياس المزعوم عند الحد الأقصى على فصول صنمية قليلة من صدر الإسلام، شرط عدم التمعن بمضمونها كي لا تتهاوى.

ومع هذا الثبات القسري، أمسى الدين بالفعل بمواجهة الحرية والمساواة، أي أصبح لزاما على المفكرين المسلمين معالجة التناقض في نظمهم الفكرية عند إعلانهم الإسلام دينا مناسبا لكل مكان وزمان، دون تأصيلهم لحقوق لم تجترحها الحداثة، بل أخرجتها وحسب لدى الناس عامة من الضمني إلى الصريح: من حرية المعتقد والقول، بما في ذلك المجاهرة بترك الدين، إلى المساواة بين الرجال والنساء، وبين المسلمين وغيرهم.

وخصوصية الحركة الإسلامية المعاصرة، ولا سيما في شقّها الجهادي، هي أنها تشهر الاعتراض العلني الأقوى عالميا إزاء التوجه المتحقق نحو الاتحاد في الحضارة العالمية المؤطرة بالحداثة الغربية، دون أن تتمكن في واقع الحال من الخروج الفعلي من هذا الإطار، ودون أن تأتي بالجديد القادر على التصدي الفاعل لهذا التوجه. شأنها وحسب أنها تعرقل إمكانيات الاستيعاب الهادئ للتحولات المتحققة في مجتمعاتها وفي العالم ككل، وإن على حساب الدين الذي تعلن التزامه والذود عنه، بما يطاله من تسطيح وما يتعرض له من نفور.

أسوأ ما يجتمع عليه الفريقان هو إسقاط عصمة النفس الإنسانية عن غير جماعتهم

ولا تختلف الحركة القومية البيضاء في الدول الغربية عن الحركة الإسلامية الجهادية في محدودية أفق معارضتها للتحولات المتحققة. بل تتماهى الحركتان في أساليب حراكهما، كما في أوهام انتصاراتها الموعودة. أستاذية الحركة الإسلامية وخلافتها، في آمالها التعويضية المفتقدة للواقعية، تحيط خارطة العالم أجمع بلونها الأسود أو الأخضر، واعدة ومتوعدة باستئصال الكفر وإخضاع الكفار. أما الطموحات القومية البيضاء، بأعلامها الملتبسة المشتقة من تجارب عنصرية وانفصالية ماضية، فتكتفي بزعم الملكية والحصرية للأقدار المفيدة الثرية و "الراقية" من شمالي الكوكب وجنوبيه، تاركة ما عداها من مناطق صحراوية وأدغالية لشعوب الطين المتخلفة. الحركة القومية البيضاء غير قادرة بدورها على إيقاف الاسمرار المتصاعد في مجتمعاتها، وحالات القتل المتكررة للمهاجرين لن تبدل من واقع أن المجتمعات الغربية تسير نحو الانكماش السكاني، في مقابل انفلاش لا قدرة للمجتمعات عند جنوبها على استيعابه. فالحروب والضيقة المالية هي دون شك من دوافع حركة الهجرة باتجاه الغرب، غير أن العامل الأول هو التفاوت في شكل الهرم السكاني بين الجانبين والمقتضيات الاقتصادية والمجتمعية لهذا التفاوت.

أسوأ ما يجتمع عليه الفريقان، الجهاديون الإسلاميون والقوميون البيض، هو إسقاط عصمة النفس الإنسانية عن غير جماعتهم، وإباحة قتل من عداهم، أو حتى اعتباره فعلا محمودا أو واجبا في سبيل استعادة أمجاد ماضية واهمة. الماضي عندهم لا يُساءل ولا يُنقد، بل يُرفع ويُعبد. أما تفسير الاختلاف الناتج بين عظمة الماضي الموهوم والحاضر المشؤوم، فهو هنا وهنالك بالحديث عن مؤامرة يحيكها "العدو" بهدف التذويب. الإسلام معرّض لهجمة شرسة تريد إزالته من نفوس أبنائه، والعرق الأبيض معرّض لمكيدة ماكرة تهدف إلى تلويث نسله وإفنائه.

المفارقة الأخرى هنا هي أنهم معا صادقون في بعض أوجه توقعاتهم، غير أن التذويب ليس وليد مؤامرة (يستسهل هؤلاء وأولئك إدراج اليهود فيها)، بل هو النتيجة التلقائية للتجميد الاعتباطي المعتمد في قراءاتهم. فالإسلاميون الجهاديون قد استنبطوا من الموروث الديني صيغة حداثية شمولية فتّاكة، هي وليدة عصرها رغم الزعم التقريري بإطلاقيتها، ثم ساءهم بأن حركة التاريخ السائلة لا ترضخ لجمادهم. والقوميون البيض، على ما هم عليه من نسل مرّكب من شعوب على تفاوت في بياضها وسمرتها ودكانتها، أرادوا ثباتا لعرقهم المزعوم بحالته الآنية، متناقضا مع استمرار التداخل المستمر بين الشعوب والقبائل، ثم هالهم أن المتحول الذي ادعوا له الثبات مثابر على التحول.

المفارقة، والتي لن تروق للصفين الفكريين المتواجهين اليوم هي أن الجميع "حداثيون"

فالمراجعة الموضوعية للوقائع التي حصلت خلال العقود الماضية، والاستقراء المنطقي للتطورات المتوقعة بناءً على المعطيات المتوفرة اليوم، يتفقان في الإشارة إلى تواصل التوجه إلى المزيد من الالتقاء الحضاري الحداثي بين كافة المجتمعات، وإلى المزيد من الاختلاط السكاني نحو اسمرار العرق الإنساني ككل، على مدى هذا القرن. والأصحّ بناءً عليه أنه لا جدوى من إنكار الحاصل، ولا منفعة في الانغماس في أوهام المنع والإيقاف. بل رغم الضجة الشعبوية التي تنتج التعبئة الانتخابية وحسب، ورغم الحركات المعترضة التي لا تحقق إلا الموت والألم، فالسبيل الأنجع هو السعي إلى التأطير البنّاء لهذه التحولات بما يفي المصالح العامة ويراعي الاعتبارات الخاصة.

يسجّل للبابا فرنسيس اليوم أنه، في موقف نادر من الزعماء الروحيين والعلمانيين، وقف عكس التيار الشعبوي في ترحيبه بالمهاجرين. كما يسجّل للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل شجاعة ورؤية، بالإضافة إلى وعي لمصلحة بلادها وقراءتها البعيدة المدى، في استقبالها لمئات الألوف من اللاجئين. وبعض القيادات العربية، وإن كانت غارقة بإنكار الحقوق، قد أظهرت من خلال طروحاتها المستقبلية قدرا من التفهم للحاجة إلى استيعاب الحداثة الغربية المنشأ، ولكن بالاقتضاب الكفيل بعدم تحدي ما هي عليه من سلطوية.

فالحاجة اليوم قائمة لريادة فكرية عالمية لا تتعامل مع التحولات الحاصلة على أنها آفات لا بد منها، بل على أنها الوجه الخلاق للحياة الإنسانية في مرحلتها المقبلة، حضارة من مجتمعات حرة تتعارف وتتساوى، وعرق بشري واحد يتعاضد بأصوله وأشكاله المتعددة.

اقرأ للكاتب أيضا: الحراك الانفصالي في الجنوب اليمني: نتيجة طبيعية لتراكم الاستهتار

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG