Accessibility links

مفاوضات سد النهضة: رؤية مصرية


محمود فاروق/

في السادس من نوفمبر، أصدر وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشن ووزراء خارجية مصر وأثيوبيا والسودان بيانا مشتركا أكدوا فيه على التزامهم "بالتوصل إلى اتفاق شامل وتعاوني ومرن ومستدام ومتبادل المنفعة بشأن ملء وتشغيل «سد النهضة الإثيوبي الكبير»" بحلول 15 يناير.

وجاء هذا البيان، الذي حمل أيضا توقيع رئيس "البنك الدولي"، في ختام الاجتماع المتعدد الأطراف الذي عُقد الأسبوع الماضي في واشنطن، وتعهّد فيه الوزراء بالمشاركة في المزيد من الاجتماعات في 9 و 13 ديسمبر لتقييم التقدم المحرز.

ومع استمرار المناقشات، تتوفر أمام الولايات المتحدة دواعٍ كافية لمواصلة حث الأطراف على التوصل إلى خاتمة قابلة للتطبيق. ومن شأن التراجع خطوة إلى الوراء في الخلاف المصري ـ الأثيوبي أن يعطي الخصوم الجيوسياسيين، مثل روسيا، فرصة لتأدية دور أكبر في هذه المسألة.

وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تندلع حرب في الوقت الحالي، إلا أن أي اندلاع لأعمال قتال بين هذين البلدين الأفريقيين الرئيسيين في وقت ما في المستقبل سيعرّض عشرات الملايين من المدنيين للخطر ويهدّد طريق التجارة الدولية الحيوية عبر قناة السويس وعلى طول القرن الأفريقي.

نقاط الخلاف

في 22 أكتوبر، أي بعد أقل من أسبوعين من استلام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جائزة نوبل للسلام، ادّعى آبي أنه "لا توجد قوة يمكن أن تمنع" بلاده من إكمال بناء "سد النهضة" (المعروف أيضا بـ "سد النهضة الإثيوبي الكبير") على طول نهر النيل. وأضاف أنه قادر على "تأمين الملايين" في حال نشوب حرب مع مصر حول خطة بناء السد، والتي لطالما كانت مصدر خلاف بسبب تأثيراتها المتوقعة على إمكانية الحصول على المياه، والزراعة المحلية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة.

ومن جانبه، يبدو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ملتزم بتجنب النزاع، ووصف آبي بأنه "رجل سلام" وطلب من الحكومة الأميركية والاتحاد الأوروبي التوسط في القضية. وتمثّل رد البيت الأبيض في البداية بالطلب من البلدين ومن جارهما السودان مواصلة التفاوض بحسن نية، ثم دعاهم إلى واشنطن لإجراء محادثات مباشرة. وعبّر الاتحاد الأوروبي عن استعداده للتوسط أيضا.

سيتم تدمير 17 في المئة من الأراضي الزراعية في مصر إذا ملأت إثيوبيا الخزان خلال ست سنوات

في عام 2011، وصل النزاع حول مياه النيل إلى ذروته عندما بدأت الحكومة السابقة في إثيوبيا في بناء السد لتوفير المزيد من الكهرباء لسكانها البالغ عددهم حوالي 105 مليون نسمة.

وعلى الرغم من بدء الخطة منذ عقود، ومواجهتها العديد من التأخير في الميزانية والبناء في السنوات الأخيرة، إلا أن رؤية العمال يقومون بأعمالهم قد دقّ أجراس الإنذار في مصر، التي يتسبب تزايد عدد سكانها بسرعة وسوء سجل إدارة المياه إلى قيام ضرورة ملحة للحفاظ على المنسوب الشمالي لنهر النيل.

ومنذ ذلك الحين، تحاول مصر التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن القضية الأكثر تأثيرا على المشروع، وهي: الوقت المخصص لملء خزان السد الضخم. فمصر تريد أن تكون وتيرة التعبئة بطيئة بدرجة كافية لتفادي أي نقص كبير في إمدادات المياه، بينما تريد أثيوبيا تسريع إمكانية وصولها إلى مصدر جديد للطاقة قادر على إحداث ثورة في إمكانياتها. وعلى وجه التحديد، تأمل إثيوبيا في ملء الخزان في غضون ثلاث سنوات، بينما تطلب القاهرة سبع سنوات.

وحتى هذا المعدل البطيء سيهدد بشكل خطير وضع المياه المرير بالفعل في مصر.

فقد توقعت دراسة نشرتها "الجمعية الجيولوجية الأميركية" في مايو 2017 أن تعاني مصر من نقص بنسبة 25 في المئة في حصتها السنوية من المياه إذا امتلأ الخزان خلال فترة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات. ووجدت الدراسة نفسها أن مثل هذا النقص سيشكل "خطرا كبيرا على الدلتا المصرية"، التي تقع على ارتفاع متر واحد فقط فوق مستوى سطح البحر.

بالإضافة إلى ذلك، ووفقا لتقرير وكالة "رويترز" من أبريل 2018، سيتم تدمير 17 في المئة من الأراضي الزراعية في مصر إذا ملأت إثيوبيا الخزان خلال ست سنوات؛ وترتفع هذه النسبة إلى 51 بالمئة إذا زاد المعدل إلى ثلاث سنوات.

وبعد فشل المفاوضات المباشرة التي دامت أربع سنوات، التمس الرئيس السيسي الشهر الماضي الوساطة الخارجية في هذا الشأن وفي قضايا أخرى، وهذا خيار تجيزه المادة العاشرة من "اتفاق إعلان المبادئ" الموقع من قبل البلدين والسودان في الخرطوم في عام 2015.

وعلى الرغم من موافقة أثيوبيا في النهاية على إجراء محادثات بوساطة أميركية، إلا أن سياستها منذ عام 2015 تمثّلت بالاستمرار في بناء السد دون الاهتمام الجاد بالطلبات المصرية فيما يتعلق بوتيرة ملئه، أو مخاوف بشأن السلامة، أو نسب المياه.

وطرحت القاهرة ما لا يقل عن أربعة عروض واقترحت إشراك "البنك الدولي" لكي يُقدّم المشورة التقنية حول القضايا البيئية والاقتصادية. كما عرضت اقتطاع 15 مليار من أصل 55 مليار متر مكعب من منسوبها السنوي من مياه النيل، وهو معدل الاستخدام الذي حددته الدولتان استنادا إلى اتفاقية تعود لعام 1929.

وعندما فشلت تلك الجهود، أوصت مصر بالتماس الوساطة من أحد الأطراف المتعددة، بما فيها الصين وروسيا. وحتى سبتمبر الماضي خلال انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أدّى رفض إثيوبيا المتكرر إلى دفع السيسي إلى التحذير من أنه "لن يتم تشغيل السد بفرض الأمر الواقع"، مما يجعل محادثات واشنطن ضرورية.

سيناريوهات محتملة

إذا واصلت واشنطن وساطتها ومنحت القضية الاهتمام المناسب، فبإمكانها المساعدة في تجنب الأعمال العدائية في بقعة حيوية من أفريقيا مع الحفاظ على التدفق السلس للتجارة الدولية. ومع ذلك، فإذا أساءت التعامل مع هذا الأمر أو تركت الأطراف بمفردها من جديد، فثمة أطراف ثالثة بديلة تنتظر في الظل لتحقيق أجندة تتعارض مع تلك الأميركية.

وفي الشهر الماضي، تحدث رئيس الوزراء آبي والرئيس السيسي في سوتشي على هامش "القمة الافتتاحية روسيا ـ أفريقيا" التي سلطت الضوء على الدور المتنامي الذي ترغب موسكو في تأديته في أفريقيا. ولن يؤدي أي نزاع مسلح كبير في القارة إلا إلى تسهيل هذا الهدف.

الأهمية الماسة لقضايا المياه يمكن أن تدفع الناس إلى الشوارع

ولا يمكن استبعاد احتمال قيام مثل هذه الأعمال العدائية إذا تعثرت الوساطة الأميركية. وقد يكون القيام بعمل عسكري خيارا صعبا بالنسبة للقاهرة، خيار له عواقب وخيمة على البلد بأسره، لكن الحكومة لا يمكنها ببساطة التغلب على أزمة مياه واسعة النطاق. فمصر هي لا شيء بدون النيل ـ والنقص الحاد الذي ينطوي عليه أي ملء سريع لخزان "النهضة" سيؤدي إلى اضطراب اجتماعي واقتصادي شديد لملايين المواطنين المصريين وللأعمال التجارية.

ويقينا، لم يَذكر أي مسؤول مصري حالي إمكانية استخدام القوة، كما أكد السيسي مرارا وتكرارا أنه يدعم حق إثيوبيا في التنمية دون إلحاق ضرر جسيم بإمدادات المياه إلى مصر. ومع ذلك، تشير نبرة وسائل الإعلام المصرية ـ التي تعكس عادة مواقف الحكومة بشأن القضايا الأخرى ـ إلى تزايد المطالبات بالتحرك.

يجب على أثيوبيا والأطراف الثالثة الوسيطة أن يضعوا في اعتبارهم أن القادة المصريين السابقين وقادة الجيش أعلنوا طوعا استعدادهم للحرب من أجل حماية حصة بلادهم من المياه. وبينما تأمل الحكومة الحالية في تجنب الحرب وربما تفتقر إلى القدرة العسكرية على خوض الحرب، فإن الأهمية الماسة لقضايا المياه يمكن أن تدفع الناس إلى الشوارع على الرغم من ضيق قنوات الاحتجاج المتاحة لهم.

محمود فاروق هو محلل قانوني وسياسي، والمدير التنفيذي السابق لـ "المركز المصري لدراسات السياسات العامة".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG