Accessibility links

مفاوضات سد النهضة.. مواقف الخرطوم والخيارات المتاحة


تقدم عمليات الإنشاء في سد النهضة الإثيوبي

انتقد خبراء في مجال المياه مواقف السودان السابقة في مفاوضات سد النهضة مع مصر وإثيوبيا، وقالوا إنها اتسمت في كثير من الأحيان بالمراوغة السياسية أكثر من كونها مواقف فنية تخدم مصالح البلاد الاستراتيجية في مجال الأمن المائي.

وحذر الخبراء من استمرار الحكومة السودانية الجديدة بقيادة عبد الله حمدوك في النهج ذاته، بالنظر إلى "الضرر" الذي قد تلحقه بحقوق السودان المائية.

وتسعى القاهرة منذ سنوات إلى حل أزمة السد، الذي بدأت أعماله في 2012 بكلفة اربعة مليارات دولار، من خلال مباحثات مع الخرطوم وأديس ابابا، لكن التوصل لاتفاق متعذر حتى الساعة.

وتعتمد مصر على مياه النيل للشرب والري وتقول إن "لها حقوقا تاريخية" في النهر بموجب اتفاقيتي 1929 و 1959 التي تعطيها 87 في المئة من مياه النيل وحق الموافقة على مشاريع الري في دول المنبع.

وتخشى القاهرة تأثير السد على منسوب النهر الذي تعتمد عليه بنسبة تتجاوز 95 في المئة لتأمين حاجاتها من المياه.

يقول الخبير الاستراتيجي في شؤون المياه أحمد المفتي لموقع الحرة إن مواقف السودان المائية في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير كانت "مستنيرة ومتوازنة" حتى عام 2011 لكن بعد ذلك تبدلت "جملة وتفصيلا. "السودان أصبح يجامل ويتعامل كوسيط وليس كشريك في قضية قومية، المواقف أصبحت تفتقر للشفافية وتعلو عليها التوجهات السياسية" يضيف المفتي.

أما البروفسور تاج السر، خبير المياه السابق بمنظمة اليونسكو، فيرى أن مفاوضات السودان حول سد النهضة في السنوات الأخيرة من عهد البشير كانت "سلبية تستند إلى تكتيكات سياسية ولا تنطلق من ثوابت فنية" موضحا أنها كانت "تارة مع مصر وتارة مع إثيوبيا، وهذا ما ضيع هوية السودان" مع أنه دولة ممر ومصب ومنبع (قبل انفصال الجنوب).

وانتقد المفتي نقل تفويض مفاوضات سد النهضة من وزارة الري إلى وحدة السدود وقال "وزارة الري مخزن خبرات وأي استبعاد لكوادر منها في المفاوضات كان قرارا خاطئا".

حكومة حمدوك

يرى المفتي أن الحكومة الجديدة بقيادة حمدوك تسير في ذات اتجاه حكومة البشير السابقة، كما اتضح من نتائج اجتماعات سد النهضة الأخيرة بالقاهرة وما تلاها من اجتماعات للجنة الفنية المشتركة ووزراء الري في الخرطوم.

وينصح المفتي حكومة حمدوك بعقد اجتماع عاجل لمجلس السيادة ومجلس الوزراء وإشراك خبراء لإعادة النظر في الموقف السوداني من سد النهضة على أساس أبعاد فنية وسايسية وأمنية. ويضيف "لابد من بلورة استراتيجية جديدة واضحة المعالم" تخدم مصالح السودان دون الإضرار بمصالح الدول الأخرى المعنية.

لكن تاج السر قال إن من السابق لأوانه الحكم على حكومة حمدوك، قبل أن يستدرك قائلا "حمدوك رجل أكاديمي وله باع طويل في العمل الإقليمي والدولي، ولذلك أنا متفائل، عليه تشكيل وفد ذي كفاءة لتقييم ومراجعة كل الخطوات السابقة بسد النهضة. ويقيني أن هناك نقاط ضعف لا بد من تصحيحها".

ويوم السبت كشفت تقارير عن فشل المفاوضات حول سد النهضة في الخرطوم.

ولم يبد المفتي استغرابه من تلك النتيجة وقال لموقع الحرة "النتائج الحالية لمفاوضات السد هي فشل كبير لمصر والسودان، لكن بالنسبه لإثيوبيا فقد حققت نتائجها مئة في المئة".

وفيما دافع تاج السر عن حق الإثيوبيين في بناء سد النهضة، قال لموقع الحرة "الإثيوبيون أخطأوا لأنهم لم يتفاوضوا بالشكل الكافي مع مصر والسودان قبل البدء في إنشاء السد.. لكن إقامة السد حق مكفول لهم".

والمفتي كان عضوا بوفد التفاوض الحكومي السوداني في مفاوضات حوض النيل ومستشاره القانوني من عام 1994 إلى 2011.

وحذر المفتي من مواصلة اجتماعات اللجنة الفنية وقال إن "اللجان الفنية المشتركة هذه هي التي دفعتني إلى الانسحاب من مفاوضات سد النهضة". وأضاف "الخطأ الكبير الذي وقع فيه وفدا السودان ومصر هو الموافقة على إنشاء هذه اللجان ومناقشة الدراسات في الإطار الفني، بعد البدء في إنشاء سد النهضة".

الخلافات

المعروف أن نصيب السودان من مياه النيل بحسب اتفاقية حوض النيل يقدر بـ 18.5 مليار متر مكعب، مقارنة بنحو 30 مليارا لمصر.

وتتمركز الخلافات الرئيسية بين مصر وإثيوبيا في ملء وتشغيل السد إلى جانب خلافات أخرى أقل أهمية مثل ملكية السد وإدارته.

وتتحدث إثيويبا عن ضرورة ملء السد في غضون ثلاث سنوات، فيما تصر مصر على ملئه في سبع سنوات، "أما السودان فلم يحدد موقفه بعد"، بحسب المفتي.

ووقع قادة مصر والسودان وإثيوبيا في مارس 2015 اتفاق مبادئ يلزمهم التوصل إلى توافق من خلال التعاون فيما يتعلق بالسد.

وحسب المفتى، حتى المبادئ التي تم الاتفاق عليها في الاتفاق كانت مجحفة "لأنها غير ملزمة لإثيوبيا، خاصة ما يتعلق بتزويد السودان بالكهرباء وبأسعار تفضيلية".

المخاطر

من المخاطر الأساسية التي قد تطال السودان ومصر جراء سد النهضة، تراجع حصة الدولتين مع ملء السد.

ومن المخاطر الأخرى، التي قد تنجم عن بناء السد، حدوث فيضانات وحجز الطمي.

ما الخيارات المتاحة أمام مصر والسودان؟

يحذر خبراء من أن استمرار المفاوضات حول سد النهضة بشكلها الحالي هو محاولة لإلهاء السودان ومصر إلى حين الفراغ من إنشاء السد.

ويرى المفتي أن وقف مصر والسودان المفاوضات الحالية هو الخيار الأمثل للضغط على إثيوبيا بعدما "تنكرت لحقوق البلدين المعترف بها دوليا".

"وقف المفاوضات سوف يثير اهتمام المجتمع الدولي حتى لو واصلت إثيوبيا عمليات الإنشاء، هذا عامل ضغط قوي جدا"، يقول المفتي.

الخيار الثاني بحسب المفتي هو إدخال المجتمع الدولي كوسيط في المفاوضات.

ويستشهد المفتى بما حدث في "اتفاقية عنتبي" الأوغندية حينما اصطفت مصر والسودان في جانب وبقية دول الحوض في جانب آخر.

لكن الخبير الدولي تاج السر يرى أن حل الخلاف في إطار المنظومة الإفريقية، إن تطلب الأمر، أفضل للمنطقة، "التدويل ليس في الصالح".

وفي حال فشل هذه الخيارات، بمقدور الطرف المتضرر تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي.

وأعلنت مصر يوم السبت أن مفاوضات سد النهضة في الخرطوم وصلت إلى طريق مسدود.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن "الدولة المصرية بكل مؤسساتها ملتزمة بحماية الحقوق المائية في مياه النيل".

وتعطل بناء سد النهضة مرارا، ولم يحدّد تاريخ لإنجازه، بعد أن كان مفترضا الانتهاء منه منتصف العام الماضي.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG