Accessibility links

مناطق مكشوفة


من اعتصام في بيروت احتجاجا على العنصرية ضد السوريين

د. ابتهال الخطيب/

نعيشها كل يوم، نراها حولنا في قوالب جاهزة نحفظها، نشهد تغلغلها وانتشارها السريع، كأنها ورم سرطاني في آخر مراحله، ينتفخ ويتضخم ليقتل صاحبه ويقتل نفسه معه.

نستشعرها في الكلمات، في اللفتات، في المزحات الثقيلة، في الملبس والمظهر، شبكة عنكبوت هي تتمدد بهدوء وضراوة، تبشر عن نفسها بخيوطها التي تنغزل فوق معظم مظاهر حيواتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والروحانية، مرض يصيب العقل عدواه خارقة السرعة تنتقل مع رذاذ الكلمات وانعكاسات الأشعة على العيون، عطانة تملأ الهواء وتُخَضّر الماء وتدهن كل ما حولنا بدهان رطب لزج مثير للغثيان، حالة ساقطة أخلاقيا وبيولوجيا نعيشها، نتنفسها، نحملها أمراضا كامنة قد تظهر في أجيال لاحقة، قدر جنسنا الذي لا مفر منه: إنها العنصرية.

حين يتآمر عليك من يفترض عليه أن يحميك، لا يبق لك شيء تثق به أو تعتمد عليه

وللعنصرية أوجه كثيرة منها ما يعتقد أنها ذات وزن خفيف، كأن تستهزئ مزاحا حول الجنسيات الأخرى أو تعطي تسميات تحقيرية لها، وصولا إلى ذات الوزن الأثقل والأكثر رعبا، حين تنضم لمجتمعك في قهر فئة معينة وفي تعزيز القراءة النمطية لها وبالتالي غرس الكراهية العميقة تجاهها وتشجيع العنف اللفظي والجسدي في التعامل معها.

وللعنصرية آثار كثيرة تبدأ بأذى نفسي وتغريب مجتمعي وتصل إلى تهديد حياتي حقيقي جسدي ومعيشي وكراماتي، حين ينهش وحش العنصرية لحم حياتك بأنياب مسنونة لا ترحم ليغرسها في لونك، جنسك، طبقتك الاجتماعية، امتدادك العرقي، وغيرها من تلك المناطق المكشوفة في حياتك والتي لا يد لك فيها ولا إرادة لك في صنعها.

لا زلت في منتصف مشاهدة مسلسل 'When They See US' الذي يحكي قصة تلفيق شرطة نيويورك في ثمانينيات القرن الماضي تهمة الاغتصاب لخمسة أطفال سود، أطفال تتراوح أعمارهم بين الأربع عشرة والست عشرة سنة، ليخسروا، ليس فقط سنوات أعمارهم، ولكن حيواتهم اللاحقة وأرواحهم وإيمانهم بالحياة.

أحالتني القضية التي يستعرضها المسلسل إلى كل عنصريات مجتمعاتنا العربية تحديدا، ذكرتني بامتداد زمن عيشنا في جوها الحمضي الحارق الذي حرق نفوسنا وأذاب مشاعرنا ليبقى منا فقط قطعة حديد صدئة لا تستشعر آلام الآخرين ولا تتواصل ومعاناتهم وأحزانهم.

اليوم، وعلى كثرة ما مررنا به من تجارب في هذه المنطقة الشرق أوسطية المنكوبة، تمكنت عنصرياتنا منا أكثر من أي وقت مضى، انقلبنا على بعضنا حين انقلبت الدنيا علينا: السوريون يهجرون من بلدهم فنصدهم عن بلداننا؛ الفلسطينيون يطردون من بيوتهم فنطبع مع إسرائيل؛ الوافدون يملؤون دولنا الخليجية لتغطية فراغات العمل وللإمعان في تدليل مواطني هذه الدول الثرية فنضطهدهم ونلاحقهم و"نسفرهم" لأهون الأسباب؛ المسيحيون، الذين كانوا ذات زمن الأغلبية العظمى في معظم الدول الشرق أوسطية، يهجرون وينكل بهم؛ النساء تتكلم فتسجن وتعذب وتغتصب؛ الناس تختار في محيطها الخاص فتحاسب على اختياراتها الشخصية، على مظهرها، على ما تأتي في غرف نومها وفي حياتها الخاصة؛ الناس تحاسب على القرارات القدرية التي لا يد لها فيها، على ما ولدت ووجدت نفسها عليه، على صيغ حياة صنعتها الظروف ولا اختيار لهم في تشكيلها مطلقا.

أتى المسلسل على الجرح، على موضوع عديمي الجنسية الذي أعمل فيه الآن لما يزيد عن الثلاث عشرة سنة، لتتوازى الصور وتتشابه المؤامرات وتتفق العنصرية على ضحاياها الذين هم في المسلسل كما هم في واقع الحياة من حولنا.

ذكرني تآمر الشرطة الأميركية على الفتيان الخمس بتآمر العديد من الحكومات العالمية والمحلية، منها طبعا الحالة الأشهر لتآمر حكومة ميانمار ضد الروهينغا وصولا إلى الحالات الأكثر صعوبة مثل حالات قمع عديمي الجنسية في دول الخليج، هذه القضية التي يسود جنباتها الصمت التام والتي يختفي المناضلون فيها دون أثر تقريبا عدا في دولة الكويت، هذه التي يرتفع فيها صوت القضية بفضل ديموقراطيتها وحريتها الصحفية واتساع نطاق حرية الرأي فيها، والتي بدورها هي مفاهيم باتت مهددة مؤخرا في الكويت مثلما هي مهددة في أنحاء العالم.

ماذا يحدث حين تتآمر عليك شرطتك وحكومتك؟ ماذا يحدث حين يسرقك من يفترض أن يحميك، حين يضطهدك من يفترض أن يؤمن حقك، حين يورطك ويسرق حياتك من يفترض أن يسبب أسباب سعادتك ويمد في رفاهيات حياتك؟ حين يحدث كل ذلك، تتشكل أوبئة غريبة في المجتمع، لا رائحة لها ولا طعم، كأنها غاز سام يتسرب للأنوف دون سابق إنذار ليقتل أرواح وضمائر الناس وهم نيام في أسرتهم.

حين يتآمر عليك من يفترض عليه أن يحميك، لا يبق لك شيء تثق به أو تعتمد عليه، لا يبقى لك سوى وجه العنف الذي يقويك وملجأ الجريمة القادرة على تأمين حياتك. إنه قانون تأمين الحياة، حين تتآمر الحكومة على فئة ما فتستضعفها وتعزلها وتقمعها، تسقط كل شروط "اللعبة" المدنية، ويتحول المجتمع إلى غابة الغلبة فيها للأقوى، ليتحول فيها الناس جميعا من مواطنين ومقيمين ملتزمين مؤمنين "بسيستم" بلدهم إلى عصابات صغيرة متكتلة كل تسعى لتأمين نفسها والبقاء على قيد الحياة.

للعنصرية آثار كثيرة تبدأ بأذى نفسي وتغريب مجتمعي وتصل إلى تهديد حياتي حقيقي

لقد قضى الفتيان السود سنوات في السجن بسبب جريمة لم يرتكبونها، جريمة لفقتها لهم الشرطة التي من المفترض أن تحميهم وتؤمن حيواتهم؛ وعديمو الجنسية يقضون أعمارا فوق أعمار ضائعة في غياب عن المكان والزمان، في تضبيب للهوية وتشكيك بالقيمة الإنسانية بسبب ظروف لم تكن لهم يد فيها، كل ذلك على أيادي حكومات يفترض أنها منوطة بحل مشكلتهم وحماية أرواحهم ونفوسهم وتأمين حيواتهم وسعاداتهم وكفل هوياتهم وكراماتهم.

حين تولد وتكبر على أرض تلفظك حكومتها ويتآمر عليك الساسة فيها، تتحول إلى فتى صغير من هارلم الثمانينيات، مذنب قبل أن تثبت إدانتك، مكروه قبل أن تأتي فعلتك، متهم بحكم لونك وعرقك ولهجتك، فتى أسود صغيرا ترميه حكومته في السجن لتخبر باقي البيض أنهم الآن في أمان. من غيرنا من الكائنات الحية يفكر مثلنا ويأتي أفعالنا؟

اقرأ المقال أيضا: لست أدري

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG