Accessibility links

من "العفريت" إلى "المركب الملعون".. كيف تطور قطاع المواصلات في مصر؟ 


صورة أرشيفية لسيارة في مصر

علاء غانم - القاهرة

في دقائق معدودة الآن يمكن لسكان مصر اختيار الوسيلة التي تريد أن تنتقل بواسطتها إلى الوجهة المطلوبة، تطبيقات على الإنترنت تسهل حياتنا بل تختار لك الشوارع التي يمكن المرور بها بمئات البيانات والتفصيلات التي تنقل بها من عالم واقعي إلى نظيره الافتراضي، تستخدم جميعها من أجل نقل المسافرين من مكان لآخر بالوسيلة والكيفية التي يريدونها.

لكن التطور في أنظمة المواصلات لم يكن مشوارا قصيرا بل بدأ منذ 150 عاما منذ تشغيل محمد علي باشا للمواصلات في مصر، وإنشاء الطرق لربط القاهرة بالمحافظات والمراكز والقرى المختلفة، وتطور بمد السكك الحديدية لقطارات الترام التي وصفت بـ"العفريت"، وصولا للسيارات التي لم تلق إعجابا واسعا بين مستخدميها عند بداية ظهورها.

وأنشأ محمد علي باشا الطرق من أجل الحصول على الغلال والحبوب بعد أن كانت طرقها مهملة وغير آمنة بسبب اختلال الأمن وقتها، فأنشأ طريقا يربط بين قنا والقصير، ثم بين القاهرة السويس.

مشهد أرشيفي لشوارع مصر
مشهد أرشيفي لشوارع مصر

وتقول الدكتورة عزة محمود حسن أستاذة التاريخ الحديث والباحثة في تاريخ المواصلات في مصر، إن الطريق الأول بين قنا والقصير كان هو المعتاد للمسافرين في أول الأمر لركوب البحر وقتها، والوصول سواء إلى الحج أو إلى أي مكان آخر حيث يتنقلون فيه بواسطة القوافل البرية، إلى أن ازدادت أهمية الطريق البري بين القاهرة والسويس لازدياد الملاحة بين بومباي في الهند والسويس سنة 1834م.

وقد أدى تقدم الطريق البري بالسويس والاهتمام بنقل البضائع من داخل البلاد عن طريق المحطات البرية المجهزة بالخيول والدواب إلى تيسير حركة التجارة البرية ودعم التجارة البحرية، بالإضافة إلى تقصير مدة الرحلة من لندن إلى بومباي بواقع 40 يوما من خلال المرور بمصر، بعد أن كانت تستغرق أكثر من أربعة أشهر بالسفن الشراعية عن طريق رأس الرجاء الصالح.

وتشير وثائق إلى أن محمد علي قد منح لمصلحة المرور قبل أن تكون تابعة للحكومة المصرية حق إنشاء محطات بطول الطريق البري القاهرة –السويس لمدة عشر سنوات، وكانت تحت إشراف ونظارة وكيل ديوان الخديوي بالأسكندرية السنيور "روبرت لي غرين"، وكانت تسمى مصلحة إمرار السواحين من الإسكندرية للسويس، فتم إنشاء عدد 15 محطة برية وأصبح الطريق ممهدا لسير المركبات التي تجرها الخيول.

كما منح محمد علي لشركة "البونونسلار الشرقية" حق تسيير سفن بخارية بين الإسكندرية والسويس لنقل البضائع والمسافرين بالطريق البحري.

ولكن نظراً لتخوف محمد علي من انتشار النفوذ الأجنبي في مصر فقد شرع في إنشاء ديوان (مصلحة) المرور سنة 1844 لإدارة حركة نقل المسافرين والبضائع بمصر بريا، وقام بشراء جميع المحطات بطريق السويس البري، وكذا السفن التجارية مع إبقائه على بعض الأجانب لتسيير العمل تحت الإشراف الحكومي.

وأكدت عزة حسن أنه في عهد عباس الأول، حفيد محمد علي، قام عباس بإصلاح الطرق البرية للنقل، بل تميز عهده بإصلاح الطرق، خاصة الطريق البري بين القاهرة والسويس، حيث عبد الطريق ورصفه بالحجارة فأصبح مخصصا لسير العربات والقوافل، كما أصدر أمره إلى ديوان المواشي والقوافل- الذي كان تحمل مسؤولية تأمين توريد الهجن والمواشي والخيول للمصالح "الميرية" للقيام بمهام النقل البري- لإمداد ديوان المرور بالهُجُنْ اللازمة لنقل السائحين وكذلك هُجُنْ البريد (البوسطة).

المواصلات في عهد عباس الأول

وفي عهد عباس الأول عام 1851 الذي وقع مع البريطاني روبرت ستيفن سن، نجل جورج ستيفن سن مخترع القاطرة الحديدية، عقدا بقيمة 56 ألف جنيه استرليني لإنشاء خط حديدي يربط بين العاصمة المصرية والإسكندرية بطول 209 كيلومترات.

وشهد عام 1854 تسيير أول قاطرة على أول خط حديدي في مصر بين القاهرة ومدينة كفر الزيات في منطقة الدلتا، واكتمل الخط الحديدي الأول بين القاهرة والإسكندرية عام 1856، وبعد عامين تم افتتاح الخط الثاني بين القاهرة والسويس ، ثم بدأ إنشاء خط القاهرة بورسعيد بعد عامين آخرين، ولم يشرع في إنشاء خط حديدي في صعيد مصر إلا في عام 1887.

أما في العاصمة المصرية القاهرة فقد كانت الحمير والبغال هي الوسيلة لنقل الركاب للوصول إلى مصالحهم ووظائفهم ثم تطور الأمر إلى اختراع سيارات السوارس والتي كانت عبارة عن صندوق به عدد من المقاعد للركاب تجره عدد من البغال حتى أنه في فيلم "بين القصرين" كانت تقول الممثلة أمال زايد او الست أمينة : "السوارس خبطتني يا سي السيد".

البغال كانت تستخدم كوسيلة نقل أساسية في مصر
البغال كانت تستخدم كوسيلة نقل أساسية في مصر

ويعود اسم سوارس إلى عائلة يهودية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية وقد أسس الإخوة الثلاثة روفائيل ويوسف وفيلكس، مؤسسة سوارس عام 1875 لنقل الركاب، وتعاونت سوارس مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سمي أحد الميادين باسم ميدان سوارس "مصطفى كامل حاليا".

ولم تكن الحمير والبغال قادرة على أن تربط بين أحياء القاهرة التي بدأت تترامى أطرافها أو تلبي مطالب أبنائها في الوصول إلى أعمالهم ووظائفهم، من هنا بدأ التفكير في دخول عصر قطارات الضواحي عندما تم مد خط قطارات حلوان الذي يربط بين قلب القاهرة بضاحية حلوان خلال الفترة من 1870 حتى 1872.

وسرعان ما انتشرت في القاهرة خطوط قطارات المدن "الترام" وتولت إدارته شركة بلجيكية وشركة فرنسية وأصبحت هذه القطارات وسيلة المواصلات العامة الأولى وأثناء الحرب العالمية الأولى بدأ الإنجليز يفكرون في إقامة خط للسكك الحديدية يربط بين مصر وفلسطين لخدمة المجهود الحربي، وبالفعل بدأ العمل في بناء الخط من القنطرة شرق على الضفة الشرقية لقناة السويس، وحتى غزة واكتمل البناء عام 1918.

غير أن كتابا ألفه محمد سيد كيلاني عن ترام القاهرة يقول فيه إن ترام الإسكندرية قد سبق القاهرة بسنوات عدة، حيث أسس ترام الإسكندرية في الرمل، وكان أول وسيلة نقل جماعية في مصر وأفريقيا والأكثر شعبية لأهل الإسكندرية.

وعبر تاريخه الطويل ظل الترام يمثل نزهة ترفيهية لسكان المدينة وللسياح وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952 كان سائقو الترام من الإيطاليين ومحصلو التذاكر (الكمساري) من المالطيين، وكانت تلحق بالترام عربة لنقل الموتى ذات لون أسود وبدون أبواب أو نوافذ مخصصة لنقل الموتى من مختلف الديانات على السواء وارتبط الخط الحديدي الداخلي بالإسكندرية بتعمير منطقة الرمل مع نهاية عهد محمد سعيد باشا، عام 1860 وفي منتصف أغسطس من العام ذاته.

ومنحت الحكومة المصرية التاجر الإنجليزي السير إدوارد سان جون فيرمان امتيازا لإنشاء خط سكك حديدية يصل ما بين الإسكندرية والرمل، مع الاحتفاظ بحق سحب الامتياز وبعد مرور عامين، تأسست شركة مساهمة برأس مال قدره 12 ألف جنيه، مقسمة على 1200 سهم حيث تنازل السيد فيرمان، للشركة الجديدة عن حق الامتياز في مقابل حصوله على 30 في المائة من أرباح السنوات الثلاث الأولى.

ويوثق كتاب الكيلاني تاريخ الترام في الإسكندرية إذ يشير إلى أن أول قضبان حديدية في منطقة مسلة كليوباترا (محطة الرمل حاليا) وضعت عام 1862، ليشرع في مد الخط الحديدي ليفتتح في يناير عام 1863، حيث تم نقل الجماهير في ذلك اليوم بواسطة قطار واحد من محطة الإسكندرية إلى محطة بولكلي عن طريق مسجد سيدي جابر، وكان القطار يتكون من عربة واحدة درجة أولى، وعربتين درجة ثانية، وعربة واحدة درجة ثالثة، وكانت تجرها أربعة خيول، ومع تولي الخديوي إسماعيل زادت عنايته بتعمير الإسكندرية وأقام القصور بضاحية الرمل للإقامة بها صيفا

واهتم برعاية الخط الحديدي وطورها لتستخدم القاطرة البخارية في أغسطس عام 1863 أعقب ذلك إنشاء شركة "سكك حديد الإسكندرية والرمل" برأس مال قدره 110 آلاف جنيه إنجليزي، وفي عام 1897 بدأت الشركة في ازدواج الخط ما بين محطة الرمل، ومحطة بولكلي ليصبح هذا الخط هو الأساس، الذي تطور بعد ذلك ليصبح خط ترام الرمل الحالي.

"عفريت.. عفريت"

وفي شهر يونيو 1898، شهد خط الترام تطورا كبيرا، حين قررت الشركة استبدال القاطرات التي تعمل بطاقة البخار بأخرى تعمل بالكهرباء، حيث بدأ العمل به في يناير عام 1904، واستعملت العربات الكهربائية من ميدان محطة الرمل إلى محطة سراي رأس التين فقط، حيث أن المنطقة التي تمتد من محطة السراي وحتى محطة المحمدية، أو فيكتوريا حاليا، خاصة بالخديوي عباس حلمي الثاني، وأصبحت متاحة للجماهير عام 1909 واستكملت مد الخط الحديدي من محطة سبورتنج إلى محطة مصطفى باشا وأوقفت الشركة تشغيل خط جامع سيدي جابر حتى تمت إعادته عام 1926

وأصبح "الترامواي"، كما كان يطلق عليه، نقلة حضارية في مصر ففي نوفمبر من عام 1894 صادق مجلس النظار على منح امتياز بإنشاء سكة تروماي تسير بالكهرباء في العاصمة لشركة بلجيكية وقد تقرر أن يكون الامتياز بثمانية خطوط تبدأ كلها من ميدان العتبة الخضراء: الأول يتجه إلى القلعة والثاني إلى بولاق، والثالث إلى باب اللوق فالناصرية، والرابع إلى العباسية عن طريق الفجالة، والخامس إلى مصر القديمة والسادس من فم الخليج إلى الروضة، ثم ينتقل الركاب بزورق بخاري إلى الشاطئ الآخر ثم إلى قطار إلى الجيزة، وهذا هو الخط السابع، والثامن يبدأ من ميدان قصر النيل ويسير موازيا للترعة الإسماعيلية إلى قنطرة الليمون.

السكك الحديدية امتدت عبر مصر ووفرت حلولا لنقل الركاب والبضائع والماشية عبر البلاد
السكك الحديدية امتدت عبر مصر ووفرت حلولا لنقل الركاب والبضائع والماشية عبر البلاد

وفي أول أغسطس سنة 1896 أجرت الشركة اختبارا لتسيير أول قطار كهربائي، ففي الساعة العاشرة من صباح اليوم المذكور، ركب حسين فخري باشا ناظر" وزير" الأشغال آنذاك، ومعه بعض كبار موظفي النظارة قطارا أقلهم من بولاق، مارا بميدان العتبة إلى القلعة، في احتفال رسمي بتسيير قطارات الترام وقد اصطف الناس على الجانبين ألوفا وعشرات الألوف ليشاهدوا أول مركبة سارت في العاصمة بقوة الكهرباء، وبينهم والأولاد يركضون ورائها مئات وهم يصرخون: "العفريت.. العفريت".

خط ترام شارع الهرم في الجيزة

وكان نهر النيل يعد عقبة أمام مد خطوط التروماي إلى محافظة الجيزة الملاصقة تماما للقاهرة، فبدأ التفكير بتركيب خط ترام يمتد لشارع الهرم سنة 1898، حيث كان الركاب يضطرون للعبور في المعدية أولا ثم استئناف الرحلة من شبكة خطوط الترام على الضفة الأخرى للنيل، وهو ما جعل الخديوي عباس ينشئ عدة كباري على النيل لتسهل حركة عبور المواطنين فأنشأ كوبري عباس وكوبري أبو العلا وكوبري الملك الصالح، وافتتحت جميعها سنة 1912 و أصبح لشركة الترام شبكة خطوط موحدة.

خط الأهرام للسكك الحديدية في مصر
خط الأهرام للسكك الحديدية في مصر

وبالرغم من ارتفاع ثمن التذاكر وقتها حيث وصلت الى "6 مليم" للدرجة الأولى و"4 مليم" للدرجة الثانية، إلا أنه لاقى إقبالا جماهيريا لسهولة استخدامه مقارنة بالوسائل الأخرى المتاحة في ذلك الوقت.

تذكرة قديمة لركوب ترام في مصر
تذكرة قديمة لركوب ترام في مصر

أول إضراب عمالي في مصر

وفي عام 1911 أضرب عمال شركة الترام البلجيكية للضغط على قيادات الشركة لتحسين أوضاعهم المعيشية ولكنه لم يستمر لفترة طويلة ولهذا كانت تداعياته على حياة سكان القاهرة محدودة، بينما حدث الإضراب الثاني في عام 1919، وكان الترام حينها قد أصبح وسيلة الانتقال الرئيسية في القاهرة، ولهذا تسبب في شلل شبه كامل للعاصمة وزاد من حدة تلك الأزمة استمرار الإضراب لمدة 56 يوما.

فعاد السكان إلى استخدام عربات السوارس مرة أخرى بعد أن بدأت في الانقراض ولهذا وجد أصحابها في الإضراب فرصة ذهبية لتكوين ثروات بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث تحكم أصحابها في أجور الانتقال من مكان لآخر، وكانت تلك الأجور باهظة حتى أن مراسل جريدة لندن تايمز قد قال حينها إن أصحاب عربات سوارس كانوا يدفعون جزءا من أرباحهم لقيادات الإضراب في شركة الترام على أمل مد فترته لأطول وقت ممكن.

وفي تلك الأثناء ظهر على استحياء في القاهرة لاستخدام حافلات النقل أو كما يقال في القاهرة الأتوبيس أو "الأومنيبوس" كما كان يعرف حينها من وسائل الانتقال المستحدثة، وظهرت السيارات الملاكي أو "الأتومبيل" كما كان يقال عليه، حيث كان يعاني سكان القاهرة من استبداد "العربجية" حتى صار لفظ عربجي يعني في العامية المصرية "صاحب الأخلاق القبيحة".

صورة أرشيفية لسيارة في مصر
صورة أرشيفية لسيارة في مصر

ففي عام 1908 وصف أحد الكتاب في جريدة "المقطم" حالته عند ركوب السيارة لأول مرة في حياته بأنه "أقبح اختراع ظهر في القرن التاسع عشر" و يفسر جملته هذه بقوله: "رأيت منذ مدة قريبة أن أركب أوتومبيلا، من باب العلم بالشيء فقد مللت عربات السوارس والأومنيبوس، فقصدت موقفا وامتطيت صهوة أحد المقاعد وما كدت أتبوأ هذا المقعد حتى حرك السائق قطعة حديدية كانت بجانب ساقه فسمعت دويا قبيحا وشممت رائحة كريهة وشعرت بارتجاج في جميع أجزاء جسمي، فكنتُ والجالسين كمن اعترتهم حمى فتجمدت وظننت أنه بادئ بدء ربما كان ذلك لعدم تعود ركوبها".

إعلان قديم لسيارة في مصر
إعلان قديم لسيارة في مصر

وأضاف "وأخيرا تحركت وهبت رائحة الدخان الكريهة فاستعذت بالله، جاءني المحصل فطلبت منه أن ينزلني آخر الخط انتقاما من نفسي الأمارة بالسوء حتى لا تعود تطالبني بركوب هذا المركب الملعون، وفي تلك الاثناء مالت السيارة إلى اليسار فوقعت على من كان بجانبي ووقعنا على الثالث ثم ملنا جميعا على الرابع، ولولا وجود الحاجز الحديدي لذهبنا جميعا ضحية تقليدنا للأغنياء، وكلما مالت السيارة ذات اليمين ملنا يمينا، أو ذات الشمال ملنا شمالا كأننا في حلقة ذكر إلى أن وصلت بنا محطة مصر، فنزلت وأنا ألعن الأوتومبيل ومخترعيه وصانعيه وراكبيه".

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG