Accessibility links

من صفقة البرتقال إلى صفقة الرفات


نتانياهو وبوتين في موسكو

مصطفى فحص/

مما لا شك فيه أن الانسجام الروسي الإسرائيلي في سوريا وصل إلى ذروته، وبات يتسبب بإحراج أصدقاء موسكو، أو من اعتبروا أنفسهم حلفاء لها فوق العادة، من نظام الأسد إلى حزب الله وصولا إلى إيران وميلشياتها، الذين وضعتهم موسكو في كفة ووضعت تل أبيب في الكفة الأخرى التي تبدو مرجحة.

فمنذ الحرب على ثورة الشعب السوري والتدخل الروسي المباشر وضعت موسكو مصالح تل أبيب فوق كل اعتبار، فقد حرصت على استقرار حدودها الشمالية، وفتحت الأجواء السورية أمام طيرانها الحربي لتنفيذ ضرباته ضد أهداف عسكرية إيرانية.

أثارت هذه التصرفات الروسية ريبة محور الممانعة وخصوصا المروجين له من كتّاب وصحافيين عرب من خلفيات "قومجية" ويسارية تدور بالفلك الإيراني الروسي وحملت على عاتقها منذ سنوات الترويج لقيام محور "موسكو ـ طهران"، والرهان على سياسة بوتينية جديدة تشق طريقها من أجل إعادة فرض توازن القطبين واستعادة موسكو لحضورها السوفياتي عبر البوابة السورية.

إعادة الرفات تضع حدا لتهيؤات بعض العرب، وخصوصا الممانعين، حول إمكانية تمايز الدور الروسي

فهذه البوابة السورية فتحت أبواب الشرق الأوسط أمام الكرملين من جديد، لكن ضمن محاذير سيّده، الذي تسببت آخر مواقفه بخيبة أمل كبيرة لتلك النخب التي لم تزل تحت تأثير صدمة الموقف الروسي وقسوته والضربة المعنوية التي تلقتها، إذ فضلت هذه النخب أن تتصرف كذكر النعام وتضع رأسها في الرمل حتى لا ترى بأم عينها مشهد الاحتفالية العسكرية الروسية التي جرت في وزارة الدفاع في موسكو أثناء تسليم رفات الجندي الإسرائيلي الذي قتل قبل 37 عاما في معركة السلطان يعقوب أثناء عملية اجتياح لبنان 1982. فيما كان بعضهم أكثر شجاعة عندما اعترف بالصدمة وكتب قائلا: "نعتَرف أننا أصبنا بحالة من الصدمة والغضب معا، ونحن نتابع أنباء تسليم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفات الجندي الإسرائيلي زخاري بوميل، الذي قُتل مع اثنين من زملائه في معركة بلدة السلطان يعقوب أثناء غزو عام 1982 للبنان إلى "صديقه" بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الزائر حاليا لموسكو، لأنه ليس من حق الروس، ومهما كانت درجة تحالفهم مع سوريا، الإقدام على هذه الخطوة التي تشكل استفزازا وإهانة لمشاعر العديد من حلفائهم العرب داخل سورية وخارجها، فماذا تركوا للأميركيين إذن؟".

كشفت عملية تسليم رفات الجندي الإسرائيلي عن شيخوخة مبكرة تصيب ذاكرة نخب محور الممانعة الذين ما زالوا يعلقون أحلامهم على مرحلة قصيرة من الذاكرة السوفياتية ما بعد حرب 1967، لكن ما غاب عن بالهم أن موسكو قبل حرب الأيام الستة رفضت تسليم القاهرة طائرات حربية هجومية، بحجة أن موقف الاتحاد السوفياتي دفاعي وليس هجومي، وقامت القيادة السوفياتية بإهمال معلومات سلمتها القيادة المصرية، عن تحركات مشبوهة عشية الحرب ومنعت مصر من القيام بأي تحرك وقائي، بحجة أنه لا يمكن لمصر أن تكون بموقع المهاجم، الذي سيقف منه المجتمع الدولي موقفا عدائيا لأنه سيعتبر عمله عدوانا، وهذا يفتح السؤال الحقيقي حول قيام الرئيس أنور السادات بطرد الخبراء السوفيات عشية حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973.

وما بين صفقة إعادة الرفات واعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، تعود الذاكرة إلى صفقات أثرت على مجرى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منها صفقة البرتقال التي عقدها الاتحاد السوفياتي مع إسرائيل سنة 1964، وتعد واحدة من أخطر الجرائم الأثرية التي ارتكبتها موسكو بحق التاريخ الروسي في فلسطين، عندما باعت موسكو السوفياتية أملاك الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في "إسرائيل" إلى حكومة تل أبيب في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1964. وقع الاتفاقية حينها من الجانب الإسرائيلي وزيرة الخارجية غولدا مائير ووزير المالية بنحاس سابير، ومن الجانب السوفياتي السفير فوق العادة ـ الوزير المفوض للاتحاد السوفياتي ميخائيل بودروڤ. وقد سُميّت الاتفاقية بـ"صفقة البرتقال" لأن إسرائيل دفعت قيمة المبلغ 4.5 مليون دولار من البرتقال والمنسوجات.

أثارت هذه التصرفات الروسية ريبة محور الممانعة وخصوصا المروجين له من كتّاب وصحافيين عرب

وفي الذاكرة السوفياتية الإسرائيلية المشتركة أن موسكو سمحت لتشيكوسلوفاكيا ببيع أسلحة إلى إسرائيل أثناء حرب 1948 ـ 1949 ما أدى إلى قلب نتائج المعركة لصالح إسرائيل، كما أن تشيكوسلوفاكيا عادت وقامت ببيع أسلحة روسية لتل أبيب سنة 1956 ساعدت على قلب موازين القوى لصالح إسرائيل أثناء العدوان الثلاثي.

إعادة الرفات تضع حدا لتهيؤات بعض العرب، وخصوصا الممانعين، حول إمكانية تمايز الدور الروسي، لكن موسكو قررت تجاوز الوقائع التاريخية التي شكلت جزءا من الذاكرة السوفياتية العربية المشتركة، وطي هذه الصفحة نهائيا من تاريخ سوريا٬ والابتعاد عن الدور الذي تصوره الممانعون لها باتجاه سياقات جديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: موسكو ـ بيروت: نوستالجيا المسألة الشرقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG