Accessibility links

من هو "الطرف الثالث" في تظاهرات العراق؟


متظاهرة في البصرة

إياد العنبر/

منذ بداية حركة التظاهرات في العراق في بداية أكتوبر، بات يتردد الاتهام لـ"طرف ثالث" بقتل المتظاهرين، ومن جانب آخر يتهم "طرف الثالث" بتقديم الدعم المادي لديمومة حركة التظاهرات. لا تزال الاتهامات مستمرة من دون تحديد هوية الطرف الثالث.

الحكومة تعتبر أن الطرف الثالث هو مجموعة من "المندسين" المدعومين من قوى خارجية تتأمر على تجربة العراق في الديمقراطية والتنمية! وتحديدا على حكم الإسلام السياسي الشيعي، وقد يكون من يقود ويخطط لهذا التآمر بقايا حزب البعث.

والقوى الداعمة لحكومة السيد عادل عبد المهدي، ترى "الطرف الثالث" تابعا لأجندة أميركا وإسرائيل. وهناك من يلمح إلى أن "الطرف الثالث" هو قوى المليشيات المسلحة المدعومة من إيران. ولعل هذا ما يمكن فهمه من تصريح وزير الدفاع السيد ناجح الشمري.

إذا، أفرزت حركة الاحتجاج في العراق وجود ثلاثة أطراف متفاعلة في ساحات التظاهرات. الأولى الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها، وجمهور المتظاهرين، وطرف ثالث يستهدف القوى الأمنية والمتظاهرين على حد سواء، والذي أصبح يمثل الطرف المجهول في المعادلة!

القوى السياسية لا تجيد معالجة مشاكلها ولا تصل إلى اتفاقات إلا بوجد طرف مجهول

هذا هو التبرير الذي تحاول الحكومة وبعض القيادات السياسية تسويقه كسبب لقتل المتظاهرين. فهي لا تزال تعيش في حالة نكران وعدم الاعتراف بأن ما تشهده محافظات الوسط والجنوب في العراق هو انتفاضة شبابية رافضة للفساد وانعدام العدالة الاجتماعية وضمانات العيش الكريم في بلد يصنف كصاحب ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وفي الوقت ذاته، هو يتصدر قائمة البلدان الأكثر فسادا في العالم ويوصف بالدولة الهشة.

الحديث عن وجود طرف غير رسمي أو من خارج منظومة الدولة هو من يقتل المتظاهرين، يتوافق تماما مع طريقة تفكير الشخصيات والقوى السياسية في العراق. فجميع مشاكل العراق، وبالوقت ذاته الحلول، تأتي عن طريق الطرف الثالث، منذ أيام المعارضة إلى يومنا هذا.

إذ تعودت القوى السياسية والفرقاء السياسيين منذ أيام المعارضة بأن لا يجتمعوا ولا يناقشوا تنسيق مواقفهم إلا برعاية ووجود طرف خارجي. وأتذكر جيدا قبل أيام من صدور القرار إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في مارس 2003 بدخول القوات الأميركية إلى العراق، كان هناك اجتماع لقوى المعارضة العراقية في "منتجع دوكان" في كردستان العراق، وتم تأجيل مناقشة مواضيع الاجتماع لتأخر حضور ممثل الإدارة الأميركية الذي كان في وقتها (السفير زلماي خليل زاده). فالاجتماع تأخر لحين وصول الطرف الثالث الذي يرعى الاتفاق! وحتى إسقاط نظام صدام الدكتاتوري كان عن طريق طرف ثالث وهو التدخل العسكري الأميركي.

واستمرت الحاجة إلى تدخلات الطرف الثالث، فالحكومة التي تشكلت بعد 2005 كانت برعايته. فالتوافق على شخصية رئيس الوزراء وتقاسم المناصب الوزارية غالبا ما كان يتم بتدخلات الطرف الثالث. حتى أن السيد نوري المالكي حصل على الولاية الثانية بدعم وترتيب الطرف الإيراني، الذي تدخل لمنع تمرير سحب الثقة عن السيد المالكي في 2012، وكان هناك إصرار على منحه ولاية ثالثة لولا تدخل مرجعية السيد السيستاني.

ودور الطرف الثالث كان واضحا أيضا، في ترشيح السيد عبد المهدي لرئاسة الوزراء ومنع استقالته أو إقالته بعد تظاهرات الأول من أكتوبر على الرغم من الدماء التي ملأت ساحات الاحتجاجات في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية.

وبما أن القوى السياسية لا تجيد معالجة مشاكلها ولا تصل إلى اتفاقات إلا بوجد طرف مجهول، لذلك نجدها اتفقت على تسويق فكرة الطرف الثالث الذي يقتل المتظاهرين، وبما أن السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ينتمي إلى نفس المنظومة السياسية من فترة المعارضة إلى فترة الحكم، فهو العضو المناوب في مجلس الحكم، ووزير المالية في حكومة إياد علاوي المؤقتة، ونائب رئيس للجمهورية في فترة ولاية الرئيس الراحل جلال طالباني، ووزير النفط في حكومة حيدر العبادي. فبالتأكيد هو يفكر بنفس طريقة المنظومة السياسية التي ينتمي إليها.

وهنا يتوجب علينا أن نعترف بأننا قد خدعنا في كتاباته ومقالاته في صحيفة العدالة، التي كان يقتبس فيها من مقالات صومائيل هنتنغتون، وفرانسيس فوكوياما، لكنه لم يختلف في طريقته لإدارة الدولة عن أي نموذج سياسي ينتمي للطبقة السياسية التي هيمنت على الحكم بعد 2003، فهو لا يُجيد غير تلقي الأوامر والتعاطي مع الأزمات بطريق الخطابة السياسية، ولذلك وجد في "الطرف ثالث" تبريرا لقتل المتظاهرين، تهربا من مسؤوليته كقائد عام للقوات المسلحة.

الطرف الذي تتجاهله السلطة هو الجماهير

السيد عبد المهدي، كان على صواب تماما عندما تحدث في ليلة 25 أكتوبر، وقال: "لا بد للقوى السياسية أن تدرك أن المعدلات السياسية السابقة قد تغيرت، فنحن أمام أزمة نظام لم تدركه القوى السياسية ولا قوى الدولة. لكن الشعب بحسه ووعيه أدركها، وهو ما يفسر الحراك الشعبي الواسع...".

وينطبق على هذا التشخيص قوله تعالى: "وَجحدُوا بها واسْتيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوًّا"، فحركة الاحتجاجات في أكتوبر غيرت المعادلة التي كانت تحكم النظام السياسي، والتي كان طرفيها، الحكومة والقوى السياسية التي تتقاسم مغانم الدولة، أما الجماهير فكانت خارج حسابات هذه المعادلة تماما إلا في أيام التحشيد للانتخابات أو الحرب ضد تنظيم "داعش".

وعليه فالطرف الآخر الذي تتجاهله السلطة هو الجماهير التي رفعت أصواتها مطالبة بإسقاط نظام المحاصصة بين الإقطاعيات السياسية، التي أنتجت حكومة عادل عبد المهدي، الذي لم يستمع إلى مطالب المتظاهرين واختار البقاء بجانب القوى السياسية.

وأخيرا، حفلة الدم التي مارست قتل الشباب في الناصرية والنجف يوم الخميس 28 أكتوبر 2019، بعد إعطاء الأوامر من القائد العام للقوات المسلحة بتولي قيادات عسكرية لإدارة الملف الأمنية في المحافظات الوسطى والجنوبية، تنفي وجود "طرف ثالث" يقوم بقتل المتظاهرين، إذ بات واضحا وجليا بأن القتل يتم بقرار حكومي.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: "نريد وطنا"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG