Accessibility links

'ميلاد مجيد وعام سعيد' خطيئة أم حسن خلق؟


من احتفالات عيد الميلاد في بيروت (أرشيف)

عبد الحفيظ شرف/

مع كل سنة يتكرر الحوار ذاته وبنفس الجمل والعبارات وتنتشر فيديوهات ومقولات لبعض رجال الدين تحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم وتمني الخير والسعادة لهم ولعائلاتهم، أو الاحتفال برأس السنة الميلادية. يتناقلها الناس دون تفكير بمحتواها أو المنطق والمنهجية التي بنيت عليها هذه الفتاوى فتنتشر كانتشار النار في الهشيم. فهل هذا صحيح؟ وهل هو إنساني؟

يقول ربنا "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي؛ ويقول: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؛ ويقول: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".

تتحدث كل هذه الآيات وبشكل واضح وصريح عن قبول الآخر والإحسان إليه وعدم إجباره على دين معين، وقد وهب الخالق لكل إنسان عقلا عظيما لم يسبر الطب الحديث أغواره بشكل كامل حتى يومنا هذا.

يعمل هذا العقل في كل لحظة، على تحليل الخيارات واعتماد أحدها؛ وبذلك يملك الإنسان حرية الاختيار، وهذه الحرية هي ما تطالب به أغلبية الشعوب في منطقة الشرق الأوسط ويريد بعض رجال الدين سلبها من الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: المجلس الإسلامي السوري وزواج القاصرات

أطرح هنا عددا من الأسئلة، ليجيب كل منا عليها بحريته، وبعيدا عن كل تأثير خارجي:

أليس جميل أن تحسن لجارك غير المسلم بتهنئته بأعياده الدينية أو غير الدينية كالأعياد أو المناسبات الشخصية؟

ألا تظن أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم هو من حسن الخلق؟

أليس جميل أن نهنئ بعضنا بعيد رأس السنة، أو أي عيد يجمعنا؟

هل تعتقد أنك إذا هنأت جارك أو صديقك المسيحي بأعياده فأنت قد وافقت واعتقدت بعقيدته كما يروج رجال الدين؟

ضع نفسك محل الطرف الآخر وجاوب على هذه الأسئلة:

ألا تشعر بسعادة إذا هنأك غير المسلم بأعيادك الدينية؟

ألا ترى الفيديوهات التي تنتشر وبشكل كبير جدا لزعماء العالم الحر عندما يهنؤون المسلمين بأعيادهم؟ هل تشعر بالسعادة عندما تراها؟

هل تعتقد أن صديقك أو جارك المسيحي يعتقد بعقيدتك وبأعيادك الدينية عندما يهنئك بها؟ أم هي انعكاس لاحترام وأخلاق جميلة وإنسانية عالية؟

أعتقد أن أغلبية المسلمين العاقلين والذي سيفكرون في الموضوع بدون ضوضاء الفتاوى الصاخبة ستدلهم فطرتهم السليمة إلى الحق الواضح البين وهو أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم هو من حسن الخلق ومن الإحسان وهو شيء جميل ومحترم ويدل على إنسانية راقية تدعو إلى الخير والسلام والمحبة.

كنت أعتقد أني أقرأ قصة كوميدية خيالية ولكنها كانت واقعا؛ أحد المفتين قال لأم كانت تسأله أن لديها طفلة تدرس في مدرسة أغلب طلابها من المسيحيين ولديهم احتفال خاص بليلة الميلاد فأجابها بإجابة تدل على ضيق الأفق وقلة العقل إذ قال لها: "إذا كان ولا بد أن تحضر هذه الحفلة لأن هناك محاسبة على عدم الحضور فلتهرب إلى الحمام وتقضي وقت الحفلة في دورة المياه وإذا لم تستطع فلتجلس هناك عابسة الوجه وبدون إقرار عقدي بما يحصل".

هذا الحال الذي أوصلنا إليه أمثال هؤلاء من أصحاب العقول الصغيرة الذين يمسكون بزمام أمر الدين والثقافة الدينية في مجتمعاتنا.

ودائما ما ينتقل رجال الدين من هذا النوع من الحوار إلى موضوع آخر وهو محبة غير المسلمين، وهذا لا يجوز، ويعود بنا إلى باب الولاء والبراء والذي كان يدرس (ولا يزال) في كتب الفقه والتوحيد في بعض الدول الإسلامية.

هل يعقل أن الإسلام يجيز الزواج من غير المسلمين من أهل الكتاب ويسمح باختيار شريكة لحياتك وأما لأطفالك من غير المسلمين ثم يمنعك من حبها فهل هذا يعقل؟ والآية الموجهة لرسول الله "إنك لا تهدي من أحببت"، والحديث هنا عن عمه أبو طالب الذي دافع عنه وحماه وهو من رعاه في صغره ويثبت رب العالمين في هذه الآية الكريمة أن رسول الله قد أحبه حبا شديدا وهو من غير المسلمين وكان يسمي العام الذي توفي فيه عمه بعام الحزن، تعد هذه الآية دليلا دامغ يدحض كل هذه الأفكار السوداوية.

ما أجمل أن نتقبل الآخر ونحترمه ونحترم اختياراته ومعتقداته. ما أجمل أن نعيش سويا بإنسانية وحرية وبدون فرض أو إكراه ضد الآخر. ما أجمل أن نتقبل الآخر وندافع عن حقوقه كما ندافع عن حقوقنا. ما أجمل مشاهد احتفال المسيحيين بأعيادهم الدينية في بيت لحم وفي القاهرة وفي حلب ودمشق. وما أجمل أن نشاركهم احتفالاتهم بالتهنئة والمباركة لهم وتمني السعادة لهم ولعائلاتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: ديكتاتور في ضيافة الديكتاتور

أتمنى أن ينتهي هذا النقاش والجدل في قضية محسومة عقلا ونقلا، فوجود هذا الجدل والنقاش دليل ضعف الثقافة الإنسانية وثقافة التعايش في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي تميل بشكل عام إلى الرأي الواحد والفكر الواحد وتحب فرض القناعات والاعتقادات.

هنيئا للجميع، في عيد الميلاد، ورأس السنة، عسى أن تحمل السنة المقبلة خيرا لنا جميعا، وتزيد مساحة التعددية والإيمان بحرية الإنسان في بلادنا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG