Accessibility links

نار متقدة تحت رماد الاحتجاجات في الأردن


الملك عبدالله ورئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز خلال تأدية حكومة الأخير اليمين الدستوري في يونيو 2018

نضال منصور/

لم تكن زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لحكومته خلال اجتماع مجلس الوزراء قبل أيام مثل كل اللقاءات التوجيهية البروتوكولية، بل كانت خارج المألوف، وحملت دلالات متعددة، وفتحت شهية الصالونات السياسية في عمان لأحاديث الإطاحة بحكومة الدكتور عمر الرزاز.

كان واضحا أن الملك لم يكن مرتاحا لنتائج أداء الحكومة، وأن الملك يعرف أن الأزمة الاقتصادية تتعمق، ولهذا لم يكتف الملك بحديث عابر لرئيس حكومته ووزرائه، وإنما وجّه أسئلة تفصيلية عن الإنجاز وتنفيذ المشاريع، ودراسة أثر القرارات على الناس قبل إصدارها، مطالبا الحكومة باتخاذ القرارات بشجاعة دون تردد، وأمهلهم حتى نهاية العام لرؤية النتائج.

بمجرد إعلان تفاصيل زيارة الملك لمجلس الوزراء شاع في مواقع التواصل الاجتماعي سيناريوهات كثيرة عن مصير الحكومة، وذهب متابعون لوصف حديث الملك بأنه "توبيخ" للفريق الوزاري، وقيل إن الرزاز سافر في إجازة طارئة غاضبا وعاتبا، وقيل إن تعديلات حكومية على الأبواب، وإن الرزاز سينقلب على فريقه الاقتصادي تحديدا وسيطيح به ويخرجه في تعديل سيستأذن الملك لإنجازه.

سيناريوهات حل البرلمان وإقالة الحكومة تتصاعد وتلقى رواجا

أزمة الحكومة الأردنية أعمق من كلمات انتقادية يرسلها الملك للرأي العام، فما حدث مع حكومة الرزاز تعرضت حكومة هاني الملقي لأقسى منه حين وصف الملك بعض الوزراء بـ "النيام" الذين لا يفعلون شيئا.

تتفجر الأزمات بوجه حكومة الرزاز. لا تكاد تطفئ نيران أزمة حتى تندلع أزمة أخرى، ولا تبدو الأمور مرشحة للاستقرار والهدوء. فبعثة صندوق النقد الدولي ستزور عمان خلال الأيام القادمة، والمؤشرات الاقتصادية والمالية متراجعة، ولا تملك الحكومة حلولا تقدمها لفريق الصندوق، ولا تستطيع فرض ضرائب جديدة، بعد أن فشلت زيادة الضرائب في تحفيز الاقتصاد، وأسهمت في تراجع الإيرادات باعتراف وزراء الحكومة.

أبعد من حدود زيارة بعثة صندوق النقد؛ فإن الرهانات على استقطاب الدعم الدولي للاقتصاد الأردني تتراجع ولا تحقق أهدافها، فدول الخليج أدارت ظهرها للأردن، ومؤتمر لندن لا تزال نتائجه غير واضحة، وخطة الاستجابة للأزمة السورية تواجه تعثرا شديدا، فالحكومة الأردنية طالبت المجتمع الدولي بمليارين وأربعمئة مليون دولار، وحتى الآن وفق معلومات حكومية لم تتجاوز الاستجابة ثمانية بالمئة، أي ما يقارب 195 مليون دولار، وهذا يشكل عبئا على الأردن وضربة موجعة.

تتناسل الأزمات وتتفجر الألغام تحت أقدام الحكومة وتتحول مع الأيام لـ "مطفئ حرائق". تراجع الإيرادات الضريبية، الذي تعتقد الحكومة أن سببه التهرب الضريبي والتهريب، دفع الحكومة لإعلان الاستنفار والحرب على التهريب وخاصة "الدخان"، وكانت الشرارة التي أشعلت لأيام صدامات بين أجهزة الأمن وأهالي مدينة الرمثا الحدودية مع سوريا.

تشديد القبضة على "بحارة" الرمثا ـ وهو الاسم الذي يطلقونه على من ينقلون البضائع بشكل يومي بين سوريا والأردن أو من يُتهمون بـ "التهريب" ـ حوّل شوارع الرمثا لمواجهات حُرقت خلالها الإطارات ولجأت أجهزة الأمن للقوة أحيانا للسيطرة وضبط الوضع.

أكثر ما كان غريبا ومفاجئا البيان الذي أصدره "البحارة" مطالبين الحكومة بملاحقة "المهربين الكبار" المعروفين للحكومة، ومتهمين شخصيات سياسية نافذة بتوفير الرعاية والحماية لمهرب أطلقوا عليه لقب "الحوت" يرأس جيش العشائر السورية، وحصل على الجنسية الأردنية.

تنفجر الأزمات بوجه حكومة الرزاز ولا تكاد تطفئ نيران أزمة حتى تندلع أزمة أخرى

لم تعلق الحكومة على هذه الاتهامات، ولم تجب عن المعلومات الشائعة عن دور "الحوت"، ولم تلاحق وسائل الإعلام قصص التهريب الكبيرة التي تبدأ بالدخان، وتمتد للسلاح والمخدرات، وساد صمت وتُركت كل الأسئلة معلقة.

حتى الآن لم تطوق أزمة الرمثا، ولم يُطلق سراح كل الذين تم توقيفهم، وقبل أن يطوَ هذا الملف المقلق كانت مدينة الكرك تعلن ما يشبه العصيان المدني، والمحلات تغلق احتجاجا على نقل مجمع الباصات، فالتجار يعتبرون هذه الخطوة تلحق ضررا جسيما بهم.

الناس محتقنة وغاضبة في الأردن، وتحت رماد الاحتجاجات نار متقدة، فالفقر يتزايد، والبطالة اقتربت من حاجز 20 بالمئة، والحلول "الترقيعية" لا تحدث أثرا، والدولة الريعية تهاوت، واستهداف الأردن خارجيا يتعاظم مع طبول الحرب والتسويات الكبرى التي تصل شظاياها وتداعياتها للأردن.

لأول مرة يفكر 45 بالمئة من الأردنيين بالهجرة، ويرى 77 بالمئة أن الوضع الاقتصادي سيئ، وتزيد مديونية البلاد عن 40 مليار دولار، ولا تجد الحكومات وسيلة لزيادة وتحسين إيراداتها المالية إلا بالضرائب المفروضة على المحروقات، والسجائر، فإذا ما تراجعت مبيعاتها تصبح الموازنة العامة للدولة مهددة، وهو ما يبعث على العجب، دولة تعتمد في اقتصادها على عوائد بيع التبغ والمحروقات، الأول يهدد الصحة العامة، والثاني يلوث البيئة؟

♦♦♦

بعد أكثر من عام على تشكيل حكومة الرزاز تبدو الأزمة بنيوية ومستمرة، وقبل عام على انتخابات برلمانية متوقعة تصعد سيناريوهات جديدة تلقى رواجا في الشارع ملخصها الدعوة لحل البرلمان وإقالة الحكومة.

هذا السيناريو تصاعد في الأيام الماضية بعد خلاف مازال مستمرا بين مجلسي النواب والأعيان حول تعديلات مقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، فالأعيان ـ مجلس الملك ـ يتهمون النواب بتفصيل مادة بالقانون تخدم مصالحهم وتخالف الدستور، وهو ما فتح الباب لاتهامات متبادلة بالإثراء والفساد.

الفقر بتزايد والبطالة اقتربت من 20 بالمئة والدول الريعية تهاوت

يستطيع الملك إقالة الحكومة وحل البرلمان، ولكن الأكثر أهمية ماذا سيغير بالمشهد الأردني، هل يُحدث ذلك نهضة اقتصادية، وخروجا من الأزمات السياسية المتلاحقة؟

وصفة تغيير الحكومات جُربت مرارا ولم تثبت نجاعتها، وحل البرلمان استُخدم من قبل وأحدث بلبلة وارتباكات في الأجندة الداخلية، رغم التسليم أن مجلس النواب لا يحظى برضى الناس.

يعرف رئيس الحكومة عمر الرزاز أنه لم يعد يحظى بالقبول الشعبي، والانتقادات تزايدت له حتى من قاعدته والداعمين له، ويدرك أن الفرص التي أعطيت له بتعديل فريقه أوشكت على النفاذ، وأن صبر الملك على الإخفاقات له حدود، لكنه على قناعة أيضا أن "رأس الدولة" يفهم جيدا أن الأزمات التي تلاحق البلاد ليست صناعة حكومته وحدها، ودون إرادة سياسية بتغيير حقيقي في نهج إدارة البلاد فإن الأردن سيظل في "عنق الزجاجة"، رحل عمر الرزاز أم بقي رئيسا للحكومة، حُل البرلمان أن استكمل مدته الدستورية!

اقرأ للكاتب أيضا: طبول حرب أم سلام في الشرق الأوسط؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG