Accessibility links

نار "نوتردام": حريق أم معمودية؟


مشهد عن بعد لمحاولة السيطرة على حريق كاتدرائية نوتردام - 15 نيسان/أبريل 2019

فارس خشّان /

فيما كان الجميع يتحسّر ويندب ويبكي كاتدرائية "نوتردام" التي تلتهمها النار، وحده رئيس أساقفة باريس "ميشال أوبتي" كان هادئا ولا تبارح الابتسامة الوادعة شفتيه.

الجميع تعاطى مع الكاتدرائية التي بدأ بناؤها العام 1160 على أنها كنز تاريخي وحضاري وجمالي وسياحي، ولكن رئيس أساقفة باريس، مع تسليمه بكل ذلك، وجد في الحدث التراجيدي، بعدا إيجابيا. لم ينظر الى النار المشتعلة من زاوية كيميائية، لجهة ما تلتهمه من خشب ومعدن وحجر، بل من زاوية إنجيلية، لجهة أن ألسنة النار هي من الروح القدس، الأقنوم الثالث، في عقيدة "التثليث" الكاثوليكية.

ما اعتبره كثيرون خسارة فادحة، وجد فيه "أوبتي" الذي كان طبيبا، قبل أن يعود ويرتسم كاهنا وهو في الرابعة والأربعين من عمره، مكسبا صافيا، ذلك أن الكاثوليكية في فرنسا لا ينقصها الحجر، إذ إنه في باريس وحدها توجد 600 كنيسة، بل ينقصها البشر، كما أنّ الكاتدرائيات عموما، و"نوتردام" خصوصا، تتعاطى مع نفسها على أنها مكان التقاء المؤمنين حول يسوع المسيح بشفاعة والدته مريم، وليس على أنّها متحف رائج، وفق ما يتعاطى معها من ينظر الى ما يمكن أن يدرّه من أرباح 14 مليون زائر سنويا.

وفي إطلالاته العلنية، منذ اندلاع الحريق في الكاتدرائية، يريد رئيس أساقفة باريس، أن يأخذ عيون العالم، عبر الحجر، ليسلّطها على البعد المسيحي لفرنسا، إذ إنّ ما يبكي عليه الفرنسيون والاوروبيون وسائر مواطني الكون، هو نتاج إيمان مسيحي، وتاليا، فإن الاهتمام بالمبنى، بعيدا من الروح التي بنته، لا يحقق الرسالة التي حملتها النيران، مع بداية أسبوع الآلام لدى الكاثوليك.

وبذلك، تكون النيران التي التهمت جزءا من "نوتردام" قد ضخّت الحياة في كنيسة تعاني الأمرين، في بلد علماني لم يبق في الكاثوليكية ما يهتم به سوى الفضائح، وأهمها التحرش الجنسي بالأطفال.

وهذا بالتحديد، ما أراد "أوبتي" الانقلاب عليه، محاولا تحويل نقمة النار الى نعمة.

إنّ مشهد احتراق الكاتدرائية الأهم في أوروبا، الذي جذب الناس وحرّك عواطفهم، كان مناسبة ذهبية للكنيسة حتى تذكّر الفرنسيين بإيمانهم وبتاريخهم وبعطاءات أجدادهم وبإنجازاتهم، وبأن الكاثوليكية، لا يمكن اختصارها بفضائح جنسية ارتكبتها قلّة من رجال الدين، بل هي إرث بنّاء عريق تمّ إنجازه على يد غالبية ساحقة عبر القرون، وكما أنّ باريس لا تعود على ما هي عليه بلا كاتدرائية "نوتردام"، كذلك هي حال فرنسا وأوروبا، بلا الكاثوليكية، ذلك أن الحجر قيمته لا تنبع من ذاته بل من الروح التي حركت الأيادي الذي رفعته كاتدرائيات.

والكاتدرائيات، بالمفهوم الكنسي، يفترض أن تصل حاضر الناس بتاريخهم وبأجدادهم، وأن تُشعرهم بجوهر هوياتهم، وأن تخلق التلاحم فيما بينهم.

والكاتدرائيات، في العصور الوسطى، كانت تختصر الدور المركزي للكنيسة في حياة الجماعة، فهي لم تكن فقط مكانا للصلاة والاحتفالات الدينية فقط، بل أكثر من ذلك، إذ إنّها كانت ملجأ الناس عندما تهب العواصف العاتية.

وهذا الدور المركزي للكنيسة الكاثوليكية يريده "أوبتي" ـ وخلفه الفاتيكان ـ أن يعود الى فرنسا وأوروبا وسائر العالم.

وكان لافتا للانتباه أن رئيس أساقفة باريس، سارع الى لوم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، بعد توجيه كلمته الرسمية الى شعبه، بمناسبة انتهاء عمليات إطفاء الحريق، لأنّه لم يأت على ذكر الكاثوليك أو المسيحيين فيها. وبذلك يكون "أوبتي" قد اعترض علنا، وبلا مواربة، على محاولة رئاسية اشتُبه بأنها تهدف الى فصل الكاتدرائية المنكوبة عن أصحابها المعنويين، علما أن الكاتدرائيات التي أنشئت قبل العام 1905 أضحت كلها ملكا عقاريا للدولة الفرنسية.

إذن، كل طرف أخذ حريق "نوتردام" الى الركن الذي يهمه، فالمثقفون، مثلا، أعادوا تخليد ذكر الكاتدرائية الى الأعمال الأدبية، وأبرزها على الإطلاق رواية فيكتور هوغو التي حملت اسم الكاتدرائية، فيما اليساريون، قدّموا أنفسهم حريصين على الإنجازات التاريخية، وإن كان بينهم من انتقد التبرعات السخية لإعادة الترميم معتبرين أن الفقراء بحاجة الى الكرم أكثر من المباني، علما أن مبلغا سنويا يتم التبرع به للقضايا الإنسانية يوازي المبلغ الذي جمعته التبرعات الطارئة لترميم الكنيسة (مليار أورو).

ولكن على الرغم من أهمية كل زوايا الموضع، يبقى منحى الكنيسة الكاثوليكية هو الأهم، فأوروبا عموما وفرنسا خصوصا، تصارع من أجل تثبيت هويتها، في ظل الأزمات الحضارية في العالم الناشئة عن الصراعات هنا وعن موجات الهجرة هناك.

حتى كتابة هذا المقال، نجحت الكنيسة في قيادة دفّة حريق "نوتردام"، فالمؤمنون خرجوا من منازلهم وملأوا الطرق والكنائس بالصلوات، ورجال الدين استعادوا نبرتهم المسيحية الفخورة، والمبتعدون عن عقيدتهم أعادوا طرح الأسئلة الموصلة الى وجوب العودة الى الانتماء، بعد معمودية...النار.

إلّا أن كل ذلك، وليد لحظة مؤثرة، ومعروف أنه لا تبنى نتائج على عواطف سرعان ما يمكن أن.. تبرد.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG