Accessibility links

نبيل فياض: العلماني العنصري (2)


تظاهرة لمعارضين سودانيين للنظام السوداني

بابكر فيصل/

تناولت في الجزء الأول من هذا المقال وجهة النظر العنصرية التي أبداها الكاتب السوري نبيل فياض تجاه السودانيين والأفارقة على وجه العموم، حيث وصفهم بأنهم "معاقين فيزيولوجيا" ولا عقلانيين بطبعهم، بشبهة أن عرقهم الزنجي يجعلهم عاجزين عن التفكير المنطقي السليم، وأوضحت أن تلك الفرية تخالف معطيات العلم، وتنم عن جهل الكاتب العميق بالتاريخ الذي تشهد وقائعه بأن تلك الشعوب المتهمة بالعجز العقلي شادت حضارات عريقة ومزدهرة.

لم يقتصر جهل الكاتب نبيل فياض على التاريخ البعيد، بل هو كذلك أظهر عدم دراية ومعرفة حتى بالتاريخ القريب المرتبط بدخول الإسلام للسودان وبنوع التدين السائد في ذلك البلد وبلدان أفريقيا على وجه العموم.

العنصرية آفة أخلاقية بغيضة تتناقض مع مبادئ الكرامة والمساواة بين البشر

فقد استعصت بلاد النوبة (السودان) على الفتح الإسلامي بالقوة، ولم يدخلها الإسلام إلا عن طريق التجار ورجال الدين الوافدين، وهو الأمر الذي أوردته كتب السيرة الموثوقة، ومنها كتاب "السيرة والمغازي"، لأبي عبد الله محمد بن عمر (الواقدي).

روى الواقدي أن المسلمين عندما دخلوا مصر أرسلوا "عقبة بن نافع الفهري" في حملة إلى بلاد النوبة لإخضاعها، غير أن المسلمين لاقوا عناء شديدا في تلك الحملة من جراء مهارة أهل النوبة في الرمي بالسهام والنبل، حتى أنهم أصابوا كثير من المسلمين في أحداقهم، وانصرف المسلمون بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة، وسموا "رماة الحدق".

فعن الواقدي قال: "حدثنا ابراهيم بن جعفر عن عمر ابن الحارث عن أبى قبيل حيى بن هاني المعافرى، عن شيخ من حمير قال: "شهدت النوبة مرتين في ولاية عمر بن الخطاب، فلم أر قوما أحد في حرب منهم. لقد رأيت أحدهم يقول للمسلم: أين تحب أن أضع سهمي منك؟ فربما عبث الفتى منا فقال: في مكان كذا، فلا يخطئه، كانوا يكثرون الرمي بالنبل فما يكاد يرى من نبلهم في الأرض شيء. فخرجوا إلينا ذات يوم فصافونا ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم. رمونا حتى ذهبت الأعين فعدت مئة وخمسون عينا مفقوءة، فقلنا: ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل وإن نكابتهم لشديدة".

لا شك أن هؤلاء القوم الأشداء الذين شهد لهم هذا الشيخ الحميري بالمناجزة والبسالة في القتال، لم يكونوا "معاقين فيزيولوجيا" كما يدعي فياض، فهم إذ يزودون عن حياض بلدهم ويتصدون للغزاة بالرمي وبالسيوف حتى يردوهم على أعقابهم خاسرين إنما يصدرون عن مهارة لا تتوفر لذوي الإعاقة الطبيعية، جسدية كانت أو عقلية.

كانت نتيجة التصدي الباسل للغزاة المسلمين، وتسرُّب الدين الجديد لبلاد السودان عبر التجار ورجال الدين بعد أن عقد المسلمون "اتفاقية البقط" مع ملوك النوبة، هي سيادة النسخة العرفانية من الإسلام المتمثلة في التصوف الذي يُعوَّل أصحابه على الباطن "الحقيقة" وليس الظاهر "الشريعة"، وهي أكثر صيغ التدين الإسلامي تسامحا ومرونة وقبولا للآخر، ولذلك فقد اختلطت بسهولة ويسر مع الموروث الديني والأعراف والتقاليد المحلية فأنتجت صيغة دينية متميزة اصطلح على تسميتها بـ "إسلام أهل السودان".

وعلى الرغم من أن أهل السودان مسلمون سنيِّون يتحاكمون إلى المذهب المالكي، إلا أن ولائهم الأكبر ظل للعرفان الصوفي، وليس لإسلام الفقهاء التقليدي، وهو ما يُفسر بعدهم الشديد عن التزمت والتعصب والعنف الذي اتسم به إسلام الصحراء، ولهذا السبب لم تستطع جيوش الفكر السلفي الوهابي أن تغزو مجتمعهم إلا بشكل محدود في الآونة الأخيرة بسبب الدعم المادي الكبير القادم من دول النفط في الجزيرة العربية.

مثلما استعصى السودان على السلفية الوهابية، فهو كذلك لم يستسلم لفكر جماعة الإخوان المسلمين الذي تسلل إليه من مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، وبرغم نجاح الجماعة في الوصول للسلطة عبر الانقلاب العسكري في حزيران/يونيو 1989 إلا أنها لم تتمكن من إحداث تغيير كبير في تدين أهل البلاد، حيث ظلت الفكر الإخواني محاصرا ومحصورا في فئات محدودة تواجه اليوم أكبر ثورة عرفها الشعب السوداني منذ أن نال استقلاله من المستعمر البريطاني في عام 1956.

ومن ناحية أخرى، فقد عرف السودان تنوعا دينيا كبيرا انعكس في التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين وأصحاب الديانات الأفريقية الإحيائية، ولم يعكر صفو هذا التعايش سوى فترة الحكم الاستبدادي الأخيرة التي انفرد فيها الإخوان المسلمين بحكم البلاد، وقاموا بسن قوانين تضيق على المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، وهو الأمر الذي واجهه الشعب السوداني برفض شديد.

لم يقتصر رفض الفكر السلفي والإخواني على السودان، بل امتد لمختلف دول القارة من أقصى غربها إلى أقصى شرقها، حيث تبدت المقاومة الشرسة من قبل الشعوب الأفريقية للتنظيمات المتطرفة من شاكلة القاعدة وبوكو حرام والشباب الصومالي، فهي إذ تتناقض مع الإسلام الصوفي المتسامح الذي يسود في تلك الدول تشكل تهديدا كبيرا للسلم الاجتماعي والتعايش الديني بين مختلف مكونات المجتمعات الإفريقية.

هذه الحقائق الماثلة على الأرض، أي رفض النسخ الإسلامية المنغلقة علاوة على التنوع والتعايش بين الأديان المختلفة في دول أفريقيا، تُبطل بصورة حاسمة النبوءة التي قال بها فياض من أن الإسلام السني ـ الأشعري المنغلق سيجد له مكانة في أرض أفريقيا، بل أنه بحسب ادعائه سيصبح "دين الزنوج القومي"، وهو الأمر الذي تعارضه الوقائع من وحي الرفض الكبير لتلك النسخ من الإسلام في القارة السوداء.

لم يقتصر رفض الفكر السلفي والإخواني على السودان، بل امتد لمختلف دول القارة

المفارقة المثيرة للدهشة في هذا الإطار هي أن السودانيين الذين يزدريهم فياض ويصفهم بـ"المعاقين فيزيولوجيا"، هم أنفسهم ذات الشعب الذي بسط ذراعيه وفتح أراضيه لاستقبال عشرات الآلاف من المواطنين السوريين الفارين من جحيم الحرب الأهلية، حيث شاركهم المأكل والمشرب والمسكن دون من أو أذى رغم عسر الأوضاع وضنك العيش الذي تسببت فيه ثلاث عقود من حكم الإخوان المسلمين لذلك البلد الأمين.

العنصرية آفة أخلاقية بغيضة تتناقض مع مبادئ الكرامة والمساواة بين البشر، وتنتقص من حقوق الإنسان، وفوق هذا وذاك فإنها خاطئة علميا، ويترتب عليها مخاطر سياسية واجتماعية كبيرة تهدد التعايش السلمي بين الأفراد والشعوب والدول، والأمر كذلك فإنه يجدر بالمثقفين، خصوصا الذين ينسبون أنفسهم لمبادئ الديمقراطية والعلمانية والليبرالية، أن يقفوا في مقدمة الصفوف التي تدين هذا السلوك وألا يروجوا له بأي شكل من الأشكال.

اقرأ للكاتب أيضا: نبيل فياض: العلماني العنصري (1)

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG