Accessibility links

نحو الاتزان في الهويات العربية وما بعد العربية


مقاتل من العارضة السورية يقف على تمثال حافظ الأسد في إدلب في صورة تعود للعام 2015

حسن منيمنة/

أوجه الشبه عديدة بين محافل التواصل الاجتماعي التي تحضن الإسلاميين الجهاديين وتلك التي تجمع القومين البيض. فهذه وتلك تطفح بالعنجهية الجوفاء والشتائم المتناطحة وأشباه الحقائق المبتورة، وإن غلب على الجهادي منها التهديد الدموي، مقابل التهجم الجنسي لدى القوميين البيض. وهذه وتلك تشهد اندفاع الراغبين، من أصحاب "النواقص"، الطامعين رغما قصورهم بحظوة القبول في نادي النخبة. وكما تصرّ صفوة الجهاديين على تزكية صفوفها من القبورية والمرجئة والتلفية وغيرها، فإن زبدة القوميين البيض، من الذين يفترضون الانتماء إلى العرق الشمالي المتفوق، حريصة على درء لوثة من هو دونها.

ولدى هؤلاء القوميين البيض، متسلحين بضخّ متواصل من التفاصيل "العلمية" المبتورة والمشوّهة والموظّفة خارج سياقها، قناعة بحدود عرقهم الأبيض تقتصر ابتداء على شعوب القارة الأوروبية، قبل أن تضيق لتخرج من أهل الحظوة لا اليهود والغجر وكافة الطارئين على القارة القديمة وحسب، بل حتى اليونانيين والإيطاليين وغيرهم من الذين جاوروا أعراق "الطين" على مدى التاريخ فامتزجوا بها.

تبدو التجارب القومية ما بعد العربية وكأنها تسعى إلى استنساخ ما أقدمت عليه الحركات القومية العربية

وقد يكون الاطلاع على استتباب هذه القناعة غائبا، أو قد يكون التعويل على أن القواسم المشتركة، ولا سيما في تشخيص الأعداء، أو في الاستفاضة في استعمال مصطلحات الطعن والشتم المستلة من "الأدبيات" القومية البيضاء، من شأنها تليين الصرامة فيها، فإنه ليس من النادر متابعة من يسعى عبثا إلى الارتقاء إلى مقام هذه القومية من الذين سبق لهم تصنيفهم من أهل الطين.

وتكاد أن تتمثل كافة القوميات "ما بعد العربية" في هذا الجهد العقيم. مشاركات كردية تبني على شغف قومي أبيض بإيران ما قبل الإسلام لتعلن "آريتها" أو "يزدانيتها".

"الآرية" مفهوم عرقي واهم مبني على التماهي في الأصول اللغوية، كان الأساس في علم الأعراق في ألمانيا النازية. غير أن القومية البيضاء قد تخلّت بما يقارب الإجماع في صفوف فصائلها عن تأصيل عصبيتها العرقية على اللغة لتعتمد شبه حصريا على اقتطاعات من الهوية الحضارية الأوروبية. أي يكاد شرط الانتماء الأبيض أن يكون الأصول الأوروبية والمسيحية، وإن كان الميل السائد في العديد من التوجهات القومية البيضاء إلى وجوب تجاوز المسيحية.

أما "اليزدانية" فنظرية عقائدية تفتقد الأساس الوقائعي الموثّق، تجمع مختلف الفرق الدينية الناطقة كليا أو جزئيا باللغات الكردية، مثل اليزيدية والشبك وأهل الحق والعلويين (البكداش في تركيا أساسا، ثم من باب الإجمال الاعتباطي النصيرية في سوريا) وغيرهم، وتزعم أنها مشتقة من دين قديم هو "دين الملائكة" الكردي السبّاق. وفي حين أن هذه النظرية، والتي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، لم تجد القبول في الأوساط العلمية المتخصصة، فإن تداولها في الخطاب القومي الكردي يتكرر. ورغم أن القومية البيضاء بدورها تنشط في صياغة تعسفية لـ "دين أول" من مختلف روايات القصص الشعبي الأوروبي، فإن التشابه غير متحقق للتوّ بين "اليزدانية" والدين الأوروبي المتشكّل.

مشاركات أمازيغية تنشر صورا لأهل الأرياف من المنطقة المغاربية، للتشديد على أن الأمازيغ، خلاف العرب الجديرين على ما يبدو بأشنع الصفات والنعوت، من "البيض". ومثلها أخرى من لبنان والمشرق تستدعي المشترك المسيحي بالإضافة إلى لون البشرة المفترض ونمط الحياة، للتأكيد على وحدة المصير والمسار مع القوميين البيض.

بل بما أن هالة التقديس تحيط في محافل القوميين البيض بالقتلة الذين ارتكبوا الجرائم والمجازر بحق المسلمين، فاستجداء التقرب غالبا ما يتجه إلى تأييد هذا القتل ومباركته.

جواب دعاة العرق المتفوق، أقلّه إلى اليوم، على طالبي القرب والمودة من هؤلاء جميعا هو أنه لا فارق بينهم وبين سائر شعوب الطين التي يحاولون التملص من الانتماء إليها. جواب مصحوب على الغالب بإهانات جنسية وعرقية.

"البعث" عجز عن توحيد دولتين متكاملتين متجاورتين، بل أرسى في كل منهما نظام استبداد يختزل الأمة بالقائد

بالتأكيد وبالمطلق، هذه المشاركات المحدودة والمعدودة لا تختصر البتة ولا تلزم أبدا التوجهات العقائدية الكردية والأمازيغية والمشرقية المسيحية، ويقتصر انطباقها على أصحابها المجهولين. على أنه لا يسع هذه التوجهات إهمال هذه المبالغات، بل لا بد لها من مراجعة ذاتية وخطوات تصحيحية لمنع هذه الأفكار، والتي لا تزال خارج الاستعمال المؤدب في الإعلام المفتوح ولكنها بالتأكيد في المتداول الشائع على منصات التواصل الاجتماعي، من أن تتطور، من خلال التفاعل مع القوميين البيض، إلى أشكال مؤثرة.

من حق من شاء أن يسقط صفة "العربي" عن نفسه ويشهر هوية مستقلة مغايرة. غير أن ما يزول جراء ذلك هو الصفة نفسها، لا الفعل التعسفي الذي أرادها دون غيرها.

في موضع ما بين الإفراط والتفريط تكمن الإشارة الموزونة إلى الوجه "العربي" للمجتمعات المختلفة في تركيبتها والتي يتألف منها المحيط "العربي"، المتداخل بدوره في كافة أجزائه مع محيطات ثقافية أخرى.

الإفراط هو بالغلو الذي ينفي غير الصفة العربية من الصفات الذاتية ذات الرواج في هذا المحيط، والتفريط هو بالجحود الذي ينفي هذه الصفة العربية بذاتها. الأول يريد لنفسه أن يكون الرد على الاستعمار الثقافي الغربي، فإذ به يستبدله باستعمار ثقافي عربي لمن لا يريد لذاته الصفة العربية، والآخر يريد لنفسه أن يكون الرد على الاستعمار الثقافي العربي، فإذ به يستبدله باستعمار ثقافي جديد (كردي، أمازيغي، مشرقي مسيحي، مصري، خليجي)، يجتمع مع خصمه بإنكار التعددية والإصرار على التأحيد.

الزمان والمكان أكّدا بأن هذا المحيط العربي، بكليته وبأجزائه، غير صالح للتأحيد، أي زعم أنه واحد ابتداء، وغير قابل للتوحيد، أي السعي إلى جمع دوله ومجتمعاته في إطار سياسي مركزي، بل غير مستعد للاتحاد، أي تعزيز التواصل والترابط بين دوله وتخفيف قيود التنقل والتفاعل بين مجتمعاته.

بل الحقيقة التي لا بد من الإقرار بها أنه ليس في هذا المحيط اليوم قوة سياسية، حزبية أو فكرية، صاحبة طرح موضوعي متجانس مبني على أي من طروحات الوحدة، سواء كانت من فئة التأحيد أو التوحيد أو الاتحاد.

الإعراب عن الشعور "العروبي" لا يزال متداولا، ولكن في سياق عاطفي خارج الطرح السياسي. "حركة القوميين العرب" تخلّت عن منحاها القومي قبل نصف قرن، قبل أن تتشظى وتتلاشى. التيار "الناصري" اعتاش على وهج من أعطاه الاسم في حياته وإثر مماته، قبل أن يندثر. و "البعث" عجز عن توحيد دولتين متكاملتين متجاورتين، بل أرسى في كل منهما نظام استبداد يختزل الأمة بالقائد ويجهد قولا وفعلا للتضحية بالأمة ليبقى القائد. هزمه الخارج في العراق، فيما هو انتصر على أمته في سوريا، وإن إلى حين. وحتى اليمن، بهويتها الفرعية ما دون القومية، تبدو غير قادرة على الاستمرار بفعل كان الظن أنه توحيدي، فإذ به متهم بأنه تأحيدي.

ولكن بالمقابل، تبدو التجارب القومية ما بعد العربية وكأنها تسعى إلى استنساخ ما أقدمت عليه الحركات القومية العربية، وإن بإطار مكاني أضيق، فتستعير منها أسسها الاختزالية والتعسفية في حديثها عن الطارئ والأصيل، والجوهري والعرضي، ليغدو "العربي" آفة لا بد من استئصالها، وفي تجاهلها لتاريخ من الاندماج والتداخل، بل في اقتباسها التسطيح الوافد من الغرب، ومحاولتها الاستفادة من أدواته.

المسألة هنا ليست في نفي حق القوميين كافة، عروبيين وما بعد عروبيين، من تشكيل القناعات والمشاريع السياسية. هي الدعوة وحسب إلى الاتزان لتجنب تكرار ما ثبت فشله.

لا بد لأصحاب الطرح القومي العربي من مواجهة سجلهم التاريخي إذا كان الهدف إعادة انتاج فكر قومي جامع. أما اليوم، فالحديث عن "وطن عربي" لا يتعدى البعد العاطفي، بل الكلام عن "عالم عربي" أمسى مرتبكا، لتعدد "العوالم العربية" وإن تداخلت عند أطرافها، ولاختلاف الإشكاليات والأزمات فيها.

فالعالم المغاربي، والذي يتحرّج بعض العقائديين فيه من وسمه بالعربي، يكالم أوروبا شمالا ويواجه الساحل وغربي أفريقيا جنوبا. ووادي النيل يشغل مصر والسودان بإثيوبيا وسائر دول المنبع، فيما الخليج منهمك بذاته ويكاد أن يهدر إنجازاته ويهمل علاقات هامة مستجدة عبر المحيط الهندي مع آسيا الصاعدة. أما المشرق، وإن اشترك مع الخليج بالقلق إزاء إيران، فإنه الأكثر تأزما لافتقاده المنظومة السياسية الأمنية الكفيلة بإدارة موارده ومجتمعاته.

على أن هذه "العوالم" بدورها، سواء ارتضت الصفة العربية أم لا، ليست مهيأة للتشذيب ولإشهار صفة واحدة جديدة لكل منها تسعى بدورها إلى التأحيد بحجة التوحيد.

لا بد لأصحاب الطرح القومي العربي من مواجهة سجلهم التاريخي إذا كان الهدف إعادة انتاج فكر قومي جامع

التعددية هي الصفة اللازمة لحاضر هذه العوالم العربية وتاريخها. قد لا تكون "حضارية"، للإبهام المحيط بهذا التصنيف، ولكنها بالتأكيد ثقافية ودينية ولغوية وفكرية واجتماعية. الأهم أنها ليست طارئة ولا هي مرحلية، وهي بشهادة التاريخ غير قابلة للزوال، وإن شاء لها ذلك حكام مستبدون، من غابر الزمان إلى هذا القرن، أو رجال الأديان الغالبة، كل في دوره، إذ هم على قناعة بأن الحق محصور بقناعتهم. يمكن لوجه من أوجه التعددية أن يغيب، فالصابئة الحرانيون لم يعودوا من واقع المشرق الذي أثروه، والشيعة الظنّية غاب ذكرهم لدى أحفادهم في الربوع التي ما تزال تحمل اسمهم، فيما السامرة، هؤلاء الصيدونيون بهويتهم الذاتية في أمسهم، والذين سبقوا اليهود في التمسك بكتب التوراة، يكادون أن يضيعوا في محيطهم العبري الجديد. وكما في المشرق، الأمثلة تتكرر في سائر المناطق.

ولكن ما أن يغيب وجه من أوجه التعددية حتى يظهر آخر. التمايز الصاعد اليوم بين الهويتين السنية والشيعية، أو بين التوجهين الإسلامي والعلماني، ليس حدثا خارج سياق المحيط العربي، بل تأكيد على عدم انصياع مجتمعاته للتأحيد. فإما أن تتقن هذه العوالم "العربية" داخل دولها وبينها، فن تدبير الاختلاف انطلاقا من القناعة بأن فيه الثروة والعزة للجميع، أو أن يعيش الاختلاف خلافا مستنزفا.

ومع الهيبة المستجدة للقومية البيضاء في الغرب، ومع الطمع في التماهي معه، فإن تفاقم الخلاف إلى أبعاد جديدة غير محسوبة يزداد احتمالا.

اقرأ للكاتب أيضا: "النموذج الصيني": بديل عن الإطار السياسي "الغربي"؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG